مقدمة

٩ فقرات، ج ١ ص ٥

  1. الحمد لله الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، والصلاة والسلام على رسول الله، المبعوث رحمة للعالمين، الذي أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونَصَحَ الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على بيضاء نقية، ليلها كنهارها لا يزيغُ عنها إلا هالك.

    ج ١ ص ٥
  2. وبعد:
  3. فقد عشت مع علم أصول الفقه أكثر من أربعين سنة، فدرَسْته في الثانوية الشرعية، وفي كلية الشريعة وكلية الحقوق بجامعة دمشق، وفي جامعة القاهرة وجامعة الأزهر، ثم درّسته أكثر من ربع قرن.

  4. ومارست كتبه في التأليف والتحقيق، ولمست أهميته وفائدته النظرية والعملية، وأحببت أن أكتب فيه كتابًا مبسطًا يغطي مباحثه؛ لأن دراسة علم الأصول تصقل الذهن، وتشحذ العقل، وتفتح الدماغ، وتنير الطريق، وتكوِّن الملكة الفقهية، وترشد الإنسان إلى ينابيع المعرفة، ومصادر الخير، وتضع اليد على الموازين السليمة، والمعايير الدقيقة، والضوابط الحكيمة، لإدراك الأحكام الشرعية، وبيان مدى الالتزام بشرع الله ودينه القويم، ليكون المؤمن على المحجَّةِ البيضاء، ويقف الإنسان لمامة على محاسبة نفسه قبل أن يحاسب.

  5. وإن علم أصول الفقه يشكل المنارة الوضَّاءة بين العلوم الشرعية، ويعتبر مفخرة الأمة في حضارتها وعلومها، وذلك أنه عبارة عن القواعد والمبادئ التي سار عليها الفقهاء في استنباط الأحكام وبيانها للناس، وأنه يكوِّن الضوابط التي يلتزم بها الفقيه، بقصد أن يكون طريقه مستقيمًا واضحًا، لا يعتريه وهن أو انحراف، ولا خبط أو اضطراب.

    ج ١ ص ٦
  6. كما أن هذا العلم هو المصباح الذي ورثته الأجيال، وحمله العلماء على مر العصور، لبيان الأحكام الشرعية في كل جديد، ومعالجة المشاكل التي تطرأ، وغير ذلك من تفسير النصوص، وبيان دلالات الألفاظ، والتوفيق بين الأدلة، وإزالة التعارض وكيفية الترجيح، ومنهج الاجتهاد، ومقوماته، وفق منهج محدد يسير عليه العالم في الاجتهاد والاستنباط (١) .

    1. (١)انظر فوائد علم أصول الفقه في الفصل الثاني من الباب التمهيدي.
  7. ومما يبهج النفس، ويسعد القلب أنه ظهر في هذه السنوات الثلاثين الأخيرة عدد من أمهات كتب الأصول، التي تعتبر من مصادره الأصلية، ومراجعه المعتمدة، كالبرهان لإمام الحرمين الجُويني، والمحصول لفخر الدين الرازي، والعُدَّة لأبي يَعْلى الفراء الحنبلي، وشرح الكوكب المنير لابن النجار الفتوحي، وشرح تنقيح الأصول للقرافي المالكي، والتبصرة للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والمنخول لحجة الإسلام الغزالي، وشفاء الغليل للشيخ أبي جامد الغزالي أيضًا، والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام البعلي، والمغني للخبازي الحنفي، والتمهيد لأبي الخطاب الكلوداباذي .. ، وغيرها كثير (٢) .

    1. (٢)منها الوصول إلى علم الأصول لابن بَرْهان، والفصول في الأصول للجصاص، وميزان الأصول للسمرقندي، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي، وبيان المختصر للأصفهاني في شرح مختصر ابن الحاجب، وتقريب الأصول إلى علم الأصول لابن جزئ المالكي، وغيرها.
  8. وأعيد طباعة وتصوير بعض الكتب العظيمة في أصول الفقه، كالمعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي، وكشف الأسرار عن أصول البرذوي، وأصول السرخسي، والمستصفى للغزالي، وفوات الرحموت على مسلم الثبوت لابن عبد الشكور، والشرح للأنصاري، وجمع الجوامع لابن السبكي مع شروحه وحواشيه ... ، وغيرها كثير كالشروح على مختصرات ابن الحاجب.

    ج ١ ص ٧
  9. فصارت المكتبة الإسلامية غنية -والحمد لله- بكتب الأصول الأصلية، وصنفت كتب قيمة بأسلوب معاصر، وثوب قشيب في العصر الحاضر، من كبار العلماء، وأساتذة الجامعات، فأصبحت الأمور ميسرة، رجاء أن يكون ذلك مقدمة لعودة الحياة إلى هذا العلم المفيد، عمليًّا، وأن تعود الأمة إلى الاستفادة من تراث السلف الصالح، وذخائر أمتنا المجيدة، ليتجدد العمل بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وتظفر -بعد ذلك- بالعزة والكرامة، وتحرير المقدسات، والنصر على الأعداء في الدنيا، والفوز بالسعادة الأبدية ومرضاة الله تعالى في الآخرة.