استعمالات الفاء

٩ فقرات، ج ٢ ص ١٧٩

  1. ١ - التعقيب مجازًا: كقوله تعالى: {قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) } [طه: ٦١] ، فالافتراء في الدنيا، والسحت وهو الاستئصال إنما هو في الآخرة، لكن لما كان الاستئصال مقطوعًا بوقوعه جزاء للمفتري جعل كالواقع عقب الافتراء مجازًا، ومثله قوله

    ج ٢ ص ١٨٠تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: ٢٨٣] ، فالرهن مما يتأخر عن المداينة، وتأويله أن حكم المداينة الرهينةُ، فكان التعقيب مجازًا، ومثله قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا} [الأعراف: ٤] ، فإن مجيء البأس مقدم على الإهلاك، وتأويله أنه للترتيب الذكري، أو فيه حذف تقديره: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، ومثله قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: ٩٨] .

    ج ٢ ص ١٧٩
  2. ٢ - بمعنى الواو: كقول الشاعر امرئ القيس:
  3. قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ ... بسِقْط اللِّوى بَيْنَ الدَّخولِ فحَوْمَلِ

    ٣ - السبببة: تأبي الفاء سببية، أي: ما قبلها سبب لما بعدها، وهو كثير في عطف الجمل، كقوله تعالى {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: ١٥] ، وقوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: ٣٧] ، وكذا في عطف الصفات، كقوله تعالى: {لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ} [الواقعة: ٥٢ - ٥٤] .

  4. ٤ - رابطة للجواب: تأتي الفاء رابطة للجواب في ست حالات:

    الأولى: أن يكون الجواب جملة اسمية، كقوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) } [الأنعام: ١٧] ، وقوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) } [المائدة: ١١٨] .

  5. الثانية: أن يكون الجواب جملة فعلية، وهي التي فعلها جامد، كقوله تعالى: {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا} [الكهف: ٣٩ - ٤٠] ، وقوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: ٢٧١] ، وقوله: {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء: ٣٨] ، وقوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: ٢٨] .

  6. الثالثة: أن يكون فعلها إنشاء، كقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: ٣١] ، وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠) } [الملك: ٣٠] ، وهنا جملة اسمية وإنشاء، وقوله: {فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ

    ج ٢ ص ١٨١مَعَهُمْ} [الأنعام: ١٥٠] .

  7. الرابعة: أن يكون فعلها ماضيًا لفظًا ومعنى، إما حقيقة نحو قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} [يوسف: ٧٧] ، وقوله: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [يوسف: ٢٦] ، وإما مجازًا كقوله تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل: ٩٠] ، فهذا الفعل نُزّل منزلة ما قد وقع؛ لتحقق وقوعه.

  8. الخامسة: أن تقترن الفاء بحرف استقبال، كقوله تعالى: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ} [المائدة: ٥٤] ، وقوله: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} [آل عمران: ١١٥] .

  9. السادسة: أن تقترن الفاء بحرف له الصدر (١) ، كقول الشاعر:

    فإنْ أَهْلِك فذي حَنَقٍ لظَاهُ ... عليَّ تكادُ تَلْتَهِبُ التهابًا (٢)

    1. (١)مغني اللبيب (١/ ١٧٣) وما بعدها، البرهان في علوم القرآن (٤/ ٢٩٤) وما بعدها، الإتقان (٢/ ٢٠٩) وما بعدها، الإحكام للآمدي (١/ ٦٨)، المعتمد (١/ ٣٩)، كشف الأسرار (٢/ ١٢٧) وما بعدها، فواتح الرحموت (١/ ٢٣٤)، المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني (١/ ٣٤٨)، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٣٣) وما بعدها، البحر المحيط (٢/ ٢٦١)، شرح تنقيح الفصول ص ١٠١، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (١/ ٣٨٢)، أصول الأحكام ص ٣٢٩.
    2. (٢)هذا البيت للشاعر ربيعة بن مقروم الضِّبي في قصيدة يسلي بها عن نفسه بعد إدراكه ثأره، وأنه إن مات فرب رجل ذي غيظ وغضب تكاد نار عداوته تتوقد توقدًا؛ لما لقي مني وما فعلت به.