شروط المفتي

١٧ فقرة، ج ٢ ص ٣٨٠

  1. يشترط في المفتي البلوغ والعقل، وهذا أمر واضح، ولا يشترط فيه الذكورة، فيجوز استفتاء الرجل والمرأة، وقال جمهور العلماء: لا تشترط الحياة في المفتي، فيجوز تقليد الميت والعمل برأيه، وسبق بيان ذلك في الاجتهاد؛ لأن الآراء لا تموت بموت أصحابها، لكن لا بد من اشتراط صحة النقل عنهم ومعرفة دليلهم.

    وقال أهل العصر الأول: يشترط الاجتهاد في المفتي، بأن يكون مجتهدًا، ثم اختلف المتأخرون في ذلك على عدة آراء بالجواز والمنع والتفصيل، والراجح عدم اشتراط الاجتهاد في عصرنا الحاضر، ويكفي أن يكون المفتي عالمًا بأحكام الفقه في مذهب ليفتي به، أما الأمور المستجدة، والقضايا الطارئة فيكفي فيها المجتهد المقيد، أو يكفي الاجتهاد الجزئي لما رجحناه سابقًا من جواز تجزؤ الاجتهاد، ومع ذلك يستحب للمفتي في القضايا المستجدة أن يشاور العلماء، ليكون الاجتهاد جماعيًّا، والفتوى شورى، كما يجب على المفتي في الأمور الجديدة أن يستعين بأهل الخبرة والاختصاص في ذات القضية ليكشفوا له حقيقتها، ويعرف جوهر المسألة ليقول الحكم الشرعي المناسب لها، كما يقدم في الفتوى قول المفتي المجتهد على قول غيره؛ لأنه أكثر خبرة ومعرفة في بيان الحكم الشرعي المناسب.

    ج ٢ ص ٣٨٠
  2. وأهم شروط المفتي أمران: العلم، والعدالة (١) .

    1. (١)المراجع السابقة، وقال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "وإنما يُسأل من عُرف علمه وعدالته، بأن يراه منتصبًا لذلك، والناس متقفون على سؤاله والرجوع إليه، ولا يجوز لمن عُرف بضد ذلك إجماعًا" البحر المحيط (٦/ ٣٠٩).
    ج ٢ ص ٣٨١
  3. [١ - العلم]

  4. يجب أن يكون المفتي عالمًا بالأحكام الشرعية، وإلا أفتى الناس بجهل، أو بغير علم فيَضِلَّ ويُضل (٢) .

    1. (٢)قال العلماء: يلزم ولي الأمر منع من لم يعرف بالعلم، أو جُهل حاله، من الفتيا، وقالوا: يحجر على المفتي الماجن، انظر: المجموع للنووي (١/ ٦٩، ٧٠)، روضة الطالبين (١١/ ١٠٨)، أعلام الموقعين (٤/ ٢٠٣، ٢٧٦)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٤٤)، صفة الفتوى ص ٦، ٢٤.
  5. ويمكن اليوم أن يتوفر شرط العلم بالحصول على إجازة في الشريعة، أي: في الفقه وأصول الفقه، وما يلحق ذلك من العلوم الفقهية، كالقواعد الفقهية، والنظريات الفقهية، والفقه المقارن.

  6. ولا يجوز للدولة تعيين المفتي إذا لم يكن مختصًا بالشريعة، وحاصلًا اليوم على شهادة جامعية في ذلك، ولا يجوز للشخص أن يقبل التعيين بوظيفة مفت إذا لم يتوفر فيه ذلك، ويأثم هو، ومن عيّنه.

  7. ويجب على العامي، وكل شخص غير مختص بالشريعة، أن يسأل المفتي الذي توفر فيه شرط العلم عما يعرض له من المسائل، كما يجب عليه أن يسأل العالمَ المفتي عن كل عمل يحتاجه ويخصه، كالصلاة للجميع، وأحكام الزكاة للأغنياء، وأحكام الحج لمن استطاع إليه سبيلًا، وأحكام البيوع والمعاملات للتجار ... ، وغير ذلك مما سنفصله في الركن الثاني.

  8. ويجوز للمستفتي أن يسأل من تصدى للإفتاء بذاته، أو من عينته الدولة بوظيفة الإفتاء العام أو المحلي، ومن يكون منتصبًا للإفتاء (٣) .

    1. (٣)قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى: "إن للعامي أيضًا استفتاء من رآه منتصبًا للإفتاء والتدريس، معظّمًا عند الناس، فإنه كونه كذلك يدل على علمه، وأنه أهل للإفتاء" شرح الكوكب المنير = = (٤/ ٥٤٢)، ولكن اليوم يعرف بالشهادة الجامعية التي يحملها، وانظر: البحر المحيط (٦/ ٣٠٩).
  9. وإن لم يوجد في البلد إلا مفت واحد، تعين سؤاله والرجوع إليه، أما إن تعدد العلماء والمفتون وتفاوتوا في العلم والفضل، فاختلف الأصوليون في ذلك على قولين:

    القول الأول: التخيير في سؤال أحد العلماء، وهو قول الأكثرين والفقهاء، ومنهم الحنفية والمالكية والشافعية وأكثر الحنابلة، وقالوا: "يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل في العلم" ، قال الرافعي رحمه اللَّه تعالى: "وهو الأصح عند عامة الأصحاب، وقال: إنه الأصح" (١) .

    1. (١)البحر المحيط (٦/ ٣١١).
    ج ٢ ص ٣٨٢
  10. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] ، فالآية مطلقة، ولم تفرق بين العالم والأعلم، مع تفاوت درجتهم في العلم والمعرفة عادة.

  11. وكان الصحابة رضوان اللَّه عليهم يستفتون أي عالم من الصحابة مع تفاوتهم في الفضل والعلم والاجتهاد، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا.

    قال الآمدي رحمه اللَّه تعالى: "إن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين، فإن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: " عَليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهْديِّين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ " (٢) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " أقضاكم عليّ، وأفرضُكم زَيْد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" (٣) ، وكان

    ج ٢ ص ٣٨٣فيهم العوام، ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لا غير، ومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول، والاستفتاء له، مع وجود الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه "، ثم قال الآمدي: " ولولا إجماع الصحابة لكان مذهب الخصم أولى" (١) .

    1. (٢)هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي.
    2. (٣)هذا جزء من حديث رواه الترمذي عن أنس مرفوعًا، وقال: "حسن صحيح" وهو حديث مشهور، وأوله "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر اللَّه عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة" المقاصد الحسنة ص ٤٧، ٤٢، الفتح الكبير (١/ ١٧٢)، وفي رواية البخاري: "أقضانا علي" ولفظ = = ابن ماجه وأحمد: "أقضاهم علي بن أبي طالب".
    3. (١)الإحكام، للآمدي (٤/ ٢٣٣) وما بعدها.
  12. واستدلّ الجمهور على ذلك أيضًا بالمعقول، وهو أن الترجيح بين العلماء يتعذر للعامي، وهو تكليف له بما لا يطيق.

  13. القول الثاني: وجوب استفتاء الأفضل في العلم والورع والدِّين، وهو مذهب أحمد، وبعض الشافعية كابن سريج والقفال وأبي إسحاق الإسفراييني والكيا الهرَّاسي، واختاره الغزالي.

  14. واستدلوا على ذلك بأن أقوال المجتهدين أو المفتين بالنسبة لعامة الناس كالأدلة والأمارات المتعارضة بالنسبة للمجتهد، فيجب على العامي الترجيح، ويكون بالفضل والعلم، فالأعلم أقوى، ويعرفه الناس إما بالاجتهاد والتجربة، أو بالشهرة والتسامع ورجوع الناس إليه، والسؤال والبحث والتحري على قدر الاستطاعة.

  15. وأرى أن القول الثاني أقوى دلالة، وأكثر ورعًا، وهو ما تطمئن له النفس، ولكن الواقع يخالف ذلك، وأنه يعسر تطبيقه، ولا يوجد ضابط له، وفيه مشقة على الناس، ويمكن التوفيق في عصرنا بتعيين الأعلم والأفضل لمنصب الإفتاء، وجعل الفتوى بيد هيئة وجماعة لا ينفرد بها أحد، وتكون هي المرجع الرسمي والمعتمد للفتوى.

  16. [٢ - العدالة]

  17. اتفق العلماء على اشتراك العدالة في المفتي، وهي هيئة في النفس تحمل

    ج ٢ ص ٣٨٤صاحبها على فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وملازمة التقوى والمروءة، وبتعبير آخر: أن يكون ملتزمًا بأحكام الشرع، يطبقها على نفسه؛ ليكون قدوة لغيره، ولذلك لا تقبل الفتوى من الفاسق، ويجب على المستفتي البحث والسؤال عن عدالة المفتي بسؤال عدل أو عدلين، أو بالاستفاضة والشهرة بين الناس، ولا تصح الفتيا من مستور الحال؛ لأن العدل يُوَفّق غالبًا إلى اختيار الصواب، ويثق الناس به، ويطمئن القلب له، ويكون قدوة حسنة لغيره؛ لأنه في مركز الصدارة والقيادة في بيان الشرع، بخلاف الفاسق فإنه مذموم، ويتطرق الشك إلى أقواله، ويخشى من عدم دقته والتزامه بالحق والدليل الأقوى، وكذا لا تصح الفتيا من مستور الحال، والفاسق يفتي نفسه فقط (١) .

    1. (١)البرهان (٢/ ١٣٤١)، المعتمد (٢/ ٩٣٩)، المجموع (١/ ٨٩، ٩٠)، تيسير التحرير (٤/ ٢٤٨)، فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٣)، البحر المحيط (٦/ ١١٧، ٣٠٩، ٣١١)، مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٧)، جمع الجوامع والبناني (٢/ ٢٩٧)، المحصول (٣/ ١١٢)، روضة الطالبين (١١/ ١٠٤)، المسودة ص ٤٦٤، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٤٢، ٥٧١)، البحر المحيط (٦/ ٣٠٥)، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٤، إرشاد الفحول ص ٢٧١، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١١٥٩) وما بعدها.