الفصل الثاني فيما يجب توفره حتى تحل الرواية للراوي

٨ فقرات، ج ٤ ص ٤١٥

  1. الفصل الثاني في الأمور التي يجب ثبوتها حتى يحل للراوي أن يروي الخبر اعلم ان لذلك مراتب فأعلاها أن يعلم أنه قرأه على شيخه أو حدثه به ويتذكر ألفاظ قراءته ووقت ذلك فلا شبهة في أنه يجوز له روايته والأخذ به وثانيها أن يعلم أنه قرأ جميع ما في الكتاب أو حدثه به ولا يتذكر ألفاظ قراءته ولا وقت ذلك فيجوز له روايته لأنه عالم في الحال أنه سمعه وثالثها أن يعلم أنه لم يسمع ذلك الكتاب ولا يظن أيظا أنه سمعه أو يجوز الأمرين تجويزا على السوية فلا تجوز له روايته لأنه لا يجوز له أن يخبر

    ج ٤ ص ٤١٥
  2. بما يعلم أنه كاذب فيه أو ظان أو شاك فيه ورابعها أن لا يتذكر سماعه ولا قراءته لما فيه لكنه يظن ذلك لما يرى من

    ج ٤ ص ٤١٦خطه وها هنا اختلفوا فيه فعند الشافعي رضي الله عنه تجوز له روايته وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وقال أبو حنيفة رحمه الله لا تجوز لنا الإجماع والمعقول أما الإجماع فهو أن الصحابة رضي الله عنهم كانت تعمل على كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو كتابه لعمرو بن حزم من غير أن يقال إن راويا روى ذلك الكتاب لهم وإنما علموا ذلك لأجل الخط وأنه منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاز مثله في سائر الروايات وأما المعقول فلأن الظن حاصل ها هنا والعمل بالظن واجب احتج أبو حنيفة رحمه الله بأنه إذا لم يعلم السامع لم يؤمن الكذب جوابه أنه يروي بحسب الظن وذلك يكفي في وجوب العمل

    ج ٤ ص ٤١٧الفصل الثالث فيما جعل شرطا في الراوي

  3. مع أنه غير معتبر والضابط في هذا الباب كل خصلة لا تقدح في غالب الظن بصحة الرواية ولم يعتبر الشرع تحقيقها تعبدا فإنها لا تمنع من قبول الخبر وفيه مسائل المسألة الأولى رواية العدل الواحد مقبولة خلافا للجبائي فإنه قال رواية العدلين مقبولة وأما خبر العدل الواحد فلا يكون مقبولا إلا إذا عضده ظاهر أو عمل بعض الصحابة أو اجتهاد أو يكون منتشرا فيهم وحكى عنه القاضي عبد الجبار أنه لم يقبل في الزنا إلا خبر أربعة كالشهادة عليه

    ج ٤ ص ٤١٨لنا وجهان الأول إجماع الصحابة عمل أبو بكر على خبر بلال وعمل عمر على خبر حمل بن مالك وعلى خبر عبد الرحمن في المجوس وعمل علي على خبره المقداد وعملت الصحابة على خبر أبي سعيد في الربا وعملت على خبر رافع ابن خديج في المخابرة وعلى خبر عائشة في التقاء الختانين وكان علي يقبل خبر أبي بكر رضي الله عنهم اجمعين فإن قلت لعلهم قبلوا ما قبلوه لأن الاجتهاد عضده قلت إنهم كانوا يتركون اجتهادهم بهذه الأخبار وكانوا لا يرون بالمخابرة بأسا حتى روى لهم رافع بن خديج نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها

  4. الثاني أن العمل بخبر الواحد العدل يتضمن دفع ضرر مظنون فيكون واجبا احتج الخصم بأمور أحدها أنه عليه الصلاة والسلام لم يقبل خبر ذي اليدين حتى شهد له أبو بكر وعمر رضي الله عنهم وثانيها أن الصحابة إعتبرت العدد فإن أبا بكر لم يقبل خبر المغيرة في الجدة حتى رواه معه محمد بن مسلمة

    ج ٤ ص ٤١٩ولم يعمل عمر علي خبر أبي موسى في الاسئذان حتى رواه أبو سعيد الخذري ورد خبر فاطمة بنت قيس ورد أبو بكر وعمر خبر عثمان رضي الله عنهم أجمعين في رد الحكم بن العاص وثالثها قياس الرواية على الشهادة بل أولى لأن الرواية تقتضي شرعا عاما والشهادة شرعا خاصا فإذا لم تقبل رواية الواحد في حق الإنسان الواحد فلأن لا تقبل في حق كل الأمة كان أولى ورابعها الدليل ينفي العمل بالخبر المظنون لقوله تعالى إن الظن لا يغني من الحق شيئا ترك العمل به في خبر العدلين والعدل الواحد ليس في

  5. معناه لأن الظن هناك أقوى مما ها هنا فوجب أن يبقى على الأصل والجواب عن الأول أن ذلك إن دل فإنما يدل على اعتبار ثلاثة أبي بكر وعمر وذي اليدين رضي الله عنهم ولأن التهمة كانت قائمة هناك لأنها كانت واقعة في محفل عظيم والواجب فيها الاشتهار

    ج ٤ ص ٤٢٠وعن الثاني أن بينا أنهم قبلوا خبر الواحد وها هنا اعتبروا العدد فلا بد من التوفيق فنقول ما ذكرناه من الروايات يدل على أن العدد ليس بشرط في أصل الرواية وما ذكروه دل على أنهم طلبوا العدد لقيام تهمة في تلك الصور وعن الثالث أنه منقوض بسائر الأمور التي هي معتبرة في الشهادة لا في الرواية كالحرية والذكورة والبصر وعدم القرابة عن الرابع لا نسلم أن قول الله تعالى إن الظن لا يغني من الحق شيئا يمنع من التعلق بخبر الواحد فإنا لما علمنا أن الله تعالى أمرنا بالتمسك كان تمسكنا به معلوما لا مظنونا المسألة الثانية زعم أكثر الحنفية أن راوي الأصل إذا لم يقبل الحديث قدح ذلك في رواية الفرع والمختار أن نقول راوي الفرع إما أن يكون

    ج ٤ ص ٤٢١جازما بالرواية أو لا يكون فإن كان جازما فالأصل إما أن يكون جازما بفساد الحديث أو بصحته أو لا يجزم بواحد منهما فإن كان الأول فقد تعارضا فلا يقبل الحديث ولأن قبول الحديث من الفرع لا يمكن إلا بالقدح في الأصل وذلك يوجب القدح في الحديث وأما الثاني فلا نزاع في صحته وأما الثالث فإما أن يقول الأغلب على ظني أني ما رويته أو الأغلب أني رويته أو الأمران على السواء أو لا يقول شيئا من ذلك ويشبه أن يكون الخبر في كل هذه الأقسام مقبولا لأن الفرع جازم ولم يوجد في مقابلته جزم يعارضه فلا يسقط به الاستدلال وإما اذا لم يكن الفرع جازما بل يقول أظن أني سمعته منك فإن جزم الأصل بأني ما رويته لك تعين الرد وان قال اظن أني ما رويته لك تعارضا والأصل العدم وإن ذهب إلى سائر الأقسام فالأشبه قبوله والضابط أنه حيث يكون قول الأصل معادلا بقول الفرع

    ج ٤ ص ٤٢٢تعارضا وحيث ترجح أحدهما على الآخر فالمعتبر هو الراجح واحتج المانعون مطلقا بأن الدليل ينفي قبول خبر الواحد فالفناه ما فيما إذا لم يوجد هذا المعنى لأن الظن هناك فيبقى فيما عداه على الأصل والجواب ما تقدم

  6. المسألة الثالثة لا يشترط كون الراوي فقيها سواء كانت روايته موافقه للقياس أو مخالفة له خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فيما يخالف القياس لنا الكتاب والسنه والعقل أما الكتاب فقوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا فوجب أن لا يجب التبين في غير الفاسق سواء كان عالما أو جاهلا

    ج ٤ ص ٤٢٣وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم نضر الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها إلى قوله فرب حامل فقه ليس بفقيه وأما العقل فهو أن خبر العدل يفيد ظن الصدق فوجب العمل به لما تقدم من أن العمل بالظن واجب واحتج الخصم بوجهين الأول أن الدليل ينفي جواز العمل بخبر الواحد خالفناه إذا كان الراوي فقيها لأن الاعتماد على روايته أوثق الثاني أن الأصل أن لا يرد الخبر على مخالفة القياس والأصل أيضا

    ج ٤ ص ٤٢٤صدق الراوي فإذا تعارضا تساقطا ولم يجز التمسك بواحد منهما وأيضا فبتقدير صدق الراوي لا يلزم القطع بكون ذلك الخبر حجة لأنه إذا

  7. جرى حديث منافق عند الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا جاء ذلك الرجل فقال الرسول صلى الله عليه وسلم اقتلوا الرجل علم الفقيه أن الألف واللام ها هنا ينصرف إلى المعهود والعامي ربما ظن أن المراد منه الاستغراق والجواب عن الأول ما مر وعن الثاني أن في التعارض تسليما بصحة أصل الخبر قوله يجوز أن يشتبه عليه المعهود بالاستغراق قلنا التمييز بين الأمرين لا يتوقف على الفقه بل كل من كانت له فطنه سليمة أمكنه التمييز بين الأمرين وأيضا فإن ذلك يقتضي اعتبار الفقه في رواة خبر التواتر

    ج ٤ ص ٤٢٥المسألة الرابعة إذا عرف منه التساهل في أمر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في أنه لا يقبل خبره وأما إذا عرف منه التساهل في غير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف منه الاحتياط جدا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب قبول خبره على الرأي الأظهر لأنه يفيد الظن ولا معارض فوجب العمل به المسألة الخامس لا يعتبر في الراوي أن يكون عالما بالعربية وبمعنى الخبر لأن الحجة في لفظ الرسول عليه الصلاة والسلام والأعجمي والعامي يمكنهما حفظ اللفظ وكذلك يمكنهما حفظ القرآن

  8. ولا يعتبر أيضا أن يكون ذكرا أو حرا أو بصيرا وهو مجمع عليه المسألة السادسة تقبل رواية من لم يرو إلا خبرا واحدا فأما إذا أكثر من الروايات مع قلة مخالطته لأهل الحديث فإن

    ج ٤ ص ٤٢٦أمكن تحصيل ذلك القدر من الأخبار في ذلك القدر من الزمان قبلت أخباره وإلا توجه الطعن في الكل المسألة السابعة لا يجب كون الراوي معروف النسب بل إذا حصلت الشرائط المعتبرة المذكورة فيه قبل خبره وإن لم يعرف نسبه وأما إذا كان له اسمان وهو بأحدهما أشهر جازت الرواية عنه وأما اذا كان مترددا بينهما وهو بأحدهما مجروج وبالآخر معدل لم يقبل لأجل التردد