٢ - أثر تغير اجتهاد الحاكم

٦ فقرات، ج ٢ ص ٣٤٤

  1. إذا اجتهد القاضي فيما يصح الاجتهاد فيه مما لم يرد فيه نص أو إجماع، وقضى في واقعة بما اجتهد به، ثم حصلت واقعة مماثلة للأولى، فاجتهد فيها، وتغير اجتهاده، فإنه لا ينقض الحكم السابق، وذلك تطبيقًا دقيقًا للقاعدة السابقة "الاجتهاد لا ينتقض بمثله" : لأن النقض يؤدي -كما قلنا- إلى اضطراب القضاء، وعدم استقرار الأحكام، وشلل القضاء بعدم إنهاء المنازعات، وبالتالي عدم الوثوق بحكم الحاكم، وبقيت الخصومات على حالها، واستمر التشاجر والتنازع وانتشار الفساد والعدوان والظلم، وهذا يتنافى مع المصلحة التي وجد القضاء لأجلها، والحكمة التي نُضب لها الحكام.

    ج ٢ ص ٣٤٤
  2. والأمثلة في تاريخ القضاء الإسلامي كثيرة منذ عهد الصحابة، كتغير اجتهاد عمر رضي اللَّه عنه في المسألة المشتركة الحجرية في الميراث، وقرر القاعدة المشهودة "تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي" (١) ، ويؤيد ذلك ما جاء في كتاب عمر رضي اللَّه عنه لأبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه، وفيه: "لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، أن تراجع الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" (٢) .

    1. (١)انظر: تاريخ القضاء في الاسلام ص ١١٨ - ١٢٠، التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي ص ٤٨٢ - ٤٨٥.
    2. (٢)هذا الكتاب رواه الدارقطني (٤/ ٢٠٦، ٢٠٨، ٢١٢) وورد في معظم كتب الفقه وغيرها، وتلقاه العلماء بالقبول، انظر: أعلام الموقعين (١/ ٩١)، الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧١، المبسوط للسرخسي (١٦/ ٦٠)، أخبار عمر ص ١٨٤، مقدمة ابن خلدون ص ٢٢١، أخبار القضاة لوكيع (١/ ٧٠، ٢٨٣)، روضة القضاة (٤/ ١٤٧٨)، تبصرة الحكام = = (١/ ٢١)، البيان والتبيين (٢/ ٤٩)، صبح الأعشى (١/ ١٩٣)، نهاية الأرب (٦/ ٢٥٧).
  3. والأصل في هذه القاعدة إجماع الصحابة رضي اللَّه عنهم، كما نقله ابن الصباغ رحمه اللَّه تعالى، وأن أبا بكر رضي اللَّه عنه قضى في مسائل، ثم خالفه فيها عمر رضي اللَّه عنه، ولم ينقض اجتهاده، وعلته أن الاجتهاد الثاني ليس بأقوى من الأول، فيصح ما فعله بالاجتهاد الأول الذي تقوى بالقضاء والعمل، ثم يغير الحكم في المستقبل (١) .

    1. (١)انظر تفصيل ذلك في: (أعلام الموقعين ١/ ١١١)، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ص ١٩٢، القواعد الفقهية في المذهب الحنفي والشافعي ص ٣٥١ وما بعدها، ٤٤٣، فقه القضاء والدعوى والإثبات ص ٦٥، ٣٤٥، ٣٤٧ وما بعدها، التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي ص ٧١، ٤٨٢ وما بعدها.
    ج ٢ ص ٣٤٥
  4. وكذلك لا ينقض اجتهاد مجتهد باجتهاد مجتهد آخر، بل كل مجتهد عليه أن يحترم اجتهاد الآخر لعدم المرجح.

  5. وكذلك الأمر لو كان بين قاضيين، بأن قضى شافعي مثلًا بعدم الشفعة للجار، أو بطلان الزواج بغير ولي، ثم رفعت نفس القضية لقاض حنفي مثلًا يرى الشفعة للجار، أو صحة النكاح بغير ولي، فلا يجوز أن ينقض قضاء الأول، ويجب عليه تنفيذه، ويحكم في القضايا الأخرى بما يراه.

  6. وهذا مبدأ قانوني مقرر في محاكم النقض والتمييز إذا تغير اجتهادها، فإنه لا يسرى ذلك على الأحكام السابقة، ويسمى في اصطلاحهم "بعدم رجعية القوانين والقرارات" (٢) .

    1. (٢)البحر المحيط (٦/ ٢٦٦، ٣٠٤)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٠٥، ٥٠٩، ٥١١)، المستصفى (٢/ ٣٨٢)، المحصول (٣/ ٩١)، الإحكام للآمدي (٤/ ٢٠٣)، البرهان (٢/ ١٣٢٨)، فواتح الرحموت (٢/ ٣٩٥)، شرح تنقيح الفصول ص ٤٤١، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه (٢/ ٢٠٠)، تيسير التحرير (٢/ ٢٣٤)، أدب القضاء لابن أبي الدم ص ١٦٤، روضة القضاة (١/ ١٥٠)، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٠، إرشاد الفحول ص ٢٦٣، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١١١٤)، الفروق للقرافي (٢/ ١٠٤)، علم أصول الفقه، خلاف ص ٢٢١.