تعريف الاستحسان
٨ فقرات، ج ١ ص ٢٤٧
- ج ١ ص ٢٤٧
الاستحسان لغة: عدُّ الشيء واعتقاده حسنًا (١) ، وفي اصطلاح الحنفية القائلين به هو: عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي، لدليل انقدح في عقله رجح هذا العدول (٢) .
- (١)القاموس المحيط: ٤ ص ٢١٤.
- (٢)أصول الفقه، خلاف: ص ٨٩، كشف الأسرار: ٤ ص ١١٢٣، المستصفى: ١ ص ٢٨٣، والقياس الجلي هو ما يكون دليله ظاهرًا، أو دليله قويًّا، والقياس الخفي هو الذي خفيت علته لدقتها وبعدها عن الذهن.
- ويظهر من التعريف أن الاستحسان نوعان:
-
الأول: ترجيح أحد القياسين على الآخر، ويسمي البزدوي القياس المرجوح بأنه ما ضعف أثره، أي: دليله (٣) .
- (٣)كشف الأسرار، للبخاري، على أصول البزدوي: ٤ ص ١١٢٣، أصول مذهب أحمد: ص ٥٠١، أثر الأدلة المختلف فيها: ص ١٢٢، أصول الفقه، للخضري: ص ٣٦٧.
-
والنوع الثاني: استثناء حكم من القاعدة لمصلحة؛ لأن استمرار
ج ١ ص ٢٤٨القاعدة، وتطبيقها على بعض الفروع، فيه فساد وحرج.
-
صورته: أن تقع حادثة ليس فيها حكم، ولها وجهتان مختلفتان، الأولى ظاهرة توجب حكمًا ظاهرًا للمجتهد، والأخرى خفية توجب حكمًا دقيقًا، لا يصل إليه المجتهد إلا بعد النظر والتدقيق، فيرجح المجتهد الحكم الخفي، لدليل خاص، على الحكم الظاهر الجلي، ويسمى عمله هذا استحسانًا، وكذا إذا ترجح بنفس المجتهد دليل يوجب استثناء جزئية معينة من حكم كلي أو قاعدة عامة، فيكون هذا استحسانًا.
-
مثال الأول: التحالف: الأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ويطبق هذا الأصل على كل قياس، فتكون اليمين على المدعى عليه، وليس على المدعي يمين وإنما عليه البينة، ولكن فقهاء الحنفية قالوا: إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن قبل القبض، فادعى البائع أنه ألفان، وادعى المشتري أنه ألف، فيتحالفان استحسانًا وهو الراجح (١) .
- (١)التحالف: هو أن يقسم كل من البائع والمشتري يمينًا على دعواه.
-
والسبب في ترجيح الاستحسان هنا على القياس أن البائع مدَّعٍ من حيث الظاهر للألفين، ولكنه يعتبر منكرًا لحق المشتري في تسليم المبيع، والمشتري ينكر الزيادة ظاهرًا، ويدعي حق تسليم المبيع ضمنًا، فصار كل منها مدعيًا ومنكرًا في آن واحد، فيتحالفان (٢) .
- (٢)فتح القدير: ٦ ص ١٨٤، تبيين الحقائق: ٤ ص ٣٠٥، كشف الأسرار: ٤ ص ١١٣١، وانظر تفصيل هذا المثال ومقارنة المذاهب وآراء العلماء في رسالتنا: وسائل الإثبات: ٢ ص ٦٨٤.
-
مثال الثاني: ضمان الأجير المشترك (٣) ، فالأصل أن الأمين لا يضمن
ج ١ ص ٢٤٩إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ، ويقاس عليه الأجير أو العامل الذي يُستأجر للعمل في البيت أو المعمل، ولكن استثنوا الأجير المشترك وهو العامل المشترك الذي يعمل للجميع في آن واحد، مثل مصلح السيارة والأحذية وتجليد الكتب، وقالوا: إنه يضمن استحسانًا، إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة، وسبب الاستحسان هو الحاجة والضرورة في تأمين أموال الناس خشية أن يُهمل المحافظة عليها أو يضيعها ويتلفها بدون مبالاة (١) .
- (٣)وهو قول المالكية والصاحبين من الحنفية، وقال الشافعي في الأظهر: لا يضمن = = الأجير المشترك (المهذب ٣/ ٥٦١ ط محققة).
- (١)انظر أمثلة كثيرة في: كشف الأسرار: ٤ ص ١١٢٦، والتوضيح على التنقيح: ٣ ص ٤، علم أصول الفقه، خلاف: ص ٩١.