هل المباح مأمور بطلبه أو باجتنابه؟

٩ فقرات، ج ١ ص ٣٧٨

  1. قبل الجواب عن هذا السؤال نبين أن المباح حكم شرعي بإجماع علماء الأصول، وخالف بعض المعتزلة وقالوا: إن المباح ليس حكمًا شرعيًّا، لأن المباح ما لا حرج في فعله وتركه، وهذا ثابت قبل النص عليه في الشرع، فيبقى مستمرًا لاستصحاب الحال، ولا علاقة للحكم التكليفي به، والواقع أن المباح كحكم شرعي هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بتخيير المكلف بين الفعل والترك، وهذا ثابت بالخطاب الذي تثبت به الأحكام الشرعية الأخرى (٢) ، ولئن كان المباح حكمًا شرعيًّا، فإنه ليس حكمًا تكليفيًّا، لأن التكليف ما فيه كلفة ومشقة، والتخيير ليس فيه كلفة ومشقة، وإنما دخل في الحكم التكليفي من جهة التغليب، ويدخل في الواجب من جهة الاعتقاد بإباحته (٣) .

    1. (٢)المستصفى: ١ ص ٧٥، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١١٥، مباحث الحكم: ص ١٠٧.
    2. (٣)الإحكام، الآمدي: ١ ص ١١٧، مباحث الحكم: ص ١٠٩، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٤.
    ج ١ ص ٣٧٨
  2. أما من جهة الأمر بالمباح فيكاد العلماء يتفقون على أن المباح غير مأمور به، وأن الشارع خير المكلف فيه، فلم يأمر المكلف بفعله ولم يطلب منه الترك (٤) .

    1. (٤)المستصفى: ١ ص ٧٥، تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١١٥، = = الموافقات: ١ ص ٧٣، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٤، مختصر ابن الحاجب: ص ٤١.
  3. وخالف في ذلك الكعبي من كبار المعتزلة، وقال: إن المباح مأمور به، ونفى وجود المباح في الأحكام الشرعية، وأن الأحكام الشرعية إما أن تكون مطلوبة الفعل أو مطلوبة الترك، واستدل على ذلك بأن القيام بأحد المباحات يشغل المكلف عن الحرام، ويكون عمل المباح تركًا للحرام، وترك الحرام واجب، فالمباح واجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالاشتغال بالأكل أو بالصيد يمنع الإنسان ويبعده عن السرقة وشرب الخمر وقذف المحصنات والغيبة والنميمة.

    وقال الكعبي أيضًا: إن الأحكام الشرعية تتعلق بالنفع والضرر للأفعال، فإن كانت نافعة، أو كان نفعها أكثر من ضررها فهي مطلوبة الفعل، وإن كانت ضارة، أو كان ضررها أكثر من نفعها، فهي مطلوبة الترك، وإنه لا يوجد فعل يتساوى فيه النفع والضرر في آن واحد، أو يتساوى فيه الوجود والعدم، فالأكل فيه منفعة ومطلوب فعله لتغذية الجسم، والنوم مطلوب لصحة الإنسان، واللهو مطلوب بمقدار ما ينتفع الذهن به (١) .

    1. (١)المراجع السابقة: أصول الفقه، الخضري: ٥٨، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٤٧، البرهان، الجويني: ١ ص ٢٩٤.
    ج ١ ص ٣٧٩
  4. وناقش الجمهور أدلة الكعبي وردوا شبهته بأن ترك الحرام والكف عنه أمر نفسي وإرادي ولا يتحقق بالاشتغال بالمباح، وأن المرء يمارس المباحات دون أن يخطر بباله ترك الحرام (٢) .

    1. (٢)أصول الفقه، الخضري: ص ٥٩، مباحث الحكم: ص ١٠٨، الإباحة: ص ٢٨٩، وما بعدها. تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٦، مباحث الحكم: ص ١٠٩.
  5. كما ينتج عن قول الكعبي نتائج خطيرة لا يقرها الشرع، وذلك أن ترك الحرام قد يكون بالمباح أو بالمندوب أو بغيرهما فلم يتعين المباح لترك الحرام، وأن ترك الحرام قد يكون بحرام مثله، فهل يكون الحرام الثاني واجبًا حسب قاعدة الكعبي؟ لأنه ينشغل به الفاعل عن الحرام الأول، وأن الصلاة إذا شغلت عن واجب آخر أصبحت حرامًا؟ وهذا غير صحيح باتفاق.

    ج ١ ص ٣٨٠
  6. وأجمع العلماء على تقسيم الفعل إلى خمسة أقسام، وأن المباح هو القسم الخامس، فإن نفاه الكعبي فيكون مخالفًا للإجماع، وهذا باطل (١) .

    1. (١)تيسير التحرير: ٢ ص ٢٢٧.
  7. ولو اقتصر الكعبي على أن بعض المباح قد يكون واجبًا لكان صحيحًا، وذلك إذا اتجه المرء إلى حرام، ولم يستطع تركه إلا بالاشتغال بمباح، فيكون المباح هنا واجبًا، لأنه وسيلة إلى واجب وهو ترك الحرام (٢) .

    1. (٢)مباحث الحكم: ص ١٠٩.
  8. والمباح قد يؤدي إلى مصلحة محققة أو مفسدة ومضرة فيتغير وصفه من المباح إلى غيره كالمندوب والمكروه إذا أدى إلى عكسه فيتغير حكمه (٣) .

    1. (٣)انظر تفصيل ذلك في الإباحة، مدكور: ص ٣٧٢ وما بعدها.
  9. وخلاصة القول: إن المباح حكم شرعي، وإنه حكم غير تكليفي، وإن المباح غير مأمور به شرعًا.