الوجوب والحرمة في أمر واحد

١١ فقرة، ج ١ ص ٣٦٣

  1. ونختم الكلام عن الحرام بمسألة أخرى يشترك فيها الحرام مع الواجب، وهي هل يجتمع الإيجاب والتحريم في أمر واحد؟ وبتعبير آخر هل يكون الفعل واجبًا وحرامًا معًا؟

    ج ١ ص ٣٦٣
  2. إن الواجب والحرام ضدان، والضدان لا يجتمعان في الأمر الواحد باتفاق العقلاء، ولكن اختلفوا في المقصود من الواحد الذي يعتبر محلًا للواجب والحرام، ويتعلق به الإيجاب والتحريم (١) ، ويتفرع الكلام حسب الحالات الأربع التالية:

    [الحالة الأولى]

    1. (١)مختصر ابن الحاجب: ص ٣٩، المستصفى: ١ ص ٧٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٠٧.
  3. إذا كان الفعل واحدًا بالجنس فيجوز أن يتعلق به الواجب والحرام، أو ينقسم إلى واجب وحرام، وتكون القسمة بحسب الأوصاف والإضافات، كالسجود للَّه تعالى، والسجود للصنم، فالسجود الأول واجب والسجود الثاني حرام، ولا تناقض بينهما في تعلق الإيجاب والتحريم في السجود، بقوله تعالى {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: ٣٧] ، فلا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من وجوب الثاني وجوب الأول، للتغاير بالشخصية بين السجود للَّه والسجود للصنم (٢) .

    1. (٢)خالف المعتزلة في هذه الحالة وقالوا: إن السجود نوع واحد مأمور به، والساجد للصنم عاص لأنه يقصد تعظيم الصنم وليس بنفس السجود: (انظر المستصفى: ١ ص ٧٦، فواتح الرحموت: ١ ص ١٠٤، البرهان، للجويني: ص ٣٠٤، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٣، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٠٧، المسودة: ص ٨٤، أصول الفقه، الخضري: ص ٥٤). =
  4. [الحالة الثانية]

    ج ١ ص ٣٦٤
  5. إذا كان الواحد متعلقًا بشخص واحد، وليس له إلا جهة واحدة فلا يجوز وجوب الفعل وحرمته في آن واحد، لأنه مستحيل، لأن الطلب يتضمن جواز الفعل، وهو يناقض طلب الترك، فيكون تكليفًا بالمحال، ومعنى هذا أن الفعل يجوز تركه ولا يجوز تركه في آن واحد، كوجوب الصلاة على زيد المكلف الصحيح، وحرمة الصلاة عليه في وقت واحد (١) .

    1. (١)تسهيل الوصول: ص ٢٦٥، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ٧٢، تيسير التحرير: ٢ ص ٢١٩.
  6. [الحالة الثالثة]

  7. إذا تعددت الجهة التي يتعلق بها الخطاب، وكانت الجهتان متلازميتن فلا يجتمع الفعل وطلب الترك، لأن الجهتين المتلازمتين ترجعان إلى جهة واحدة، كصوم يوم النحر نذرًا، ففيه مطلق الصوم، والصوم في ذلك اليوم، والمطلق في ضمن المقيد، ومثل الصلاة في الوقت المكروه مكروهة فلا يثاب عليها، وبالتالي فالصوم باطل، والصلاة باطلة عند بعض العلماء، وقال الحنفية: الصلاة والصوم فاسدان، لأن التحريم ورد لأمر عارض، بينما الصلاة والصوم مشروعان بأصلهما، فالصلاة والصوم منعقدان عندهم مع الفساد، وقال بعض الشافعية بصحة الصلاة والصوم لصرف النهي فيهما عن الصلاة والصوم إلى أمر خارج منهما (٢) .

    1. (٢)تسهيل الوصول: ص ٢٦٥، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ٧٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١١١.
  8. [الحالة الرابعة]

    ج ١ ص ٣٦٥
  9. إذا تعددت الجهة، وكانت الجهتان غير متلازمتين كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهنا اختلف العلماء في اجتماع الوجوب والحرمة في هذا الفعل على قولين:

    القول الأول: جواز تعلق الطلب مع تعلق النهي في فعل المكلف، ويصح التكليف به، وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في قول، لأن النهي لأمر خارج عن ذات الفعل فلا يقتضي الفساد، فالصلاة والغصب جهتان منفكتان ولا تلازم بينهما، لإمكان وجود أحدهما دون الآخر، ولتغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف الجهتين من الغصب والصلاة، فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة واجبة بالنظر إلى جهة الصلاة، ومحرمة بالنظر إلى جهة الغصب، ويقيسون ذلك على الأمر لشخص بالخياطة وعدم السفر، فإذا خاط وسافر فهو مطيع في الخياطة عاص في السفر قطعًا، ولأن التغاير بين الشيئين إما أن يكون بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس، وإما بتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو، وإما أن يكون باختلاف الصفات في الموضوع الواحد كهذا المثال (١) .

    1. (١)تسهيل الوصول: ص ٢٦٦، المستصفى: ١ ص ٧٦، فواتح الرحموت: ١ ص ١٠٥، ١٠٦، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٣، الإحكام الآمدي: ص ١٠٧، مختصر ابن الحاجب: ص ٣٩، أصول الفقه، الخضري: ص ٥٥، الفروق: ٢ ص ٨٥، البرهان، للجويني: ١ ص ٢٨٤.
  10. واحتجوا أيضًا بإجماع السلف على عدم أمر الظالمين عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة، وعدم نهي الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة (٢) .

    1. (٢)المستصفى: ١ ص ٧٧، فواتح الرحموت: ١ ص ١٠٩، تيسير التحرير: ١ ص ٢٢٠، = = مختصر ابن الحاجب: ص ٣٩، البرهان: ١ ص ٢٨٨.
  11. القول الثاني: عدم تعلق الطلب والنهي في أمر واحد ولو تعددت جهته، وهو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين والظاهرية (١) .

    وقالوا: إن الصلاة لا تصح في الأرض المغصوبة، ولا يسقط الواجب عندها، لأن الصلاة استمرار ومكث في الأرض المغصوبة، وهذا منهي عنه، والمنهي عنه يستحيل أن يكون واجبًا، وإن إقامة الصلاة في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة، وإن الفعل الصادر من المكلف واحد، فلا يكون مثابًا عليه ومعاقبًا عليه في آن واحد (٢) .

    1. (١)قال الباقلاني والرازي في قول ثالث: إن الصلاة في الأرض المغصوبة تسقط عن المكلف، ولكن أداءها واجب بدليل الإجماع السابق، (انظر: المراجع السابقة، البرهان، للجويني: ١ ص ٢٨٧).
    2. (٢)انظر الرد على هذا القول وأدلته في تسهيل الوصول: ص ٢٦٧، المستصفى: ١ ص ٧٧، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٣، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٠٧، المسودة: ص ٨٣، مختصر ابن الحاجب: ص ٣٩، أصول الفقه، الخضري: ص ٥٣.
    ج ١ ص ٣٦٦