المطلب الثالث في المانع
٣٢ فقرة، ج ١ ص ٤١٥
- ج ١ ص ٤١٥
[تعريف المانع]
-
المانع لغة: الحائل بين شيئين، وهو اسم فاعل من منع، والامتناع هو الكف عن الشيء (١) .
- (١)المصباح المنير: ٢ ص ٧٩٨، القاموس المحيط: ٣ ص ٨٦.
-
والمانع في الاصطلاح: هو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب (٢) .
- (٢)انظر: تسهيل الوصول: ص ٢٥٨، إرشاد الفحول: ص ٧، جمع الجوامع مع حاشية البناني عليه: ١ ص ٩٨، الموافقات: ١ ص ١٧٩.
-
فالمانع معنى معلوم محدد يمنع وجود الحكم، أو يمنع تحقق السبب، وذلك أنه إذا وجد السبب الشرعي، وتحقق شرطه، فلا يترتب المسبب عليه إلا إذا انتفى المانع، لأن المانع يمنع ترتب الحكم على السبب.
-
وحقيقته أنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم (٣) .
- (٣)المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٥، ٦٩، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٥٦.
- ج ١ ص ٤١٦
مثاله: اختلاف الدين والقتل في الميراث، فإذا وجدت الزوجية أو القرابة، وهما سببان للإرث، فلا يتم الميراث إلا إذا انتفى المانع، وهو اختلاف الدِّين أو القتل، والأبوة مانع من القصاص، فإذا وجد القتل وهو سبب للقصاص، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، فلا ينفذ القصاص إلا إذا انتفى المانع، فإن وجد فلا قصاص.
-
[العلاقة بين السبب والشرط والمانع]
-
من التعريف والشرح تظهر العلاقة بين السبب والشرط من جهة وبين المانع من جهة أخرى، فالمانع يوجد مع وجود السبب وتوفر الشرط، ويمنع ترتب المسبب على سببه، فالشارع أخبرنا بوجوب الأحكام عند وجود السبب والشرط وانتفاء المانع، وعدم وجوب الأحكام أو عدم وجودها عند انتفاء السبب والشرط أو وجود المانع.
-
فالمانع عكس الشرط، لأنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع عكس السبب أيضًا، لأنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدمه، أما المانع فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
-
وقد يلتبس الشرط مع عدم المانع، لأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، ولذلك اعتبر بعض العلماء من شروط الصلاة: ترك المناهي من الكلام والطعام وغيرهما، ولكن الإمام النووي رحمه اللَّه حقق ذلك، وقال: إنها ليست شروطًا للصلاة، وإنما سميت بذلك مجازًا، وإنما هي مبطلات، لأن الشرط وصف وجودي، وعدم المانع وصف عدمي (١) .
- (١)المجموع شرح المهذب: ٣ ص ٤٩٣، وانظر: شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٦١، الفروق: ١/ ١١١. =
- ج ١ ص ٤١٧
[أنواع المانع]
-
ينقسم المانع عدة أقسام باعتبارات مختلفة.
- أولًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره على الحكم والسبب:
-
ينقسم المانع في الأصول من حيث تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين:
١ - مانع للحكم لحكمة تقتضي نقيض الحكم، كالأبوة في القصاص، فإنها منعت القصاص مع وجود السبب وهو القتل، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، ولكن وجد مانع الأبوة فيمنع القصاص، والحكمة أن الأب سبب وجود الابن، وهذا يقتضي ألّا يصير الابن سببًا لإعدام الأب (١) ، ومثل ذلك القتل يمنع الإرث.
- (١)انظر تعقيب الشوكاني على هذا المثال، واعتراضه عليه، وأن سبب إعدام الأب هو جريمة قتله، وليس الابن، (إرشاد الفحول: ص ٧)، ويأتي المنع من جهة مكانة الوالد في الإسلام، ووجوب بره في جميع الحالات، لذلك قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقاد والد بولده" رواه الترمذي وأحمد عن عمر رضي اللَّه عنه (الفتح الكبير ٣/ ٣٦٧).
-
وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، وهو الذي يزيل العقل كالنوم أو الجنون أو الإغماء، فإنها تمنع الخطاب التكليفي، وتكون مانعة للحكم.
-
ب- المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، لكن المانع يرفع التكليف مع إمكان اجتماعه، كالحيض والنفاس والجنابة مانعة للصلاة ودخول المسجد، كما أن الحيض والنفاس مانعان للصيام.
-
ب- المانع الذي يرفع اللزوم في التكليف، ويحوله من طلب حتمي
ج ١ ص ٤١٨إلى التخيير، كالمرض المانع من فريضة الجمعة، وإن صلى صحت صلاته، والأنوثة المانعة من صلاة الجمعة، وإن صلت صحت صلاتها (١) .
- (١)أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٦١، الموافقات: ١ ص ١٩٣، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٥٧.
-
٢ - المانع للسبب لحكمة تخل بحكمة السبب، كالدَّيْن في الزكاة، فهو مانع أبطل سبب وجوب الزكاة، وهو ملك النصاب، لأن مال المدين أصبح كأنه ليس ملكه، لوجود حق الدائنين، ولأن دفع الدين وإبراء الذمة أولى من مساعدة الفقراء والمساكين (٢) ، وهذا عند الحنفية والجمهور، خلافًا للشافعية في الجديد.
- (٢)مختصر ابن الحاجب: ص ٤٢، تسهيل الوصول: ص ٢٥٨، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢٠، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٩، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع: ١ ص ٩٧، فواتح الرحموت: ١ ص ٦١، مصادر التشريع الإسلامي: ص ٥٥٦، أصول الفقه، خلاف: ص ١٣٨، أصول الفقه، الخضري: ص ٦٩، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٥٨.
-
يقول الآمدي: والمانع منقسم إلى مانع الحكم ومانع السبب، أما مانع الحكم فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض حكم المسبب، مع بقاء السبب كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد والعدوان، وأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينًا، كالدَّيْن في باب الزكاة مع ملك النصاب (٣) .
- (٣)الإحكام، له: ١ ص ١٢١.
- ثانيًا: أنواع المانع باعتبار مصدره:
-
إن المانع إما أن يكون سماويًّا كالجنون والعته والنوم، وإما أن يكون مكتسبًا، كالسكر فإنه مانع للتكليف، والقتل فإنه مانع من الإرث.
- ثالثًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره في الحكم:
-
ينقسم المانع باعتبار تأثيره في الحكم إلى ثلاثة أنواع:
١ - ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، كالرضاع، يمنع ابتداء النكاح، ويمنع استمراره إذا طرأ عليه.
-
٢ - ما يمنع ابتداء الحكم فقط، كالعدة تمنع ابتداء النكاح، ولا تبطل استمراره إذا طرأت في أثناء الزواج، كالزوجة التي وطئت غصبًا، أو بشبهة من غير زوجها، فعليها عدة تسمى استبراءً، ولا يبطل زواجها.
-
٣ - ما اختلف فيه، كالإحرام يمنع ابتداء الصيد، واختلف الفقهاء في أثره إذا طرأ في أثناء الإحرام، هل تجب إزالة اليد عنه أم لا؟ ومثل وجود الماء يمنع ابتداء التيمم، فإن طرأ في أثناء الصلاة، فهل يبطلها فيه قولان واختلاف (١) ؟.
- (١)شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٦٣ وما بعدها، الفروق: ١/ ١١٠.
-
رابعًا: أنواع المانع عند الحنفية:
- قسم الحنفية المانع إلى خمسة أنواع وهي:
-
١ - ما يمنع انعقاد السبب، مثل انتفاء المحلية في البيع، فإنه مانع له كبيع الحر.
-
٢ - ما يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالسبب وهو البيع قد تم في حق العاقد، ولا يستطيع إبطاله، ولم يتم العقد في حق المالك لعدم ولاية العاقد عليه، فهو بالخيار بين إجازته أو إبطاله.
-
٣ - ما يمنع ابتداء الحكم، كخيار الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقهما، ولكن الخيار منع ملكية المبيع للمشتري.
-
٤ - ما يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالملك ثبت بالعقد، ولكن
ج ١ ص ٤٢٠لا يتم إلا بعد الرؤية، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته.
-
٥ - ما يمنع لزوم الحكم، كخيار العيب، فالملك ثابت وتام، وللمشتري ولاية التصرف في المبيع، ولكن العيب مانع من لزوم العقد، فالعقد غير لازم، وللمشتري طلب فسخ العقد (١) .
- (١)أصول الفقه، الخضري: ص ٧٠.