رابعا: نسخ القرآن بالسنة

١٨ فقرة، ج ٢ ص ٢٥٦

  1. القرآن الكريم متواتر، وثابت قطعًا، والسنة منها المتواتر وهو ثابت قطعًا، ومنها المشهور عند الحنفية وهو الذي كان آحادًا من الصحابة، ثم صار متواترًا بعدهم، وخبر الآحاد الذي رواه في مختلف طبقاته عدد لم يبلغ عدد التواتر، وهو ظني الثبوت.

    ج ٢ ص ٢٥٦
  2. وسبقت الإشارة إلى الاختلاف في اشتراط قوة الدليل الناسخ بالسنة للمنسوخ، ومن ذلك نسخ القرآن بالسنة، وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين (١) :

    القول الأول: يجوز نسخ آية من القرآن بالسنة عقلًا، ووقع ذلك شرعًا، وهو رأي جمهور العلماء، وهم الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة، والظاهرية، لاستفاضتها، ولكن الحنفية أجازوا نسخ القرآن بالسنة المتواترة أو المشهورة بين الناس، والمالكية وبعض الحنابلة حصروا ذلك بالمتواتر، وذهب ابن حزم الظاهري إلى جواز نسخ القرآن بالمتواتر وخبر الآحاد؛ لأن خبر الآحاد عنده قطعي كالمتواتر، واستدل أصحاب هذا القول بأمثلة واقعية، منها:

    ١ - إن حديث "لا وصية لوارث" (٢) ، نسخ آية الوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) } [البقرة: ١٨٠] .

    1. (١)هناك أقوال أخرى لبعض العلماء، فذهب جماعة إلى أن ذلك جائز في العقل، ثع ورد الشرع بمنعه في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)} [البقرة: ١٠٦]، والسنة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله، وقال جماعة: يجوز نسخ القرآن بالسنة عقلًا، ولكنه لم يرد في الشرع، فلا يوجد آي في القرآن منسوخة بالسنة، انظر البحر المحيط (٤/ ١١١)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٦٢)، والمراجع المشار إليها في الهامش، الفصول في الأصول (٢/ ٣٤٥).
    2. (٢)هذا الحديث سبق بيانه، وانظر: نيل الأوطار (٦/ ٤٥).
  3. ويرد هذا الاستدلال بأن الناسخ لوجوب الوصية هو آية المواريث، وهو

    ج ٢ ص ٢٥٧ما صرّح به الصحابي ابن عباس رضي اللَّه عنهما حيث قال: "إنَّ الذي نسخ آية الوصية آيةُ المواريث" (١) ، وقال بعض العلماء: لا نسخ في الآية؛ لأنه يمكن الجمع بين آية الوصية والحديث، أو بين آية الو صية وآيات المواريث بحمل الوصية على غير الوارث، وكون آيات المواريث للوالدين والأقربين الوارثين.

    1. (١)الدارمي (كتاب الوصايا باب ٨٢) وأبو داود ٢/ ١٠٣ (كتاب الوصايا، باب ٥).
  4. ٢ - إن الأحاديث الثابتة برجم الزاني المحصن نسخت جلد الزاني المحصن الثابت بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] .

  5. ويرد على ذلك أن آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" هي الناسخة لآية الجلد، أو أن أحاديث الرجم هي مخصصة للآية، وليست من قبيل النسخ.

  6. ٣ - قال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: ١٤٥] ، فهذه الآية حرمت ثلاثة أمور، وأفادت إباحة أكل ما عداها، فَنُسِخ بعض هذا بالأحاديث التي "نهى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي نابٍ من السّباع، وكل ذي مِخْلَبٍ من الطير" (٢) ، فهذا نسخ للقرآن بالسنة (٣) .

    1. (٢)هذا الحديث رواه مسلم (١٣/ ٨٣) وأبو داود (٢/ ٣١٩) عن ابن عباس، ورواه البخاري (٥/ ٥٢) عن أبي ثعلبة الخشني رضي اللَّه عنهم.
    2. (٣)كشف الأسرار (٣/ ١٧٥)، فواتح الرحموت (٢/ ٧٨)، أصول السرخسي (٢/ ٦٧)، المعتمد (١/ ٣٢٤)، الإحكام لابن حزم (٤٧٧/ ٤)، البحر المحيط (٤/ ١١١)، الفصول في الأصول (٢/ ٣٤٥)، إرشاد الفحول ص ١٩١، البحر المحيط (٤/ ١١٥).
  7. ويرد على ذلك أن هذا تخصيص للآية، وليس نسخًا لها.

  8. القول الثاني: لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، وهو رأي الشافعي وأكثر أصحابه، والمشهور عن الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى (٤) ، سواء كانت السنة متواترة أو

    ج ٢ ص ٢٥٨مشهورة، أو خبر آحاد.

    قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "لا يَنْسخ كتابَ اللَّه إلا كتابهُ ... فهو المزيل المثبت لما شاء منه، جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه" ثم قال: "وهكذا سنة رسول اللَّه: لا ينسخها إلا سنة لرسول اللَّه" (١) .

    1. (٤)قال ابن مفلح رحمه اللَّه تعالى: "ظاهر كلام أحمد منعه" وقال ابن النجار: "وأما الجواز شرعًا فالمشهور عن أحمد رحمه اللَّه منعه" شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٦٢)، وانظر: المسودة ص ٢٠٢، روضة الناظر ص ٨٤، العدة (٢/ ٧٨٨)، إرشاد الفحول ص ١٩١.
    2. (١)الرسالة ص ١٠٦، وانظر: الإحكام للآمدي (٣/ ١٥٣)، المحصول (٣/ ٥١٩)، نهاية السول (٢/ ١٨١)، المستصفى (١/ ١٢٤)، الحاوي (٢٠/ ١٣٢).
  9. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، أهمها:
  10. ١ - قال اللَّه تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) } [البقرة: ١٠٦] ، قال الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "فأخبر اللَّه أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله" (٢) ؛ لأن السنة ليست بخير من القرآن، ولا مثله، فلا تكون ناسخة له، ودلت آخر الآية أن اختصاص التبديل محصور بمن له القدرة الكاملة، وهو اللَّه تعالى، فكان النسخ بكلامه وهو القرآن، لا السنة.

    1. (٢)الرسالة ص ١٠٦.
  11. واعترض على ذلك أن السنة من عند اللَّه تعالى كالقرآن؛ لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى}، [النجم: ٣ - ٤] . لكن القرآن معجز ومتعبد بتلاوته وهو كلام اللَّه تعالى، وليست السنة كذلك، وأن المراد بالخيرية والمثلية هو في الحكم بحسب مصلحة الناس، لا باللفظ، وقد يكون الناسخ في السنة أنفع للمكلف بكثرة الثواب وغيره.

  12. ٢ - قال اللَّه تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} [النحل: ١٠١] ، فصرح القرآن أن اللَّه يبدل آية بآية، فلا تكون السنة ناسخة لآية.

  13. ٣ - قال اللَّه تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يونس: ١٥] ، فالسنة لا تكون بديلًا عن القرآن، والتبديل لا يكون من عند النبي - صلى الله عليه وسلم -.

  14. ٤ - قال اللَّه تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] ، فالسنة مبيّنة للقرآن، لا ناسخة له، ووظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - البيان فقط للقرآن، فلا يصح نسخ القرآن بالسنة.

    ج ٢ ص ٢٥٩
  15. وردّ على الاستدلال بالآيات الثلاث أن ما يأتي به رسول اللَّه هو من عند اللَّه، وأن التبديل من اللَّه، ويبينه الرسول، وأن النسخ نوع من البيان؛ لأنه بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه، والسنة مبيّنة للقرآن، فلا مانع من كونها ناسخة له، وأن التبديل يكون للرسم والتلاوة، والمراد هنا نسخ الحكم الذي ورد في الآية بحكم ورد في السنة (١) .

    1. (١)الرسالة ص ١٠٦، الإحكام للآمدي (٣/ ١٥٣)، المستصفى (١/ ١٢٤)، المحصول (٣/ ٥١٩)، نهاية السول (٢/ ١٨١)، الحاوي (٢٠/ ١٣٢)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٦٢)، المسودة ص ٢٠٢، روضة الناظر ص ٨٤، العدة (٢/ ٢٨٨)، كشف الأسرار (٣/ ١٧٥)، فواتح الرحموت (٢/ ٧٨)، أصول السرخسي (٢/ ٦٧)، المعتمد (١/ ٣٢٤)، البحر المحيط (٤/ ١١١)، الإحكام لابن حزم (٤/ ٤٧٧)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ٩٧١)، أصول الأحكام ص ٣٥٨، إرشاد الفحول ص ١٩١.
  16. وأرى أن الخلاف لفظي واصطلاحي، ولم يترتب عليه اختلاف في الأحكام، وأن ما يسميه الشافعي رحمه اللَّه تعالى نسخًا يسميه الحنفية وغيرهم تخصيصًا، وأن الشافعي يرى أن اللَّه ينسخ بآية أخرى، ثم يبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - النسخ والعمل بها.

  17. وقد استغرب بعض العلماء موقف الشافعي في ذلك، وهو المعروف بناصر السنة، أو ناصر الحديث، ثم يمنع نسخ القرآن بالسنة، ويخالف الجمهور في ذلك؟ (٢) .

    1. (٢)انظر أقوال الكيا الهراسي والقاضي عبد الجبار بن أحمد وغيرهما وأقوال العلماء في الرد عليهم في البحر المحيط (٤/ ١١٢، ١١٦)، إرشاد الفحول ص ١٩١.
  18. والمتأمل في آراء الشافعي رحمه اللَّه يدرك أنه لا ينتقص السنة، ولا يشكك بذرة فيها، ولكنه يعتقد أن القرآن كلام اللَّه تعالى لا يشبهه شيء، ولا يصل إلى مكانته كلام البشر، ولو كان صادرًا من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ويعتقد أن

    ج ٢ ص ٢٦٠رسول اللَّه هو المبيّن عن ربه كلامه وأحكامه، وأنه يعرف يقينًا مراد اللَّه في كتابه، وأن بعض الآيات تنسخ أخرى ولو ضمنًا، فيبينها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في السنة، فيكون النسخ للقرآن بالقرآن، والسنة تبين ذلك وتكشفه، بدليل أنه لم يظهر أثر للاختلاف، وأن الشافعي يوافق سائر الأئمة فيما قالوا بنسخها، قال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "وهذا تعظيم عظيم، وأدب مع الكتاب والسنة، وفهم بموقع أحدهما من الآخر" (١) .

    1. (١)البحر المحيط: (٤/ ١١٥).