١ - الخفي
١٢ فقرة، ج ٢ ص ١٠٩
- ج ٢ ص ١٠٩
الخفي لغة: مأخوذ من خفي، أي: استتر، والخفاء هو عدم الظهور والستر والكتمان، وفي الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: هو اللفظ الظاهر في دلالته على معناه، ولكن في انطباق معناه على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء، ويحتاج إلى نظر واجتهاد، بالرجوع إلى النصوص الأخرى، وعلل الأحكام، ومقاصد الشريعة (٣) .
- (٣)المعجم الوسيط (١/ ٢٤٧) مادة: خفي، القاموس المحيط، مادة: خفي، أصول = = السرخسي (١/ ١٦٧)، كشف الأسرار (١/ ٥١)، علم أصول الفقه ص ١٧٠، تفسير النصوص (١/ ٢٣٠)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٣٦)، أصول الأحكام ص ٢٤٢.
- ج ٢ ص ١١٠
فاللفظ يدل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن عرض له عارض من غير الصيغة، فصار فيه غموض وخفاء في انطباقه على بعض أفراده، فيعتبر خفيًّا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد، ولذلك كان أقل أنواع المبهم خفاء، ويقابله الظاهر في مراتب الوضوح.
-
مثاله: قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨] ، فلفظ "السارق" له معنى ظاهر في مدلوله، وهو من يأخذ مال غيره خفية من حرز مثله (١) ، لكن في دلالته على بعض الأفراد نوع غموض وخفاء، مثل الطَّرَّار (النَّشّال) الذي يأخذ مال غيره في غفلة من صاحبه بنوع من المهارة والخفة ومسارقة الأعين، فهو يغاير السارق بوصف زائد فيه، وله اسم خاص، مما أورث شبهة وخفاء في انطباق حكم السارق عليه، واحتاج إلى بحث واجتهاد.
- (١)الحرز: ما يحفظ فيه المال عادة وعرفًا الصندوق والمنزل والحظيرة، انظر: المهذب (٥/ ٤٢٢)، مغني المحتاج (٤/ ١٦٣)، الروضة (١٠/ ١٢١).
-
وبعد الاجتهاد قال الجمهور: إن علة قطع السارق أكثر توفرًا في النَّشال؛ فإنه سارق وزيادة؛ لأن السارق يسارق الأعين النائمة، والنشَّال يسارق الأعين المتيقظة، فقالوا: ينطبق عليه حكم السارق، وتقطع يده بالأَوْلى، ويثبت وجوب القطع فيه بعبارة النص؛ لأنه سارق ماهر (٢) .
- (٢)ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى إلى عدم قطع يد النشال، لأنه لا ينطبق عليه تعريف السارق، وله اسم خاص، ولا يأخذ المال خفية، بل خلسة لعدم التيقظ من صاحب المال، لذلك يعاقب النشال بالتعزير لا بالحد (أصول الأحكام ص ٢٤٢).
-
ومثله النبَّاش الذي يسرق أكفان الموتى من قبورهم، فهو يغاير السارق؛ لأنه يأخذ مالًا غير مرغوب فيه عادة، ومن القبر، وبحث العلماء في ذلك، واختلفوا، فقال جمهور الحنفية: إنَّ النَّباش ينقص فيه معنى السرقة، ولا ينطبق عليه اسم السارق؛ لأن المال غير مرغوب فيه عادة، والقبر ليس حرزًا
ج ٢ ص ١١١لما فيه، فلا تقطع يد النباش، وإنما يُعزَّر، وقال الأئمة الثلاثة وأبو يوسف: إنّه يعدُّ سارقًا وتقطع يده (١) .
- (١)المهذب (٥/ ٤٢٥)، والمراجع السابقة في تعريف الخفي، وانظر: علم أصول الفقه ص ١٧٨، تفسير النصوص (١/ ٢٣٦)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٣٦)، أصول الأحكام ص ٢٤٢.
-
ومثاله من السنة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَرِثُ القاتلُ شيئًا" (٢) ، فلفظ "القاتل" واضح الدلالة، ودلالته ظاهرة في القتل عمدًا، وأما دلالته على القاتل خطأ، ففيها شيء من الخفاء والغموض، بسبب وصف الخطأ، وأن الحرمان من الميراث عقوبة مالية، فهل لي يعاقب المخطئ في القتل بحرمان الميراث كالعامد؟ ومثل ذلك القتل بالتسبب والدفاع الشرعي، وهذا يحتاج إلى بحث واجتهاد.
- (٢)هذا الحديث ورد بألفاظ أخرى "ليس للقاتل ميراث" "ليس للقاتل شيء" القاتل لا يرث" عن عدد من الصحابة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والدارمي (نيل الأوطار ٦/ ٨٤ - ٨٥).
-
اختلف الأئمة في ذلك فقال المالكية: لا يُحرم من الميراث إلا القاتل عمدًا، دون غيره الذين لا يقصدون القتل، وقال الشافعية بالحرمان من الميراث لكل قاتل ولو خطأ، أو بالتسبب أو بالدفاع الشرعي، حتى لو كان القاتل غير مكلف، وفصّل الحنفية والحنابلة، لكنهم قالوا بحرمان القاتل خطأ من الميراث (٣) .
- (٣)انظر تفصيل ذلك وآراء الأئمة والمذاهب في كتابنا: الفرائض والمواريث والوصايا ص ٨٦ وما بعدها، تفسير الصوص (١/ ٢٤٢)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٣٧)، أصول الأحكام ص ٢٤٣.
-
ومثل ذلك: البائع إذا أخذ من المشتري نقودًا على أن يأخذ منها ثمن المبيع، ويرد الباقي، فاختفى، فهل يَصْدُق عليه أنه سارق أو خائن الأمانة؟
-
وهكذا كل لفظ يدل دلالة ظاهرة على معناه، ولكن وُجد خفاء أو اشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد، فإنه يعتبر خفيًّا بالنسبة إلى هذه الأفراد (٤) .
- (٤)علم أصول الفقه ص ١٧١.
-
وأمثلة الخفي في القوانين كثيرة، منها عدد من الجرائم التي يشتبه أمرها
ج ٢ ص ١١٢في اعتبارها جنحة أم جناية، وفي انطباق أحد اللفظين عليها لتطبيق أحكامه فيها، ومن ذلك ما جاء في تعريف السرقة في قانون العقوبات المصري بأنها "اختلاس المنقول المملوك للغير" فوقع الاشتباه في اعتبار التيار الكهربائي منقولًا، فهذا خفاء حتى بينته محكمة النقض، فاعتبرته منقولًا، وأن السرقة تتناول اختلاس الكهرباء، وتدارك ذلك القانون العراقي فأضاف في نصه: "ويعتبر منقولًا لتطبيق أحكام السرقة ... القوى الكهربائية والمائية وكل طاقة أو قوة محرزة أخرى" (١) .
- (١)علم أصول الفقه ص ١٧١، أصول الأحكام ص ٢٤٤، تفسير النصوص (١/ ٢٥١)، وانظر أمثلة قانونية أخرى في: تفسير النصوص (١/ ٢٥٠).
- حكم الخفي:
-
هو وجوب النظر على المجتهد والقاضي والبحث لإزالة الخفاء، والتأمل في العارض الذي سبَّب الخفاء، وهذا ما تختلف فيه الأنظار، فإن ترجح أن اللفظ يتناول هذه المسألة، لزيادة في معناه، وبما يتفق مع مقاصد الشريعة، أعطاه المجتهد حكمه، وطبقه عليه كالنّشال بالنسبة للسارق، وإن ترجح نقصان المسألة عن معنى اللفظ الشرعي لم يُلحقه بظاهر اللفظ، ولم يطبِّق عليه حكمه، وكان له حكم آخر (٢) .
- (٢)علم أصول الفقه ص ١٧١، تفسير النصوص (١/ ٢٤٩)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٣٨)، أصول الأحكام ص ٢٤٤.