الفرع الثاني في حجية خبر الآحاد

٣٣ فقرة، ج ١ ص ٢٠٩

  1. هذه الأقسام الثلاثة من السنة المتواترة والمشهورة والآحاد حجة يجب العمل بها واتباع ما ورد فيها, ولكن لا يؤخذ بحديث الآحاد في الاعتقاد؛ لأن الأمور الاعتقادية تبنى على الجزم واليقين، ولا تبنى على الظن، ولو كان راجحًا؛ لأن الظن في الاعتقاد لا يغني عن الحق شيئًا (١) .

    1. (١)أصول الفقه، أبو زهرة: ص ١٠٣، أصول السرخسي: ١ ص ٣٣٣.
    ج ١ ص ٢٠٩
  2. واتفق العلماء على الاحتجاج بخبر الواحد، ولكنهم اختلفوا في طريق إثبات خبر الواحد، فاشترط بعضهم شروطًا معينة للاحتجاج بخبر الآحاد، بينما اشترط آخرون شروطًا غيرها، وسنعرض لدراسة هذا الموضوع فنبين أدلة الاحتجاج بخبر الواحد، ثم نذكر شروط قبوله (٢) ،

    ج ١ ص ٢١٠وقد أفردناه بالبحث نظرًا لأهميته.

    1. (٢)يبحث علماء الأصول في وجوب العمل بخبر الواحد من ناحية جواز التعبد به عقلًا، ومن ناحية وجوب العمل به شرعًا، وأنه يفيد العلم أم غلبة الظن، والأكثرون على أن التعبد به جائز عقلًا وواجب شرعًا وأنه يفيد غلبة الظن. (انظر المستصفى: ١ ص ١٤٦، نهاية السول: ٢ ص ٢٨١، أصول الفقه، أبو النور: ٣ ص ١٣٥، كشف الأسرار: ٢ ص ٢٩٠)، وقال القاشاني والرافضة وابن داود: لا يجب العمل به، (انظر إرشاد الفحول: ص ٤٨)، وقال ابن حزم: إنه يوجب = = العلم والعمل معًا، (الإحكام في أصول الأحكام، له: ١ ص ١٠٧)، وانظر أصول السرخسي: ١ ص ٣٢١، شرح الكوكب المنير: ٢ ص ٣٥٢.
  3. أدلة الاحتجاج بخبر الواحد (١) :
  4. استدل العلماء على وجوب العلم بخبر الآحاد بالقرآن والسنة والإجماع والقياس والمعقول.

  5. أولًا: القرآن الكريم: ونقتصر على آيتين:
  6. ١ - قال الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) } [التوبة: ١٢٢] .

  7. فالفرقة ثلاثة، والطائفة واحد أو اثنان، والترجي من الله تعالى يعتبر طلبًا لازمًا، فالآية أوجبت الحذر وعدم الإقدام على ما يوجب العقاب بقول الطائفة المتعلمة، وهي واحد أو اثنان، مما يدل على أن خبر الواحد يجب قبوله (٢) .

    1. (٢)أصول الفقه، أبو النور: ٣ ص ١٣٩، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص ٢٥٩، أصول السرخسي: ١ ص ٣٢٢، إرشاد الفحول: ص ٤٩، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٩٢، المستصفى: ١ ص ١٥٢، الإحكام، الآمدي: ٢ ص ٥١، الإحكام، ابن حزم: ١ ص ٩٨، نهاية السول: ٢ ص ٢٨٤.
  8. ٢ - قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: ٦] ، فالآية أمرت بالتثبت من خبر الواحد إذا كان فاسقًا؛ لأن العلة في عدم قبول خبر الفاسق هي فسقه، لتعليق الحكم فيها بالفسق، أما خبر الواحد العدل فيجب قبوله والعمل به (٣) .

    1. (٣)إرشاد الفحول، المرجع السابق، منهاج الوصول: ص ٦٧، الإحكام، الآمدي: = = ٢ ص ٥٣، الإحكام، ابن حزم: ١ ص ١٠٠، نهاية السول: ٢ ص ٢٩٠، كشف الأسرار، المرجع السابق.
  9. ثانيًا: السنة: ويستدل من السنة على حجية خبر الواحد وصحة الاعتماد عليه بأدلة كثيرة منها:

    ١ - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نَضّر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حاملِ فقهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حاملِ فقه إلى من هو أفقه منه ... الحديث" (١) . فالرسول - صلى الله عليه وسلم - حبَّبَ ودعا إلى الاستماع إلى أقواله وحفظها ووعيها وأدائها من كل المسلمين، سواء كانوا أفرادًا أم جماعات، ولذا فإن نَقَلَ الحديث واحد أو اثنان أو ثلاثة فيجب قبول الخبر والعمل به (٢) .

    1. (١)رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والبيهقي عن جبير وابن مسعود.
    2. (٢)الرسالة: ص ٤٠١، وقارن الغزالي في المستصفى: ١ ص ١٥٢.
    ج ١ ص ٢١١
  10. ٢ - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بلِّغوا عني ولو آية" (٣) ، فالحديث يأمر المخاطب بالتبليغ لإرشاد الناس ونصحهم إلى الخير، ولو كان خبر الواحد لا يجدي لكان الحديث عبثًا، والرسول منزه عن العبث.

    1. (٣)هذا جزء من حديث رواه البخاري والترمذي وأحمد عن ابن عمر.
  11. ٣ - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث في وقت أحد اثني عشر رسولًا إلى اثني عشر ملكًا يبلغون رسالته، ويدعونهم إلى الإِسلام، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسل الكتب إلى الولاة المسلمين بوساطة أحد الصحابة، وهذا يدل على أن الخبر الذي ينقله هذا المبعوث يجب قبوله والعمل به، وإلا لما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  12. ٤ - كان الصحابة ينقلون الأحكام الشرعية بأخبار الآحاد ويبلغونها إلى أهلهم وذويهم وإخوانهم، وقد أقرهم رسول الله على ذلك، فهذا من السنة التقريرية على قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به.

  13. ومثل ذلك حالة تحويل القبلة في مسجد قُباء بخبر أحد الصحابة، ومثل تحريم الخمر الذي نقله أحد الصحابة إلى بعض المسلمين الذين كانوا يتناولونه فامتنعوا عنه، وأراقوا الخمر، وكسروا الدنان (١) .

    1. (١)الرسالة: ص ٤٠٧ وما بعدها، ٤١٥، ٤١٨، إرشاد الفحول: ص ٤٩، المستصفى: ٢ ص ١٥١، الإحكام، الآمدي: ٢ ص ٥١، ٥٦، الإحكام، ابن حزم: ١ ص ٩٨، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٩٢.
    ج ١ ص ٢١٢
  14. ثالثًا: الإجماع: أجمع الصحابة على العمل بخبر الواحد الذي يرويه واحد أو اثنان، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى، فقد عمل أبو بكر بخبر المغيرة بن شعبة في إعطاء الجدة السدس في الميراث، وعمل عمر بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سنةَ أهل الكتاب" ، وعمل عثمان بخبر فُرَيْعة بنت مالك في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعمل علي وابن عباس وغيرهما في وقائع مختلفة وأزمان متباينة دون أن ينكر عليهم أحد من الصحابة ذلك، فكان هذا إجماعًا على وجوب العمل بخبر الواحد (٢) .

    1. (٢)نهاية السول: ٢ ص ٢٩١، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٩٤، ٦٩٥، الإحكام، الآمدي: ٢ ص ٥٧، الإحكام، ابن حزم: ١ ص ١٠٢، المستصفى: ١ ص ١٤٨، إرشاد الفحول: ص ٤٩، أصول الفقه لغير الحنفية: ص ١٤٤، أصول الفقه، أبو النور: ٣ ص ١٣٤.
  15. رابعًا: القياس: قاس العلماء خبر الآحاد في الحديث على خبر الآحاد في القضاء، فالقاضي يحكم بناء على شهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين بنص القرآن والسنة، وكذلك العالم يقبل خبر الآحاد في الحديث (٣) ، وقاس الغزالي قبول خبر الواحد على قبول قول المفتي في

    ج ١ ص ٢١٣الحكم بالأولى (١) ، وقال الإِمام الشافعي رحمه الله: وإنا لنطلب في المُحَدِّث أكثر مما نطلب في الشاهد (٢) .

    1. (٣)الرسالة: ص ٢٤٠، منهاج الوصول: ص ٦٧، نهاية السول: ٢ ص ٢٨٢، ٢٩٠، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٩٥، أصول السرخسي: ١ ص ٣٣١.
    2. (١)المستصفى: ١ ص ١٥٢.
    3. (٢)جماع العلم على هامش الأم: ٧ ص ٢٥٣.
  16. خامسًا: المعقول: وذلك أن خبر الآحاد يحتمل الصدق والكذب، ولكن اشتراط العدالة والضبط والعقل والثقة وغيرها من الشروط ترجح جانب الصدق على جانب الكذب، ومثل ذلك ما يجري بين الناس من قبول أخبار الآحاد في أمور الفتوى والتزكية والخبرة سواء في ذلك الأمور الدينية والأمور الدنيوية (٣) .

    1. (٣)الإحكام، الآمدي: ٢ ص ٤٨، ٥٠، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٩.
  17. وإن أكثر السنة وردت إلينا آحادًا، فلو لم نعمل بها، ونحتج بما ورد فيها , لضاع قسم كبير من الشريعة، ووقع الناس في حرج، ولو لم يكن خبر الآحاد مقبولًا لوجب على الصحابة أن يلزموا رسول الله، ويعطلوا أعمالهم، وهذا لم يحدث قطعًا.

  18. [شروط العمل بخبر الواحد]

  19. إن اتفاق جماهير العلماء على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به لم يمنعهم من اشتراط بعض الشروط التي تبعث في أنفسهم الطمأنينة والراحة في صحة الخبر والاطلاع على السند الذي وصلهم، وإني أعتبر ذلك مفخرة لهم في الوعي والبحث عن الدِّين الحق، خشية أن يتسرب الغث أو الأوهام أو الأساطير والأكاذيب إلى دين الله.

  20. وهذه الشروط قسمان: شروط عامة متفق عليها في الراوي، كالإِسلام والبلوغ والعقل والضبط والعدالة (٤) ، وشروط مختلف عليها،

    ج ١ ص ٢١٤فبعضها اشترطها الصحابة، وبعضها الآخر اشترطها كل إمام من الأئمة، وهذا هو البيان.

    1. (٤)إرشاد الفحول: ص ٥٠، اللمع: ص ٤٣، المستصفى: ١ ص ١٥٥، وانظر تفصيل شروط العمل بخبر الواحد في الإحكام، الآمدي: ٢ ص ٦٤، أصول السرخسي: = = ١ ص ٣٤٥، شرح الكوكب المنير: ٢ ص ٣٤٥ وما بعدها.
  21. أولًا: آراء الصحابة رضي الله عنهم: كان أبو بكر وعمر أحيانًا لا يقبلان الحديث إلا بشهادة اثنين على سماعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان علي يستحلف الراوي بأنه سمع الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  22. وهذه الطريقة لم تكن مطردة بإطلاق، فقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعليًّا وغيرهم كانوا يقبلون أحاديث الآحاد بدون هذه الشروط (١) .

    1. (١)انظر تفصيل هذا الموضوع في كتاب: السنة ومكانتها في التشريع: ص ٨١.
  23. وكان الصحابة أحيانًا يرفضون قبول حديث أو العمل به، لما يرونه من نسخ الحديث أو معارضته لحديث آخر أو لعدم الثقة بالراوي أو لظروف خارجة تحيط به، ولم يتسرب إلى أنفسهم مطلقًا شك أو ريب في حجية السنة وخبر الآحاد (٢) .

    1. (٢)إرشاد الفحول: ص ٤٩، المستصفى: ١ ص ١٥٣، الإحكام، الآمدي: ٢ ص ٦٠، الموافقات: ٣ ص ٩، أصول السرخسي: ١ ص ٣٣٣.
  24. ثانيًا: مذهب الحنفية: اشترط الحنفية لقبول خبر الآحاد والعمل به ثلاثة شروط وهي:

    ١ - أن لا يعمل الراوي بخلاف ما يرويه، كما في حديث أبي هريرة في ولوغ الكلب من الإناء، وغسله سبع مرات، إحداهن بالتراب الطاهر، وكان أبو هريرة يكتفي بالغسل ثلاثًا، وحديث عائشة: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاثًا" ، بينما تولت السيدة عائشة عقد نكاح قريبتها.

  25. ٢ - أن لا يكون موضوع الحديث مما تكثر به البلوى، إلا إذا اشتهر

    ج ١ ص ٢١٥وتلقته الأمة بالقبول، مثل حديث: "من مس ذكره فليتوضأ" ، قالوا: إنه خبر آحاد، والصحيح أنه مشهور، ولم ينقله عن الرسول إلا راوٍ واحد مع حاجة المسلمين إلى معرفة نواقض الوضوء (١) ، ومثله حديث رفع اليدين عند الركوع، وحديث الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

    1. (١)نقل الشيخ الخضري أن هذا الحديث رواه ١٧ صحابيًّا، أصول الفقه، له: ص ٢٥٩.
  26. ٣ - أن لا يكون الحديث مخالفًا للقياس والأصول الشرعية إذا كان الراوي غير فقيه (٢) ، مثل حديث المُصَراة بردها وصاعًا من تمر، وعللوا هذا الشرط بانتشار نقل الحديث بالمعنى، وعدوا من غير الفقهاء أبا هريرة وأنسًا وسلمان وبلالًا.

    1. (٢)تيسير التحرير: ٣ ص ١١٢، منهاج الوصول: ص ٦٩، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ١٠٤، وانظر رد ابن حزم على هذه الشروط في الإحكام، له: ١ ص ١٠٤، والإحكام، الآمدي: ٢ ص ٨٤، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص ٢٥، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص ٦٩.
  27. ثالثًا: مذهب المالكية: اشترط المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يكون مخالفًا لعمل أهل المدينة, لأن عمل أهل المدينة يعتبر كالحديث المتواتر، والحديث المتواتر يقدم على خبر الآحاد (٣) ، فلم يعملوا بحديث: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" لمخالفة عمل أهل المدينة له، ومثل حديث السلام على اليمين في الصلاة ثم السلام على اليسار، بينما عمل أهل المدينة بالسلام على اليمين فقط، وهو قول الإِمام مالك.

    1. (٣)أصول الفقه، أبو زهرة: ص ١٠٤، أعلام الموقعين: ٢ ص ٤٢٣، أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص ٦٨، شرح الكوكب المنير: ٢ ص ٣٦٧.
  28. رابعًا: مذهب الشافعية: اشترط الإِمام الشافعي الشروط العامة لقبول الحديث وحددها في الراوي بأربعة، وهي:

    ج ١ ص ٢١٦١ - أن يكون ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه.

  29. ٢ - أن يكون عاقلًا لما يحدث، فاهمًا له.

  30. ٣ - أن يكون ضابطًا لما يرويه.

  31. ٤ - أن يكون الخبر غير مخالف لحديث أهل العلم بالحديث.

  32. وهذه الشروط تتعلق بصحة السند واتصاله، ولذلك لم يعمل بالحديث المرسل إلا بشروط (١) .

    1. (١)المستصفى: ١ ص ١٥٥، اللمع: ص ٤٣، شرح الكوكب المنير: ٢ ص ٥٧٨.
  33. خامسًا: مذهب الحنابلة: يشترط الإِمام أحمد صحة السند لقبول خبر الآحاد والعمل به، كالشافعية، ولكن الفرق بينهما في بعض الجزئيات، مثل قبول الحنابلة للحديث المرسل، خلافًا للشافعية لأن الإِمام أحمد لا يشترط اتصال السند، ومثل تقديم الحديث الضعيف على القياس (٢) .

    1. (٢)الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي: ص ٢٦٣، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٤٣، أعلام الموقعين: ١ ص ٣١، شرح الكوكب المنير: ٢ ص ٥٧٦.