الفصل الرابع: مقاصد التصرفات المالية ونظر الشريعة في أهمية الأموال

١٥٧ فقرة، ج ٢ ص ٣٨٠

الصفحة ٤ من ٤

  1. وعلّة تحريم الاحتكار إلحاق الضرر بالناس من فساد الأسواق، ومنع الطعام من الرواج بها، وبطلان معاش الرعايا، وغلاء الأسعار، والزيادة في المكوس والضرائب، وانتشار الفقر والجوع، وقيام شركات الاحتكار، وإلغاء التعامل الحرّ.

    ج ٢ ص ٤١١
  2. وقد واجهت الشريعة هذا التصرّف المقيت بإجراءات وقائية كمنع تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي. وهدفها من ذلك قطع السبل على المحتكرين. وأخرى بطرق علاجية كالسيطرة على المال المحتكر، وتعزير المحتكرين، وجبرهم على البيع، وتسعير البضائع عليهم، ومنافستهم في البيع.

  3. ومن قواعد الشريعة الإسلامية أنه "لا يحتكر إلا خاطئ" (١) أي آثم. وأن "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" (٢) . وتمتد الحرمة الشديدة إلى محتكري البضاعة الضرورية. وهذا ما حمل فقهاء الملة على مقاومة الاحتكار، وجَعَلهم يحاربونه ولا يسمحون بوجوده، معلنين أنّه من الضروري والواجب إبطاله في الطعام. وصدع عمر بن الخطاب بأن لا حكرة في أسواقنا. وقال مقاوماً لهذه الظاهرة، متعقباً من يعتمدها في تجارته: "لا يعمد رجال في أيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا،

    ج ٢ ص ٤١٢ولكن أيّما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر. فليبع كيف شاء وليمسك كيف شاء" (١) .

  4. وهكذا نظرت الشريعة الإسلامية إلى الاحتكار من زاوية المصلحة العامة للناس. وجعلت منه محرّماً ومذموماً. نهت عنه وحرّمته على الفرد والدولة، لما فيه من تضييق على الناس في معيشتهم وإضرارٍ بهم. وأباح النظام الرأسمالي الاحتكار للفرد، وبنى عليه نظامه، وأباحته الاشتراكية للدولة (القطاع العام) توفيراً لمواردها المالية ومداً لخزائنها بما تحتاج إليه من موارد (٢) .

  5. هذا وإن في الاحتكار لَمَا يحمل على الهرج والمرج والفتنة. يثير القُوى الشعبيةَ والأفرادَ على تتبع أصحاب هذا العدوان بما ينشرونه من ظلم وكيد. فهو يفضي إلى الخلل والفساد. وبين القصد من البيع والشراء، والقصد من الاحتكار في المعاملات والتجارات وردت الأحكام مشجعة على ضروب الخير في التعامل، ومقاومةِ التصرّفات الظالمة لما تُلحقه بالخاصة والعامة من أضرار.

  6. وواجهت هذا المنكر والتصرّف الخطير تشريعات إسلامية متنوعة. قضت بإبطال الاحتكار وإبطال ما يترتب عليه من نتائج، جاعلة المقصد الأعظم في المعاملات رواج الأموال، وحماية المجتمع

    ج ٢ ص ٤١٣والأفراد من عبث العابثين وكيد المحتكرين، ونشر الأمن الاجتماعي، وتوفير أسباب الراحة والسعة في الحياة الفردية والاجتماعية.

  7. وتعددت صور الاحتكار في العصر الحاضر في الدول الرأسمالية، وبهذا انتشر الحيف والظلم في أقطار الأرض، وصار من سمات الأسواق العالَمية. وأصبحت مقاضاته والتحكم فيه أمراً محدوداً. ومن صور الاحتكار اليوم:

    (١) ما يعرف بـ Trust. يقول الدكتور محمد عبد الله العربي: هو أن تتألف هذه الصورة من هيئة أمناء. مهمتها اشتراء جميع السلع المطلوب احتكارها من السوق، بل ابتياع كمية من أسهم الشركات المنتجة لهذه السلع، أو لعناصر إنتاجها، كمية تمكنها من السيطرة الكاملة على عمليات هذه الشركات وعلى سياستها.

  8. (٢) الشركة القابضة Holding company وهي هيئة الأمناء المذكورة في الصورة السابقة. تتولّى شراء أي كمية من أسهم الشركات الأعضاء، فتتمكن بذلك من السيطرة على هذه الشركات. وقد ظل هذا العمل مشروعاً طوال المدة فيما بين ١٩٠٠ - ١٩١٤.

  9. (٣) ولجأ المحتكرون بعد ذلك إلى صورة ثالثة، هي صورة الاندماجات Amalgamation Merger. والاندماج هو اتحاد شركتين أو أكثر تشتري إحداهما جميع أسهم الشركات الأخرى، بحيث لا يبقى من هذه الشركات سوى واحدة هي الداعية إلى الاندماج، أو تقوم شركة جديدة، تشتري جميع أسهم هذه الشركات وتحلُّها جميعها فتتحكم دونها في السوق.

  10. وقد يفرض الوضع الاحتكاري تأسيس منشآت متعددة: Multiple-unit Monopoly. تستجيز الاحتكار في صورٍ متعددة:

    ج ٢ ص ٤١٤(١) ويكون ذلك باتفاقات الأثمان، كأن يتفق المنتجون على تحديد أثمان السلع فيما بينهم، أو أن يتفقوا على تحديد كمية الإنتاج. وغرضهم الحصول على أعظم الربح بالرغم من تعدد المنتجين.

  11. (٢) وأخرى تقوم بقيادة الأثمان، فتتولى باعتبارها المنتج الصناعي الأكبر، تحديد ثمن البضاعة، فيتبعها سائر المنتجين الصغار. ثم تخفض الثمن الذي حددته لذلك الإنتاج المشترك لمدة معينة، فتلحق بالمزاحمين لها في السوق الخسائر الفادحة.

  12. (٣) تجميع إمكانيات فئة من المنتجين يتماثل نشاطها الإنتاجي وإحصاء هذه الإمكانيات، ثم الاتفاق بينهم على نبذ الصراع التنافسي وتحديد الثمن، فيعود عليهم بأقصى ربح احتكاري عن منتجاتهم.

  13. (٤) ومن صور الاحتكار "الكارتل" Cartle. وهو اتفاق المنتجين في الفرع الواحد من فروع الإنتاج على بعض المسائل ليتخلصوا من مضار المنافسة مع احتفاظ كل منهم باستقلاله في كل الأمور التي لا يتناولها الاتفاق. وللكارتل أنواع متعددة:

    فمنه الضيّق، والواسع، والدولي.

  14. ومن الأسف أن يساند هذه الصور والهيئات الاحتكارية في معاملاتها اليوم تطورُ أساليب الصناعة الحديثة من جهة، والاشتراكُ بين أقطاب الصناعة الحديثة وبين المصارف المالية الربوية من جهة ثانية (١) .

  15. واضطر برلمان الولايات المتحدة سنة ١٨٩٠ إلى إصدار أول قانون يعرف بقانون شرمان. وتبعت ذلك تشريعات مماثلة، وأصدرت المحكمة العليا بولاية أوهايو أحكاماً تدين شركة البترول

    ج ٢ ص ٤١٥Standar Oil. ولم تلبث أن انتقلت من الصنف الأول Trust إلى الصنف الثاني "الشركات القابضة" . وصدر تشريع من البرلمان الاتحادي سنة ١٩١٤ حرّم قيام الشركات القابضة أيضاً، واعتبر عملها غير مشروع. ورغم كل ذلك تفاقم خطر تلك الشركات. وهذه المؤسسات بممارستها أساليب الاحتكار المشهورة عن طريق إقفال الأسواق، والتحكم في الإنتاج عن طريق منع غيرها من المؤسسات من استخدام المواد الخام، أو منعها من استخدام منافذ التسويق، وإغراق Dumping الأسواق بتدمير المؤسسات الناشئة. وظهرت بذلك عولمة الاحتكار في كل بلد ومجتمعٍ بحسبه، وبحسب المتولّين له والمتساكنين به. ولِرَد هذه الألوان من العدوان المتتابع يتعين على الدول أن تتدخل لترشد عملية الإنتاج، فتمنع التحكّم في الأسواق، وتمحق أساليب الاحتكار (١) .

  16. [° الرواج]

  17. الرواج لغة: هو نَفاق الشيء والإقبال عليه وكثرة طلبه. واصطلاحاً: هو كما عرّفه الشيخ ابن عاشور دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق. وهو مقصد عظيم شرعي يدل عليه الترغيب في المعاملة التي يؤذن بها قول الله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (٢) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل طير أو إنسان أو بهيمة منه إلا كان له صدقة" (٣) .

  18. ومن صور الرواج: انتقال الأموال بين أيدي كثير من أفراد الأمة بالتجارة لما يترتب عليها من أعواض. وكان العرب يحرّمون التجارة في الحج، إذا دخل شهر ذي الحجة، بأسواقهم. فأبطل المولى سبحانه عادتهم بقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (١) أي في موسم الحج (٢) .

    ج ٢ ص ٤١٦
  19. استنفادُ بعض الثروة:
  20. ربط الشيخ هذا الموضوع بالرواج. وتوسع في هذا الغرض فجعل من الاستنفاد للمال ما يصلح أن يكون طريقاً من طرق الرواج. وهذا كالنفقات الواجبة على الزوجات والقرابة. وكذلك نفقات التحسين والترفيه. وهي وسيلة عظيمة لانتفاع الطبقتين الوسطى والدنيا في الأمة من أموال الطبقة العليا. وهي عون عظيم على ظهور مواهب الصناع وأصحاب الفنون في تقديم نتائج أذواقهم وأناملهم. وهذه النفقات هي المشار إليها بقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (٣) . وقوله - عز وجل -: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (٤) .

  21. وفي هذا الإذن الإلهي، وفيما يمارسه الناس من أعمال تجارية وفلاحية وصناعية ما يحمل على طلب المقصد الشرعي وتيسيره بجعل الأموال دُولة بين الناس، يعين على دورانها بين آحاد الأمة: إحكام التوزيع والالتجاءُ في المعاملات إلى الطرق الواضحة المشروعة.

  22. [من أحكام المعاوضات]

    ج ٢ ص ٤١٧
  23. وللمحافظة على مقصد الرواج شرعت عقود المعاملات التي منها ما هو من قبيل المعاوضات، ومنها ما هو من التبرّعات. فبهذه العقود يتمّ نقل الحقوق المالية وفق شروط وقوانين هي من هندسة الفقهاء الذين تدبّروا مصادر التشريع، وعلى الأخصّ المصدرين الأساسيين. وكان لهم من ذلك ما يسّر عليهم استنباط الأحكام ووضع القواعد والأصول، وضبط ما تقتضيه العقود من صور يتم عن طريقها مراعاة المصالح.

  24. فمن هذه الأحكام ما تُواجه الشريعة به الشرّ، وتصدّ به الظلم. مثل ما وقع للمعاملات الربوية الممنوعة شرعاً، وكذلك البيوعات المتمثلة في كل ما دخلته جهالة بأحد العضوين أو اشتمل على غرر وغبن، أو كان حكراً من التصرّفات المالية والمعاملات يقف في وجه رواج السلع والبضائع. ومن صور ذلك نهيُ الشارع عن المزابنة. وهي ضربٌ من الربا.

  25. وبيع الطعام بالطعام نسيئة كما ذكرنا قبل. وذلك لتفادي بقاءِ الطعام ديناً في الذمةِ، فيمنع ذلك رواجه. ونهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الطعام قبل قبضه وفيه حديث ابن عباس. ولفظه في البخاري: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبيع الرجُل طعامه حتى يستوفيه (١) . وحديث ابن عمر: من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه (٢) ، ونهى الشارع عن بيع الغرر. ومثاله بيعُ الجنين في بطن أمه لحديث أبي سعيد الخدري: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع (٣) . وعلةُ النهي عن

    ج ٢ ص ٤١٨هذا البيع الجهالة في صفته وحياته وكونُهُ غير مقدور التسليم.

  26. ولذلك أبطل الشارع الغرر في المعاوضات، في كل تعاوضٍ يشتمل على خطر أو غررٍ في ثمن أو مثمن أو أجل.

  27. ومن التشاريع الرفيقة بالناس ما علم الله أنها تساعدهم على الالتزام بالشريعة، وتيسر عليهم حياتهم، وتضمن لهم معاشهم، وتمكنهم من تحقيق ما ينفعهم من الرواج.

  28. وسبيل ذلك إباحة التجارة في الحج، وتشريع عقود المعاملات. وهي من قسم الحاجي. وتلزم بحصول صيغها، وبالأقوال الدالة على التراضي فيها بين المتعاقدَين، وبالوفاء بما اتفقا عليه من شروط فيها مصلحة للطرفين.

  29. وتجاوزت الشريعة عن الغرر الذي لا تخلو منه المقايضات في الغالب، أو الذي تقتضيه المطالب المجتمعية مما كان رفيقاً بالناس، مساعداً لهم على تحقيق مقاصدهم. وذلك كإباحة الشريعة المغارسة والسَّلَم والمزارعة والقراض.

  30. وجعلِها اللزوم المترتّب على العقد غير جارٍ على عقود عمل الأبدان. وتركت لأصحاب هذه المعاملات التخيير، ولم تجعله مرتبطاً بالعقد ولكن بالشروع في العمل. ومن هذه العقود الجعل والقراض باتفاق بين الفقهاء، والمغارسة والمزارعة على خلاف بينهم. وأفتى الشيخ ابن عاشور بأن ما هو من أعمال الأبدان لا يلزم إلا بالشروع. وحصر ذلك القرافي في خمسة أنواع من العقود هي: الجعالة، والقراض، والمغارسة، والوكالة، وحكم الحاكم. فهذه لا تلزم بالعقد (١) .

  31. وجوّزت الشريعة بيع الطعام قبل قبضه في الشركة والتولية والإقالة. ولم تلزم بالتوثّق بالإشهاد في حالات من التعامل حرصاً على نفي العوائق عن طريق المتعاملين.

    ج ٢ ص ٤١٩
  32. ومن الرفق في التشريع تجويز كراء الأرض لعد المنع من ذلك، وتشريع المعاملات كما في المغارسة والمساقاة، وفي البيوع على الأوصاف كبيع البرنامج.

  33. ونظمت الشريعة المعاملات بين الناس وأقامتها على قانونٍ عدلٍ يضمن النتائج الصالحة لحياة ذوي المال وأصحاب الثروة. وهي لم تهمل جانب ما بعد الموت في التشريع، إذ تولى سبحانه قسمة الفرائض بنفسه، وشرّع الوصية للأقارب وغيرهم، حصرها في ثلث المال ولغير وارث. والحكمة من هذا التوزيع جعل مال الفرد آيلاً إلى قرابة صاحبه. وبه يكون عوناً على حفظ أموال الأسرة أو المجموعة. ولم تَحرِم الشريعة أولي الأرحام حقَّهم في المال والميراث. وسمى الله تعالى ذلك فريضة في قوله: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (١) .

  34. وتوصف بالرواج الأموال التي يتعامل بها الناس. وقد تحول المجتمع البشري من التقايض بالأعيان إلى التعاوض بالنقد. ويبرر ذلك ما اشترطوه في الأموال من الرواج، وأن تكون قابلة للادخار، مرغوباً في تحصيلها، قابلة للتداول، محدودة المقدار.

  35. وكان دور المحتسب في القديم إجراءاً إدارياً يحرص به على تطبيق ما تقدم الإلماع إليه من التشريعات. ومن دوره منع المتاجرين

    ج ٢ ص ٤٢٠بأقوات الناس من احتكار ما يحتاجون إليه في معاشهم، أو إغلاء الأثمان عليهم استغلالاً واعتداء. فلذلك أُسندت إلى المحتسب مهام كثيرة أخرى منها مراقبة الأسواق التجارية ومحلات البيع والشراء والمؤسسات الاقتصادية، ومراقبة الصناع والحِرفيين، كما وُكل إليه تحكيم قوانين العرض والطلب في المعاملات التجارية، ومراعاة جودة الصناعة، ومراقبة غذاء الشعب. وكل ذلك من أجل صيانة الأسواق من الغشّ في المبيعات، والتدليس في العقود، والغبن في الأثمان والأجور. فهو لكل ذلك بالمرصاد، يرشد الناس ويعظهم، ويتولّى تتبع المحتكرين وتعنيفهم بالقول الغليظ، ويغير منكرهم بيده، ويهددهم ويخوّفهم، ويستعمل ما يناسب ذلك من وسائل التعزير ويستعين على أداء مهمته بالأعوان والشرطة. وتصرّفه في هذا كله تصرّف أصحاب الولايات، لأن ولاية الحِسبة ولاية عامة شرعية كولاية القضاء. وقد أسندت هذه المهمة إلى رجال الشرطة ورجال التموين، وإلى النيابة الإدارية وحتى العامة (١) .

  36. [توسيع الدراسات الفقهية]

  37. كان جمهور المتقدمين من أئمة الفقه والأصول يكاد يحصر جدله واستدلالاته وتعليقاته في مسائل العبادات، وبعض مسائل الحلال والحرام في البيوع. أما اليوم فقد أصبح لزاماً على الفقهاء وعلماء الشريعة أن يعكفوا على بحث أسرار التشريع في المعاملات، وفي الكيفيات المقصودة للشارع فيها، من أجل تحقيق مقاصد الناس النافعة، وحفظ مصالحهم العامة في تصرّفاتهم الخاصة، وتدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع الأحكام. وانبنت أحكام

    ج ٢ ص ٤٢١المعاملات على مراعاة المقاصد الشرعية فيها، لأن الأصل فيها تحقيق مصالح العباد في سبل الحياة والمعاش، ورفع الحرج عنهم، بعيداً عن الباطل والحرام (١) .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من تصرّفات العباد، في الأقوال والأفعال، عادات يحتاجون إليها في دنياهم. الأصل فيها العفو، فلا يُحظر فيها إلا ما حرمه الشرع. والغفلة عن هذه الحقيقة تعرّضنا للوقوع في منكر شديد. قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} (٢) . فالبيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاملاتهم كالأكل والشرب واللباس. وقد جاءت الشريعة في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرّمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي، واستحبت وندبت إلى ما فيه مصلحة راجحة في هذه الأنواع ومقاديرها وصفاتها" (٣) .