القول في التخصيص بالأدلة المنفصلة

٣٤ فقرة، ج ٣ ص ٧١

  1. القول في تخصيص العام بالأدلة المنفصلة فنقول تخصيص العام إما أن يكون بالعقل أو بالحس أو بالدلائل السمعية وهو على وجهين تخصيص المقطوع بالمقطوع وتخصيص المقطوع بالمظنون فلنعقد أهل في كل واحد فصلا

    ج ٣ ص ٧٣الفصل الأول في تخصيص العموم بالعقل هذا قد يكون بضرورة العقل كقوله تعالى الله خالق كل شئ فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقا لنفسه وبنظر العقل كقوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فإنا نخصص الصبي والمجنون لعدم الفهم في حقهما

    ج ٣ ص ٧١
  2. ومنهم من نازع في تخصيص العموم بدليل العقل والأشبه عندي أنه لا خلاف في المعنى بل في اللفظ أما أنه لا خلاف في المعنى فلأن اللفظ لما دل على ثبوت الحكم في جميع الصور والعقل منع من ثبوته في بعض الصور فإما أن نحكم بصحة مقتضى العقل والنقل فيلزم صدق النقيضين وهو محال أو نرجح النقل على العقل وهو محال لأن العقل أصل النقل

    ج ٣ ص ٧٤فالقدح في العقل قدح في أصل النقل والقدح في الأصل لتصحيح الفرع يوجب القدح فيهما معا وأما أن نرجح حكم العقل على مقتضى العمو وهذا هو مرادنا من تخصيص العموم بالعقل وأما البحث اللفظي فهو أن العقل هل يسمى مخصصا أم لا فنقول إن أردنا بالمخصص الأمر الذي يؤثر في اختصاص اللفظ العام ببعض مسمياته فالعقل غير مخصص لأن المقتضي لذلك الاختصاص هو الإرادة القائمة بالمتكلم والعقل يكون دليلا على تحقق تلك الإرادة فالعقل يكون دليل المخصص لا نفس المخصص ولكن على هذا التفسير وجب أن لا يكون الكتاب مخصصا للكتاب ولا السنة للسنة لأن المؤثر في ذلك التخصيص هو الإرادة لا تلك الآلفاظ فإن قيل لو جاز التخصيص بالعقل فهل يجوز النسخ به قلنا نعم لأن من سقطت رجلاه سقط عنه فرض غسل الرجلين وذلك إنما عرف بالعقل

    ج ٣ ص ٧٥الفصل الثاني في التخصيص بالحس وهو كما في قوله تعالى وأوتيت من كل شئ فإنه لم يكن شئ من السماء والعرش والكرسي في يدها

    ج ٣ ص ٧٧الفصل الثالث في تخصيص المقطوع بالمقطوع وفيه مسائل المسألة الأولى في تخصيص الكتاب بالكتاب وهو جائز خلافا لبعض أهل الظاهر لنا إن وقوعه دليل جوازه لأن قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء مع قوله تعالى وأولات الآحمال حديث أجلهن أن يضعن حملهن وكذلك قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن مع قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب لا يخلو إما ان نجمع بين دلالة العام على عمومه والخاص على خصوصه وذلك محال وإما أن نرجح أحدهما على الآخر وحينئذ زوال الزائل إن كان على سبيل التخصيص فقد حصل الغرض

    ج ٣ ص ٧٨وإن كان بالنسخ فقد حصل الغرض أيضالآن كل من جوز نسخ

  3. الكتاب بالكتاب جوز تخصيصه به أيضا احتجوا بقوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم فوض البيان إلى الرسول عليه الصلاة والسلا فوجب أن لا يحصل البيان إلا بقوله والجواب أنه معارض بقوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ولأن تلاوة النبي ص آية التخصيص بيان منه له والله أعلم المسألة الثانية في تخصيص السنة المتواترة بالسنة المتواترة وهو جائز أيضا لأن العام والخاص مهما اجتمعا فإما أن يعمل بمقتضاهما أو يترك العمل بهما أو يرجح العام على الخاص وهذه الثلاثة باطلة بالإجماع فلم يبق إلا تقديم الخاص على العام المسألة الثالثة تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة قولا كان أو فعلا جائز للدليل الذي مر وأيضا قد وقع ذلك أما بالقول فلأنهم خصصوا عموم قوله تعالى يوصيكم الله في

  4. وأما بالفعل عند فلأنهم خصصوا قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة بما تواتر عنه ص من رجم المحصن

    ج ٣ ص ٨٠
  5. وأيضا تخصيص السنة المتواترة بالكتاب جائز

    ج ٣ ص ٨١وعن بعض فقهائنا إنه لا يجوز ودليله التقسيم الذي مر المسألة الرابعة في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع وهو جائز لأنه واقع فإنهم خصصوا آية الإرث بالإجماع على أن العبد لا يرث وخصصوا آية الجلد بالإجماع على أن العبد كالأمة في تنصيف الحد وأما تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة ف إنه غير جائز للإجماع ولأن إجماعهم على الحكم العام مع سبق المخصص خطأ والإجماع على الخطأ لا يجوز المسألة الخامسة في أن تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بفعل الرسول ص هل هو جائز أم لا والتحقيق فيه أن اللفظ العام إما أن يكون متناولا للرسول ص أو لا يكون متناولا له فإن كان متناولا له كان ذلك الفعل مخصصا لذلك العموم في حقه وهل يكون مخصصا للعموم في حق غيره فنقول

    ج ٣ ص ٨٢إن دل دليل على أن حكم غيره كحكمه في الكل مطلقا أو في الكل إلا مخصه الدليل أو في تلك الواقعة كان ذلك تخصيصا في حق غيره ولكن المخصص للعموم لا يكون ذلك الفعل وحده بل الفعل مع

  6. ذلك الدليل وإن لم يكن كذلك لم يجز تخصيص ذلك العام في حق غيره وأما إن كان اللفظ العام غير متناول للرسول عليه السلام بل للأمة فقط فإن قام الدليل على أن حكم الأمة مثل حكم النبي ص صار العام مخصوصا بمجموع فعل الرسول عليه السلام مع ذلك الدليل وإلا فلا واحتج من منع هذا التخصيص مطلقا بأن المخصص للعام هو الدليل الذي دل على وجوب متابعته وهو قولتعالى فاتبعوه وذلك اعم من العام الذي يدل على بعض الأشياء فقط فالتخصيص بالفعل يكون تقديما للعام على الخاص وهو غير جائز والجواب أن المخصص ليس مجرد قوله تعالى فاتبعوه بل هو مع ذلك الفعل ومجموعهما أخص من العام الذي ندعي تخصيصه بالفعل المسألة السادسة من فعل ما يخالف مقتضى العموم بحضر الرسول ص فلم ينكره

    ج ٣ ص ٨٣عليه فعدم الإنكار من الرسول ص قاطع في تخصيص العام في حق ذلك الفاعل أما في حق غيره فإن ثبت أن حكمه ص في الواحد حكمه في الكل كان ذلك التقرير تخصيصا في حق الكل وإلا فلا والله أعلم

    ج ٣ ص ٨٥الفصل الرابع في تخصيص المقطوع بالمظنون وفيه مسائل المسألة الأولى يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد عندنا وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك رحمهم الله وقال قوم لا يجوز أصلا وقال عيسى بن أبان إن كان قد خص قبل ذلك بدليل مقطوع به جاز وإلا فلا وقال الكرخي إن كان قد خص بدليل منفصل صار مجازا فيجوز ذلك وإن خص بدليل متصل أو لم يخص أصلا لم يجز وأما القاضي أبو بكر رحمه الله إنه اختار التوقف

    ج ٣ ص ٨٦لنا أن العموم وخبر الواحد دليلان متعارضان وخبر الواحد أخص من العموم فوجب تقديمه على العموم إنما قلنا إنهما دليلان لأن العموم دليل بالاتفاق وأما خبر الواحد فهو ايضا دليل لأن العمل به يتضمن دفع ضرر مظنون فكان العمل به واجبا فكان دليلا وإذا ثبت ذلك وجب تقديمه على العموم لأن تقديم العموم عليه يفضي إلى إلغائه بالكلية أما تقديمه على العموم فلا يفضي إلى إلغاء العموم بالكلية فكان ذلك أولى كما في سائر المخصصات وأما جمهور الآصحاب فقالوا أجمعت الصحابة على تخصيص

  7. عموم القرآن بخبر الواحد وبينوه بخمس صور إحداها أنهم خصصوا قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم بما رواه الصديق رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال نحن معاشر الأنبياء لا نورث

    ج ٣ ص ٨٧وثانيها خصصوا عموم قوله تعالى فإن كن نساء فوق لأنه اثنتين فلهن ثلثا ما ترك بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة أنه ص جعل للجدة السدس لأن المتوفاة إذا خلفت زوجا وبنتين وجدة فللزوج الربع

    ج ٣ ص ٨٨ثلاثة وللبنين الثلثان ثمانية وللجدة السدس اثنان عالت المسألة إلى ثلاثة عشر وثمانية من ثلاثة عشر أقل من ثلثي التركة وثالثها أنهم خصصوا قوله تعالى وأحل الله البيع بخبر أبي سعيد في المنع من المنع من بيع الدرهم بالدرهمين

    ج ٣ ص ٨٩ورابعها خصصوا قوله تعالى اقتلوا المشركين بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس سنوا بهم سنة أهل الكتاب وخامسها خصصوا قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم بخبر أبي

  8. هريرة في المنع من نكاح المرأة على عمتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها

    ج ٣ ص ٩٠ولقائل أن يقول هل أجمعت الصحابة على تخصيص هذه العمومات في هذه الصور أو ما أجمعت فإن قلتم ما أجمعوا فقد سقط دليلكم وإن قلتم أجمعوا فلم لا يجوز أن يقال المخصص لهذه العمومات ذلك الإجماع فان قلت لا بد لذلك الإجماع من مستند هو هذه الأخبار إذ رب إجماع خفي مستنده لاستغنائهم بالإجماع عنه

    ج ٣ ص ٩١سلمنا أن ذلك المستند هو هذه الأخبار لكن لعل هذه الأخبار كانت متواترة عندهم ثم صارت آحادا عندنا واحتج المانعون بالإجماع والخبر والمعقول أما الإجماع فهو أن عمر رضي الله عن رد خبر فاطمة بنت قيس وقال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت أو كذبت وأما الخبر فما روي أنه ص قال إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه والخبر الذي يخصص

    ج ٣ ص ٩٣الكتاب على مخالفة الكتاب فوجب رده وأما المعقول فوجهان الأول

  9. أن الكتاب مقطوع به وخبر الواحد مظنون والمقطوع أولى من المظنون والثاني ان النسخ تخصيص في الأزمان والتخصيص تخصيص في الأعيان فنقول لو جاز التخصيص بخبر الواحد في الأعيان لكان لأجل أن تخصيص العام أولى من إلغاء الخاص وهذا المعنى قائم في النسخ فكان يلزم جواز النسخ بخبر الواحد ولما لم يجز ذلك علمنا أن ذلك أيضا غير جائز والجواب عن الأول أنا لا ندعي تخصيص العموم بكل ما جاء من أخبار الآحاد حتى يكون ذلك علينا وإنما نجوزه بالخبر الذي لا يكون راويه متهما بالكذب والنسيان وهذا الشرط ما كان حاصلا هنا لأن عمر رضي الله عنه قدح في روايتها بذلك فلم يكن قادحا في غرضنا بل هو بأن يكون حجة لنا أولى وذلك لأن عمر رضي الله عنه بين أن روايتها إنما صارت مردودة لكون الراوي غير مأمون من الكذب والنسيان ولو كان خبر الواحد المقتضي لتخصيص

    ج ٣ ص ٩٤الكتاب مردودا كيف ماكان لما كان لذلك التعليل وجه وعن الثاني أن ما ذكرتموه يقتضي أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة فإن قلتم إن ما يقتضي تخصيص الكتاب لا يكون على خلافه قلنا في مسألتنا ذلك بعينه وعن الثالث أن البراءة الأصلية يقينية ثم إنا نتركها بخبر الواحد فبطل قولكم إن المقطوع لا يترك بالمظنون

  10. ثم نقول لا نسلم حصول التفاوت وبيانه من وجهين الأول أن الكتاب مقطوع في متنه مظنون في دلالته والخبر مظنون في دلالته فلم قلتم إنه حصل التفاوت بينهما على هذا التقدير الثاني أن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالخبر المظنون لم يكن وجوب العمل مظنونا لأن تقدير ذلك أن الله تعالى قال مهما حصل في قلبكم ظن صدق الراوي فاقطعوا أن حكمي ذلك فإذا وجدنا ذلك الظن واستدللنا به على الحكم كنا قاطعين بالحكم وإذا كان كذلك فلم قلتم إن التفاوت حاصل على هذا التقدير وعن الرابع أن الأصوليين اعتمدوا في الجواب على حرف واحد وهو أن العقل ليس يأبى ذلك وإنما فصلنا بينهما لإجماع الصحابة على الفصل بينهما فقبلوا خبر الواحد في التخصيص وردوه في النسخ

    ج ٣ ص ٩٥وهذا الجواب ضعيف لأنا بينا أن الذي عولوا عليه في أنهم قبلوا خبر الواحد في التخصيص ضعيف وإذا ثبت ذلك فنقول ثبت بما ذكرنا أن القياس يقتضي أنه لو قبل خبر الواحد في التخصيص لوجب قبوله في النسخ وثبت بالاتفاق أنهم ما قبلوه في النسخ فوجب أن يقال أنهم ما قبلوه في التخصيص أيضا ضروة العمل بالدليل والجواب الصحيح لا يحصل إلا بذكر الفرق بينهما وهو أن التخصيص أهون من النسخ ولا يلزم من تأثير الشئ في الأضعف تأثيره في

  11. الآقوى أخبرنا والله أعلم تنبيه فأما قول عيسى بن أبان والكرخي فمبنيان على حرف واحد وهو أن العام المخصوص عند عيسى مجاز والعام المخصوص بالدليل المنفصل مجاز عند الكرخي وإذا صار مجازا صارت دلالته مظنونة ومتنه مقطوعا وخبر الواحد متنه مظنو ودلالته مقطوعة فيحصل التعادل فأما قبل ذلك فإنه حقيقة في العموم فيكون قاطعا في متنه وفي دلالته فلا يجوز أن يرجح عليه المظنون فهذا هو مأخذهم والكلام عليه هو ما تقدم والله أعلم

    ج ٣ ص ٩٦المسألة الثانية يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي الحسين البصري والأشعري وأبي هاشم أخيرا ومنهم من منع منه مطلقا وهو قول الجبائي وأبي هاشم أولا ومنهم من فصل ثم ذكروا فيه وجوها أربعة الأول قول عيسى بن أبان أن تطرق التخصيص إلى العموم جاز وإلا فلا والثاني قول الكرخي وهو أنه إن خص بدليل منفصل جاز وإلا فلا والثالث قول كثير من فقهائنا ومنهم ابن سريج يجوز بالقياس الجلي دون الخفي

  12. ثم اختلفوا في تفسير الجلي والخفي على ثلاثة أوجه أحدها أن الجلي هو قياس المعنى والخفي هو قياس الشبه وثانيها أن الجلي هو مثل قوله ص لا يقضي القاضي وهو غضبان وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن إتمام

    ج ٣ ص ٩٧الفكر حتى يتعدى إلى الجائع والحاقن وثالثها قول أبي سعيد الاصطخري وهو أن الجلي هو الذي إذا قضى القاضي بخلافة ينتقض قضاؤه والرابع قول الغزالي رحمه الله وهو أن العام والقياس إن تفاوتا في إفادة الظن رجحنا الأقوى وإن تعادلا توقفنا وأما القاضي أبي بكر وأمام الحرمين فقد ذهبا إلى الوقف قال إمام الحرمين والقول بالوقف يشارك القول بالتخصيص من وجه ويباينه من وجه أما المشاركة فلأن المطلوب من تخصيص العام بالقياس إسقاط الاحتجاج بالعام والوقف يشاركه فيه

    ج ٣ ص ٩٨وأما المباينة فهي أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضى القياس والواقف لا يحكم به تنبيه نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر

  13. الواحد والخلاف جار في الكل وكذا القول في قياس الخبر المتواتر بالنسبة إلى عموم الكتاب وبالعكس أما قياس خبر الواحد إذا عارضه عموم الكتاب أو السنة المتواترة وجب أن يكون تجويزه أبعد لنا أن العموم والقياس دليلان متعارضان والقياس خاص فوجب تقديمه أما ان العموم دليل فبالاتفاق وأما أن القياس دليل فلأن العمل به دفع ضرر مظنون فكان العمل به واجبا وسيأتي تقرير هذه الدلالة في باب القياس إن شاء الله تعالى وإذا ثبت ذلك فالتقرير ما تقدم في المسألة الأولى واحتج المانعون بأمور

    ج ٣ ص ٩٩أحدها أن الحكم المدلول عليه بالعموم معلوم والحكم المدلول عليه بالقياس مظنون والمعلوم راجح على المظنون وثانيها أن القياس فرع النص فلو خصصنا العموم بالقياس لقدمنا الفرع على الأصل وإنه غير جائز وثالثها أن حديث معاذ دل

    ج ٣ ص ١٠٠على أنه لا يجوز الاجتهاد إلا بعد فقد ذلك الحكم في الكتاب والسنة وذلك يمنع من تخصيص النص بالقياس ورابعها أن الأمة مجمعة على أن من شرط القياس أن لا يرده النص

  14. وإذا كان العموم مخالفا له فقد رده

    ج ٣ ص ١٠١وخامسها أنه لو جاز التخصيص بالقياس لجاز النسخ به وقد تقدم تقريره والجواب عن الأول ما تقدم وعن الثاني أن القياس المخصص للنص يكون فرعا لنص آخر وحينئذ يزول السؤال فإن قلت لما كان القياس فرعا لنص آخر فك مقدمة لا بد منها في دلالة النص على الحكم كانت معتبرة في الجانبين وأما المقدمات التي لا بد منها في دلالة القياس فهي مختصة بجانب القياس فقط فإذن إثبات الحكم بالقياس يتوقف على مقدما أكثر وبالعموم على مقدمات أقل فكان إثبات الحكم بالعموم أظهر من إثباته بالقياس والأقوى لا يصير مرجوحا بالأضعف قلت قد تكون دلالة بعض العمومات على مدلوله أقوى وأقل مقدمات من دلالة عموم آخر على مدلوله وعند هذا يظهر الحق ما قاله الغزالي رحمه الله وهو أن دلالة العموم المخصوص على مدلوله إذا افتقرت إلى مقدمات كثيرة ودلالة

    ج ٣ ص ١٠٢العموم الذي هو أصل القياس إذا افتقرت إلى مقدمات قليلة بحيث تكون تلك المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات قليلة بحيث تكون تلك المقدمات مع المقدمات المعتبرة في القياس معادلة لمقدمات العموم المخصوص أو أقل جاز وحينئذ لا يتوجه ما قالوه

  15. وعن الثالث أن حديث معاذ إن اقتضى إنه لا يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالقياس فليقتض أن لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة ولا شك في فساد ذلك وعن الرابع أن نقول مالذي تريد بقولك شرط القياس أن لا يدفعه النص إن أردتم أن شرطه أن لا يكون رافعا لكل ما اقتضاه النص فحق وإن أردتم أن لا يكون رافعا لشئ مما اقتضاه النص فهو عين المتنازع وعن الخامس ما تقدم في المسألة الأولى المسألة الثالثة إذا قلنا المفهوم حجة فلا شك أن دلالته أضعف من دلالة المنطوق فهل يجوز تخصيص العام به

    ج ٣ ص ١٠٣مثاله إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم ثم قال الشارع في سائمة الغنم زكافهذا مفهومه يقتضي تخصيص ذلك العام ولقائل أن يقول إنما رجحنا الخاص على العام لأن دلالة الخاص على ما تحته أقوى من دلالة العام على ذلك الخاص والأقوى راجح وأما ها هنا فلا نسلم أن دلالة المفهوم على مدلوله أقوى من دلالة العام على ذلك الخاص بل الظاهر أنه أضعف وإذا كان كذلك كان تخصيص العام بالمفهوم ترجيحا للأضعف على الأقوى وأنه لا يجوز والله أعلم

    ج ٣ ص ١٠٤القول في بناء العام على الخاص روي عن رسول الله ص خبران خاص وعام وهما كالمتنافيين فإما أن نعلم تاريخهما أو لا نعلم فإن علمنا التاريخ فإما أن نعلم مقارنتهما أو نعلم تراخي أحدهما عن الآخر فإن علمنا مقارنتهما نحو أن يقول في الخيل زكاة ويقول عقيبه ليس في الذكور من الخيل زكاة فالواجب أن يكون الخاص مخصصا للعام ومنهم من قال بل ذلك القدر من العام يصير معارضا للخاص لنا وجوه الأول أن الخاص أقوى دلالة على ما يتناوله من العام والأقوى راجح فالخاص راجج بيان الأول أن العام يجوز إطلاقه من غير أرادة ذلك الخاص أما

    ج ٣ ص ١٠٥ذلك الخاص فلا يجوز إطلاقه من غير أرادة ذلك الخاص فثبت أنه أقوى الثاني أن السيد إذا قال لعبده اشتر كل ما في السوق من اللحم ثم قال عقيبه لا تشتر لحم البقر فهم منه إخراج لحم البقر من كلامه الأول الثالث إن إجراء العام على عمومه إلغاء للخاص واعتبار الخاص لا يوجب

  16. إلغاء واحد منهما فكان ذلك أولى فإن قلت هلا حملتم قوله في الخيل زكاة على التطوع وقوله لا زكاة في الذكور من الخيل على نفي الوجوب وهذا وإن كان مجازا لكن التخصيص أيضا مجاز فلم كان مجازكم أولى من مجازنا لو قلت إنا نفرض الكلام فيما إذا قال أوجبت الزكاة في الخيل ثم قال لاأوجبها في الذكور من الخيل ولأن قوله في الخيل زكاة يقتضي وجوبها في الإناث والذكور فلو حملناه على التطوع لكنا قد عدلنا باللفظ عن ظاهره في الإناث لدليل لا يتناول الإناث وليس كذلك إذا أخرجنا الذكور في قوله في الخيل زكاة لأنا نكون قد أخرجنا من العام شيئا لدليل يتناوله واقتضى إخراجه

    ج ٣ ص ١٠٦أما إذا علمنا تأخير الخاص عن العام فإن ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام كان ذلك بيانا للتخصيص ويجوز ذلك عند من يجوز تأخير بيان العام ولا يجوز عند المانعين منه وإن ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام كان ذلك نسخا وبيانا لمراد المتكلم فيما بعد دون ما قبل لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة أما إن كان العام متأخرا عن الخاص فعند الشافعي وأبي الحسين البصري أن العام يبتى يكوعلى الخاص وهو المختار وعند أبي حنيفة والقاضي عبد الجبار بن احمد أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم وتوقف ابن القاص فيه

    ج ٣ ص ١٠٧لنا وجوه الأول الخاص أقوى دلالة على ما يتناوله من العام والأقوى راجح فالخاص راجح الثاني إن إجراء العام على عمومه يوجب إلغاء الخاص واعتبار الخاص لا يوجب إلغاء واحد منهما فكان أولى واحتج أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله بأمور أحدها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث

    ج ٣ ص ١٠٨فإذا كان العام متأخرا كان أحدث فوجب الأخذ به وثانيها لفظان تعارضا وعلم التاريخ بينهما فوجب تسليط الأخير على السابق كما لو كان الأخير خاصا واحترزنا بقولنا لفظان عن العام الذي يخصه العقل فإنا هناك سلطنا المتقدم وثالثها أن اللفظ العام في تناوله لآحاد ما دخل تحته يجري مجرى ألفاظ خاصة كل واحد منها يتناول واحدا فقط من تلك الآحاد لأن قوله

  17. تعالى اقتلوا المشركين قائم مقام قوله اقتلوا زيدا المشرك اقتلوا عمرا أقتلوا خالدا ولو قال ذلك بعد ما قال لا تقتلوا زيدا كان الثاني ناسخا واحتج ابن القاص على التوقف بأن هذين الخطابين كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من

    ج ٣ ص ١٠٩وجه آخر لأنه إذا قال لا تقلوا اليهود ثم قال بعده اقتلوا المشركين فقوله لا تقتلوا اليهود أخص من قوله اقتلوا المشركين من حيث إن اليهودي أخص من المشرك وأعم منه من حيث إنه دخل في المتقدم من الأوقات ما لم يدخل في المتأخر وهو ما بين زمان ورود المتقدم والمتأخر فظهر أن الخاص المتقدم أعم في الأزمان وأخص في الأعيان والعام المتأخر بالعكس فكل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه آخر وإذا ثبت ذلك وجب التوقف والرجوع إلى الترجيح كما في كل خطابين هذا شأنهما والجواب عن الأول أن هذا قول الصحابي فيكون ضعيف الدلالة فنخصه بما إذا كان الأحدث هو الخاص

    ج ٣ ص ١١٠وعن الثاني أن الفرق ما ذكرنا من أن الخاص أقوى من العام فوجب تقديمه عليه ولأنا لو لم نسلط الخاص المتأخر على العام المتقدم لزم إلغاء

  18. الخاص أما لو لم نسلط العام المتأخر على الخاص المتقدم فلا يلزم ذلك فظهر الفرق وعن الثالث أنه إذا كان اللفظ عاما احتمل التخصيص وليس كذلك إذا كان خاصا ولهذا لو كان قوله لا تقتلوا اليهود مقارنا لقوله اقتلوا المشركين لخصه ولو قارن المفصل لناقضه ولم يخصه لأن الخاص لا يحتمل التخصيص وأما الذي تمسك به ابن القاص فهو ضعيف لأنه فرض الخاص المتقدم نهيا فلا جرم عم الأزمان وفرض العام المتأخر أمرا فلا جرم لم يعم الآزمان فصح له ما ادعاه من كون الخاص أعم من العام من هذا الوجه أما لو فرضنا الخاص المتقدم أمرا والعام المتأخر نهيا فإنه لا يستقيم

    ج ٣ ص ١١١كلامه لأن الخاص المتقدم لا شك أنه خاص في الأعيان وهو أيضا خاص في الأزمان لا الأمر لا يفيد التكرار أما العام المتأخر فإذا فرضناه نهيا كان أعم من المتقدم في الأعيان بالاتفاق وفي الأزمان أيضا لأن الأمر لا يتناول كل الأزمان بل يتناول زمانا واحدا فها هنا المتأخر أعم من المتقدم من كل الوجوه فبطل ما قالوه والله أعلم

  19. أما إذا لم يعرف التاريخ بينهما فعند الشافعي رضي الله عنه أن الخاص منهما يخص العام وعند أبي حنيفة رضي الله عنه يتوقف فيهما ويرجع إلى غيرهما أو إلى ما يرجح أحدهما على الآخر وهذا سديد على أصله لأن الخاص دائر بين أن يكون منسوخا وبين أن يكون مخصصا وناسخا مقبولا وناسخا مردودا وعند حصول التردد يجب التوقف واعتمد أصحابنا فيه على وجهين أحدهما أنه ليس للخاص مع العام إلا أن يقارنه أو يتقدمه أو يتأخر عنه

    ج ٣ ص ١١٢وقد ثبت تخصيص العام بالخاص عندنا على التقديرات الثلاثة فعند الجهل بالتاريخ يكون الحكم أيضا كذلك وهذا ضعيف لأن الخاص المتأخر عن العام إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام كان تخصيصا وإن ورد بعده كان نسخا وعلى هذا نقول إن كان العام والخاص مقطوعين أو مظنونين أو العام مظنونا والخاص مقطوعا وجب ترجح الخاص على العام لأن الخاص دائر بين أن يكون ناسخا أو مخصصا وعلى التقدير ين فالخاص مقدم في هذه الصورة أما إذا كان العام مقطوعا به والخاص مظنونا فبتقدير أن يكون الخاص مخصصا وجب العمل به لأن تخصيص الكتاب بخبر الواحد

  20. جائز لكن بتقدير أن يكون ناسخا لم يجب العمل به لأن نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز فالحاصل أن الخاص دائر بين أن يكون مخصصا وبين أن يكون ناسخا مقبولا وبين أن يكون ناسخا مردودا

    ج ٣ ص ١١٣وإذا كان كذلك لم يجب تقديم الخاص على العام مطلقا الثاني أن العموم بالقياس مطلقا فلأن يخص بخبر الواحد أولى وهو ضعيف لأن القياس يقتضي أصلا يقاس عليه فذلك الأصل إن كان متقدما على العام لم يجز القياس عليه عندنا وكذا القول إذا لم يعرف تقدمه وتأخره لا يجوز القياس عليه والمعتمد أن فقهاء الأمصار في هذه الأعصار يخصصون أعم الخبرين بأخصهما مع فقد علمهم بالتاريخ فإن قلت إن ابن عمر رضي الله عنهما لم يخص قوله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم بقوله ص لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان

    ج ٣ ص ١١٤وعنه أيضا لما سئل عن نكاح النصرانية حرمه محتجا بقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وجعل هذا العام رافعا لقوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب مع خصوصه

    ج ٣ ص ١١٥قلت ادعينا إجماع أهل هذه الأعصار ويحتمل أن يكون ابن عمر امتنع من ذلك الدليل تنبيه إن الحنفية لما اعتقدوا أن الواجب في مثل هذا العام والخاص إما التوقف وإما الترجيح ذكر عيسى بن أبان ثلاثة أوجه في الترجيح أحدها اتفاق الآمة على العمل بأحدها وثانيها عمل أكثر الأمة بأحد الخبرين وعيبهم على من لم يعمل به كعملهم

  21. وثالثها أن تكون الرواية لأحدهما أشهر وزاد أبو عبد الله البصري وجهين آخرين أحدهما أن يتضمن أحد الخبرين حكما شرعيا وثانيهما أن يكون أحد الخبرين بيانا للآخر بالاتفاق كاتفاقهم على أن قوله ص لاقطع إلا في ثمن المجن بيان لآية السرقة

    ج ٣ ص ١١٧
  22. الخبرين لأن الخبر لو كان متقدما منسوخا لما اتفقت الأمة على استعماله ولا عابوا من ترك استعماله ولما كان نقله أشهر ولما أجمعوا على كونه بيانا لناسخه وكون الحكم غير شرعي يقتضي كون الخبر الذي تضمنه مصاحبا للعقل وأن الخبر المتضمن للحكم الشرعي متأخر وهذا الوجه ضعيف والله أعلم

    ج ٣ ص ١٢١القول فيما ظن أنه من مخصصات العموم مع أنه ليس كذلك وفيه مسائل المسألة الأولى الخطاب الذي يرد جوابا عن سؤال سائل إما أن لا يكون مستقلا بنفسه أو يكون والأول على قسمين لأن عدم استقلاله إما أن يكون لأمر يرجع إليه كقوله ص وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر أينقص أذا جف قالوا نعم قال فلا إذن

    ج ٣ ص ١٢٢وإما أن يكون لأمر يرجع إلى العادة كقوله والله لا آكل في جواب من يقول كل عندي لأن هذا الجواب مستقل بنفسه غير أن العرف اقتضى عدم استقلاله حتى صار مفتقرا إلى السبب الذي خرج عليه والقسم الثاني على ثلاثة أنواع لآن الجواب إما أن يكون أخص أو

    ج ٣ ص ١١٩
  23. مساويا أو أعم والأعم إما ان يكون أعم مما سئل عنه كقوله ص لما سئل عن بئربضاعة الماء طهور لا ينجسه شئ

    ج ٣ ص ١٢٣أو يكون أعم في غير ما سئل عنه كقوله ص وقد سئل عن ماء البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته

    ج ٣ ص ١٢٤إذا عرفت هذه الأقسام فنقول أما الجواب الذي لا يستقل بنفسه فإنه يفيد مع سببه فيكون السبب موجودا في كلام المجيب تقديرا وإلا لم يفد ولو أن المتكلم أتى بالسبب في كلامه فقال والله لا آكل عندك لكان اليمين مقصورا على الأكل عنده وأما الجواب المستقل المساوي فلا إشكال فيه وأما الأخص فهو جائز بثلاث شرائط أحدها أن يكون فيما خرج عن الجواب تنبيه على ما لم يخرج منه وثانيها أن يكون السائل من أهل الاجتهاد وثالثها أن لا تفوت المصلحة باشتغال السائل بالاجتهاد وبدون هذه الشرائط لا يجوزو أما إذا كان الجواب أعم في غير ما سئل مع عنه فلا شبهة في أنه يجري

  24. على عمومه

    ج ٣ ص ١٢٥أما إذا كان الجواب أعم مما سئل عنه فالحق أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب خلافا للمزني وأبو ثور فإنهما زعما أن خصوص السبب يكون مخصصا لعموم اللفظ قال إمام الحرمين وهو الذي صح عن الشافعي رضي الله عنه لنا وجهان الأول أن المقتضى للعموم قائم وهو اللفظ الموضوع للعموم والمعارض الموجود وهو خصوص السبب لا يصلح معارضا لأنه لا منافاة بين عموم اللفظ وخصوص السبب فإن الشارع لو صرح وقال يجب عليكم أن تحملوا اللفظ العام على عمومه عمومه وأن لا تخصصوه سعيد بخصوص سببه كان ذلك جائزا والعلم بجوازه ضروري الثاني أن الأمة مجمعة على أن آية اللعان والظهار والسرقة وغيرها إنما نزلت في أقوام معينين مع أن الأمة عمموا حكمها ولم يقل أحد أن ذلك التعميم خلاف الأصل واحتج المخالف بأن المراد من ذلك الخطاب إما بيان ما وقع السؤال عنه أو غيره

    ج ٣ ص ١٢٦فإن كان الأول وجب أن لا يزاد عليه وذلك يقتضي أن يتخصص بتخصص السبب

  25. وإن كان الثاني وجب أن لا يتأخر ذلك البيان عن تلك الواقعة والجواب أن ما ذكروه يقتضي أن يكون ذلك الحكم مقصورا على ذلك السائل وفي ذلك الزمان والمكان والهيئة وأيضا فلم لا يجوز أن يكون ذلك السؤال الخاص اقتضى ذلك البيان العام لا بد على امتناعه من دليل والله أعلم تنبيه هذا العام وإن كان حجة في موضع السؤال وفي غيره إلا أن دلالته على موضع السؤال أقوى منها على غير ذلك الموضع وهذا يصلح أن يكون من المرجحات والله أعلم المسألة الثانية الحق إنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي وهو قول الشافعي

    ج ٣ ص ١٢٧رضي الله عنه لأنه قال إن كان الراوي حمل الخبر على أحد محمليه صرت إلى قوله وإن ترك الظاهر لم أصر إلى قوله خلافا لعيسى بن أبان ومثاله خبر أبي هريرة في أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب سبعا فإنه خص ذلك بمذهب أبي هريرة في أنه يغسل ثلاثا ومنهم من فصل فقال إن وجد خبر يقتضي تخصيصه أو وجد في الأصول ما يقتضي ذلك لم يخص الخبر بمذهبه وإلا خص بمذهبه لنا

  26. أن مخالفة الراوي تحتمل أقساما ثلاثة طرفين وواسطة

    ج ٣ ص ١٢٨أما طرف الإفراط فهو أن يقال الراوي عالم بالضرورة أنه ص أراد بذلك العام الخاص إما لخبر آخر قاط يقتضي ذلك أو لشئ من قرائن الأحوال وهذا الاحتمال يعارضه أنه لو كان كذلك لوجب على الراوي أن يبين ذلك إزالة للتهمة عن نفسه وللشبهة وأما طرف التفريط فهو أن يقال إنه ترك العموم بمجرد الهوى وهو معارض بما أن الظاهر من عدالته خلافه وأما الوسط فهو أنه خالفه بدليل ظنه أقوى منه إما محتكل قد أو قياس وذلك الظن يحتمل أن يكون خطأ ويحتمل أن يكون صوابا وإذا تعارضت الاحتمالات في مخالفة الراوي وجب تساقطها والرجوع إلى العموم

    ج ٣ ص ١٢٩واحتج المخالف بأن مخالفة الراوي إن كانت لا عن طريق كان ذلك قادحا في عدالته فالقدح في عدالته قدح في متن الخبر وإن كانت عن طريق فذلك الطريق إما محتمل أو قاطع ولو كان الدليل محمتلا لذكره إزالة للتهمة عن نفسه والشبهة عن غيره ولما بطل ذلك تعين القطع والجواب

  27. أن إظهاره لذلك الدليل المحتمل إنما يجب عليه مع من ناظره فلعله لم تتفق تلك المناظرة سلمنا أنه ذكره لكن لعله لم ينقل أو نقل لكنه لم يشتهر والله أعلم المسألة الثالثة الحق أنه لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه خلافا لأبي ثور مثاله قوله ص أيما إهاب دبغ فقد طهر قال المراد جلد الشاة

  28. لنا أن المخصص للعام لا بد وأن يكون بينه وبين العام منافاة ولا منافاة بين كل الشئ وبعضه لأن الكل محتاج إلى البعض والمحتاج إليه لا ينافي المحتاج احتج المخالف بأن تخصيص الشئ بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه فتخصيص الخاص بالذكر يدل على نفي الحكم عن غيره وذلك يقتضي تخصيص العام والجواب أنا لا نقول بدليل الخطاب سلمناه لكن التمسك بظاهر العموم أولى من التمسك بالمفهوم على ما تقدم المسألة الرابعة

    ج ٣ ص ١٣١
  29. اختلفوا في التخصيص بالعادات والحق أن نقول العادات إما أن يعلم من حالها أنها كانت حاصلة في زمان الرسول ص وأنه ص ما كان يمنعهم منها أو يعلم أنها ما كانت حاصلة

    ج ٣ ص ١٣٢أو لا يعلم واحد من هذين الأمرين فإن كان الأول صح التخصيص بها لكن المخصص في الحقيقة هو تقرير الرسول ص عليها وإن كان الثاني لم يجز التخصيص بها لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع بل لو أجمعوا عليه لصح التخصيص بها لكن المخصص حينئذ هو الإجماع لا العادة وإن كان الثالث كان محمتلا للقسمين الأولين ومع احتمال كونه غير مخصص لا يجوز القطع بذلك والله أعلم المسألة الخامسة كونه مخاطبا هل يقتضي خروجه عن الخطاب العام أما في الخبر فلا لقوله تعالى وهو بكل شئ عليم لأن اللفظ عام ولا مانع من الدخول وأما في الأمر الذي جعل جزاء كقوله من دخل داري فأكرمه فيشبه أن يكون كونه أمرا قرينة مخصصة والله أعلم

    ج ٣ ص ١٣٣المسألة السادسة الخطاب المتناول لما يندرج فيه النبي ص والأمة كقوله يا أيها

  30. الناس يا أيها الذين آمنوا عام في حقهما ومنهم من خصصه بالأمة قال لأن منصب الرسول ص يقتضي إفراده بالذكر وهو باطل لأن اللفظ عام ولا مانع من دخول الرسول ص فيه وقال الصيرفي كل خطاب لم يصدر بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتبليغه ولكن ورد مطلقا فالرسول ص مخاطب به كغيره وكل ما كان مصدرا بأمر الرسول بتبليغه فذلك لا يتناوله كقوله قل يا أيها الناس المسألة السابعة الخطاب المتناول لما يندرج فيه الحر والعبد والمسلم والكافر لا يخرج عنه العبد والكافر

    ج ٣ ص ١٣٤أما العبد فلأن اللفظ عام وقيام المانع الذي يوجب التخصيص خلاف الأصل وهذا القدر يوجب دخول العبد فيه بل العبادة التي تترتب على المالكية لا تتحقق في حق العبد لأن العبد ليس له صلاحية المالكية فأما فيما عداه فهو داخل فيه فإن قلت المانع من ذلك هو ما ثبت من وجوب خدمته لسيده في كل وقت يستخدمه فيه وذلك يمنعه من العبادات في هذه الأوقات فإن قلتم إنما يلزمه خدمة سيده لو فرغ من العبادات فنقول لم كان تخصيص الدليل الدال على وجوب خدمة السيد بما دل على وجوب

  31. العبادة أولى من تخصيص ما دل على وجوب العبادة بما دل على وجوب خدمة السيد قلت ما دل على وجوب خدمة السيد في حكم العام وما دل على وجوب العبادات في حكم الخاص لأن كل عبادة يتناولها لفظ مخصوص كآية

    ج ٣ ص ١٣٥الصلاة وآية الصيام والخاص متقدم على العام وأما بيان أن كونه كافرا لا يخرجه عن العموم فقد ثبت في باب أن الكفار مخاطبون بالشرائع والله أعلم السمألة الثامنة قصد المتكلم بخطابه إلى المدح أو إلى الذم لا يوجب تخصيص العام ومنع بعض فقهائنا من عموم قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة وأبطلوا التعلق به في ثبوت الزكاة في الحلي وقالوا القصد به إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة وليس القصد به العموم والجواب أنا فهمنا الذم من الآية لدلالة اللفظ عليه واللفظ دل على العموم

    ج ٣ ص ١٣٦فوجب إثباته وليست دلالتها على الذم مانعة من دلالتها على العموم المسألة التاسعة عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيص العام مثاله أن اصحابنا لما احتجوا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله ص لا يقتل مؤمن بكافر قالت الحنفية إنه ص عطف عليه قوله

  32. ولا ذو عهد في عهده فيكون معناه ولا ذو عهد في عهده بكافر ثم إن الكافر الذي لا يقتل ذو العهد به هو الحربي فيجب أن يكون

    ج ٣ ص ١٣٧الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه والكلام عليه يقع في مقامين الأول أنا لا نسلم أن قوله ص ولا ذو عهد في عهده معناه ولا ذو عهد في عهده بكافر بيانه أن قوله ص ولاذو عهد في عهده كلام تام وإذا كان كذلك لم يجز إضمار تلك الزيادة إنما قلنا أنكلام تام لأنه قال ولا يقتل ذو عهد لكان من الجائز أن يتوهم منه متوهم أن من وجد منه العهد ثم خرج عن عهده فإنه لا يجوز قتله فلما قال في عهده علمنا أن هذا النهي مختص بكونه في العهد وإذا ثبت أن هذا القدر كلام تام لم يجز إضمار تلك الزيادة لأن الإضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورة

    ج ٣ ص ١٣٨سلمنا أن قوله ص ولا ذو عهد في عهده معناه ولا ذو عهد في عهده بكافر لكن لا نسلم أن هذا الكافر لما كان هو الحربي وجب أن يكون المراد بقوله لا يقتل مؤمن بكافر هو الحربي

  33. بيانه أن مقتضى العطف مطلق الاشتراك لا الاشتراك من كل الوجوه وإذا كان كذلك لم يجب ما قالوه والله أعلم المسألة العاشرة اختلفوا في أن العموم إذا تعقبه استثناء أو تقييد بصفة أو حكم وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ما يتناوله هل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض فقط أم لا

    ج ٣ ص ١٣٩مثال الاستثناء قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ثم قال عز وجل وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون فاستثنى العفو وعلقه بكناية راجعة إلى النساء ومعلوم أن العفو لا يصح إلا من المالكات لأمورهن دون الصغيرة والمجنونة فهل يجب أن يقال الصغيرة والمجنونة غير مرادة بلفظ النساء في أول الكلام مثال التقييد بالصفة قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ثم قال لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يعني الرغبة في مراجعتهن ومعلوم أن ذلك لا يتأتى في البائنة ومثال التقييد بحكم آخر قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ثم قال وبعولتهن أحق بردهن في ذلك وهذا أيضا لا يتأتى في البائن

  34. إذا عرفت هذا فنقول

    ج ٣ ص ١٤٠ذهب القاضي عبد الجبار إلى أنه لا يجب تخصيص ذلك العموم بتلك الأشياء ومنهم من قطع بالتخصيص ومنهم من توقف وهو المختار والدليل عليه أن ظاهر العموم المتقدم يقتضي الاستغراق وظاهر الكناية يقتضي الرجوع إلى كل ما تقدم لأن الكناية يجب رجوعها إلى المذكور المتقدم والمذكور المتقدم في الآية الأولى وهو المطلقات لا بعضهن ألا ترى أن الإنسان إذا قال من دخل الدار من عبيدي ضربته إلا أن يتوبوا انصرف ذلك إلى جميع العبيد وجرى مجرى أن يقول إلا أن يتوب عبيدي الداخلون في الدار وإذا ثبت ذلك فليست رعاية ظاهر العموم أولى من رعاية ظاهر الكناية فوجب التوقف والله أعلم