ثالثا: تقليد غير الأئمة الأربعة

٥ فقرات، ج ٢ ص ٣٧١

  1. إن مذاهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم اللَّه تعالى قد لقيت القبول والانتشار، ثم عكف العلماء عليها بالدراسة والتمحيص والاستدلال والتخريج، وشاعت هذه المذاهب، واستقرت في معظم بلاد العالم الإسلامي.

    ج ٢ ص ٣٧١
  2. وبقي في الكتب والمصادر أقوالٌ لأئمة مجتهدين كأعيان الصحابة وكبار التابعين، أو كالمذاهب المنقرضة كمذهب الليث والأوزاعي وابن جرير الطبري والظاهرية، مع مذاهب الجعفرية والزيدية والإباضية، فهل يجوز الأخذ والإفتاء من غير المذاهب الأربعة؟

    قال أكثر المتقدمين والمتأخرين: لا يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة،

    ج ٢ ص ٣٧٢لأنها غير مدونة، ولا مضبوطة، ولم تثبت صحتها، ويشك في نقلها، بخلاف المذاهب الأربعة فإنها منقحة، ومضبوطة، ومدوّنة، واعتنى بها الأصحاب في كل مذهب في النقل والتدليل والتصحيح والترجيح والتدقيق، واستقرت فيها الأحكام، لذلك تطمئن النفس إلى الأخذ بها؛ لقربها من الحق، وبعدها عن الخطأ.

    قال إمام الحرمين رحمه اللَّه تعالى: "أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة رضي اللَّه عنهم، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا فنظروا، وبوّبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل؛ لأنهم أوضحوا طرق النظر، وهذبوا المسائل وبينوها وجمعوها" .

    وقال ابن الصلاح رحمه اللَّه تعالى: "يتعين تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهب الأربعة قد انتشرت، وعلم تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، ونشرت فروعها، بخلاف مذاهب غيرهم" .

    قال النووي رحمه اللَّه تعالى: "وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة رضي اللَّه عنهم وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم، وضبط أصوله وفروعه، فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناهلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما" (١) .

    1. (١)المجموع (١/ ٩١).
  3. ونقل السيوطي رحمه اللَّه تعالى عن بعض العلماء أن القاضي الذي يحكم بخلاف المذاهب الأربعة ينتقض حكمه؛ لأنه بمثابة مخالفة الإجماع.

    وقال الشيخ سليمان البجيرمي الشافعي: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة في إفتاء أو قضاء.

  4. وأجاز بعض العلماء تقليد غير الأئمة الأربعة في غير الإفتاء، وتوسط العز بن عبد السلام رحمه اللَّه تعالى، وقال: إن المدار على ثبوت المذهب

    ج ٢ ص ٣٧٣عند المقلد، وغلبة الظن على صحته عنده، فحيث ثبت عنده مذهب من المذاهب صح له أن يقلده، ولو كان صاحب المذهب من غير الأئمة الأربعة (١) .

    1. (١)حاشية البجيرمي على شرح الإقناع للخطيب (١/ ٥١)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١١٣٩)، البحر المحيط (٦/ ٢٩١، ٣١٨).
  5. وأرى ترجيح القول الأول في الأصل والغالب لما لقيته المذاهب الأربعة من الرعاية والعناية، وأنها استوعبت الأدلة من القرآن والسنة بشكل صحيح وكامل، بالإضافة لاعتمادها على سائر المصادر التشريعية، لكن لا مانع للجان التشريع، ومجامع الفقه، وعند الاجتهاد الجماعي أن تختار قولًا من غير المذاهب الأربعة باعتبار دليله، ووجهة نظره، ومراعاة للمصلحة أو لتطور الظروف، واختلاف الأحوال، وإن لم يتوثق النقل الصحيح الكامل؛ لأن العبرة للدليل، وبشرط تبني هذا الرأي من أولي الأمر، كأنه مباح أمر به الحاكم فصار واجبًا في التطبيق والالتزام، كتولي القضاء للمرأة، واعتبار الطلاق الثلاث طلقة في هذا العصر، والأخذ بالوصية الواجبة، وغير ذلك، وهو ما يقع العمل به عند وضع القوانين والأنظمة المستمدة من الشريعة واختيار بعض الآراء فيها للمصلحة ومقتضيات الزمن والعصر وحالة المسلمين.