مجال التأويل
٣ فقرات، ج ٢ ص ١٠١
- ج ٢ ص ١٠١
إن التأويل خلاف للأصل، فالأصل عند جمهور الأمة أن أخذ الأحكام من النصوص يتم بدون التأويل، وأنه يجب العمل بالظاهر والنّص -كما سبق- ولا يجوز العدول عنهما إلا بدليل يقتضي ذلك، فالأصل أن يبقى العام على عمومه حتى يرد ما يخصصه، وأن يعمل بالمطلق على إطلاقه حتى يقوم الدليل على تقييده، وأن الأمر يدل على الوجوب حتى يقوم الدليل على صرفه إلى غيره، وأن النهي يفيد التحريم حتى يرد الدليل على صرفه إلى غيره (٢) .
- (٢)تفسير النصوص (١/ ٣٧٤).
-
ولذلك فإن المجال الذي يمكن أن يدخله التأويل قسمان، وهما:
١ - أغلب نصوص الأحكام التكليفية، وهذه لا خلاف في جواز تأويلها؛ لأن عوامل الاحتمال فيها متوفرة، ولا ضرر فيها إذا قام بالتأويل المجتهد الذي تتوفر فيه الشروط، فيستعين في تأويلها باللغة ومفهومات الشريعة، وقواعد الاستنباط والاستدلال، ليتمكن من معرفة الأحكام الشرعية منها. وكثير من أنواع التأويل يجري في ميدان الاستنباط، كحمل الحقيقة على المجاز، وحمل المشترك على أحد معنييه أو أحد معانيه، وحمل المطلق على المقيد، وحمل العام على الخاص، وحمل الأمر على غير الوجوب، وحمل النهي على غير التحريم، وغير ذلك.
- ج ٢ ص ١٠٢
٢ - نصوص أصول الدين، كالعقائد، وصفات الباري عزَّ وجلَّ وما ورد في الآيات أن له يدًا، وعينًا، وكرسيًّا، وفواتح السور، مثل "الَمَ، حم، قَ" ، وهذا القسم اختلف العلماء في تأويله، فرأى بعضهم تأويله، وخالف جمهور العلماء والمفسرين والأصوليين فيه (١) ، وهو ما نشير إليه في بحث "المتشابه" .
- (١)اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب، الأول: مذهب المشبِّهة، وهو عدم التأويل مطلقًا، وإجراء الألفاظ على ظاهرها، ولا يؤول شيء منها، وشبهوا الخالق بالمخلوقين، والثاني: مذهب السَّلف، وهو أن لها تأويلًا، ولكن نمسك عنه، مع تنزيه اللَّه تعالى عن التشبيه والتعطيل، والثالث: مذهب المؤَوِّلة، أو الخلف، وهو رأي ابن عباس وعلي وابن مسعود وأم سلمة من الصحابة رضي اللَّه عنهم، مع تصريحهم بالتقديس للَّه تعالى، والتنزيه عن صفات المخلوقين، والتبري من التحديد والتشبيه، فأوّلوا مثلًا اليد بالقوة، والعين بالعلم، وقال كثير من المفسرين والفقهاء والعلماء بهذا الرأي، وعاد أكثرهم إلى مذهب السلف بالتسليم والتفويض. انظر: إرشاد الفحول ص ١٧٦ - ١٧٧، البحر المحيط (٣/ ٤٤٠)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١٨/ ٤٦٨)، (٢١/ ٥٠٠)، تفسير النصوص (١/ ٣٧٢، ٣٧٨) وما بعدها، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣١٤)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٦١).