المسألة الثالثة في المراسيل
٨ فقرات، ج ٤ ص ٤٥٤
- ج ٤ ص ٤٥٤
يعلم أنهما متفقتان المرتبة السابعة الإجازة وهي أن يقول الشيخ لغيره قد أجزت لك أن تروي ما صح عني من أحاديثي واعلم أن ظاهر الإجاز يقتضي أن الشيخ أباح له أن يحدث بما لم يحدثه به وذلك إباحة الكذب لكنه في العرف يجري مجرى أن يقول ما صح عندك أني سمعته فاروه عني المسألة الثالثة
-
ذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المرسل غير مقبول وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور المعتزلة إنه مقبول
ج ٤ ص ٤٥٥لنا أن عدالة الأصل غير معلومة فلا تكون روايته مقبولة إنما قلنا أن عدالة الأصل غير معلومة لأنه لم توجد إلا رواية الفرع عنه ورواية الفرع عنه لا تكون تعديلا له إذا المعدل قد يروي عمن لو سئل عنه لتوقف فيه او لجرحه وبتقدير أن يكون تعديلا لا يقتضى كونه عدلا في نفسه لاحتمال أنه لو عينه لنا لعرفناه بفسق لم يطلع عليه المعدل فثبت أن عدالته غير معلومة وإذا كان كذلك وجب أن لا تقبل روايته لأن قبول روايته يقتضي وضع شرع عام في حق كل المكلفين من غير رضاهم وذلك ضرر والضرر على خلاف الدليل ترك العمل به فيما إذا علمت عدالة الراوي فيبقى في الباقي على الأصل فإن قيل لا نسلم أن عدالته غير معلومة قوله لم يوجد إلا رواية الفرع عنه ورواية الفرع عنه لا تكون تعديلا له لأنه قد يروي عن العدل وغيره قلنا لا نزاع في جوازه في الجملة لكن لم لا يجوز أن يقال روايته عن العدل أرجح من روايته عن غيره وبيانه من وجهين الأول أن الفرع مع عدالته لا يجترئ أن يخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وله
ج ٤ ص ٤٥٦الإخبار بذلك ولا يكون له ذلك إلا وهو عالم أو ظان بكونه قولا للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لو استوى الطرفان لحرم الإخبار ولا يكون عالما ولا ظانا بكونه قولا للرسول إلا إذا علم أو ظن عدالة الأصل الثاني أن الفرع مع عدالته ليس له أن يوجب شيئا على غيره أو يطرحه عنه إلا إذا علم أنه عليه الصلاة والسلام أوجب ذلك أو ظنه فثبت بهذين الدليلين رجحان هذا الاحتمال وهذا يقتضي كون الأصل عدلا ظاهرا فوجب قبول روايته كما في سائر العدول وهذه هي النكتة التي عولوا عليها في وجوب قبول المرسل ثم ما ذكرتموه من الدليل معارض بالنص والإجماع والقياس أما النص فعموم قوله تعالى ولينذروا قومهم وقوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا فإذا جاء من لا يكون فاسقا وجب القبول والراوي للفرع ليس بفاسق فوجب قبول خبره وأما الإجماع فإن البراء بن عازب قال ليس كل ما حدثناكم به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه غير أنا لا نكذب
ج ٤ ص ٤٥٧وروى أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام من أصبح جنبا فلا صوم له ثم ذكر أنه أخبره به الفضل بن عباس وروى ابن عباس رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ربا إلا في النسيئة ثم اسنده إلى أسامة
-
وروى أيضا ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة ثم ذكر أنه أخبره به الفضل بن عباس رضي الله عنهما وهذه الروايات تدل على جواز قبول المرسل وأما القياس فلأنه لو لم يقبل المرسل لما قبل ما يجوز كونه مرسلا فكان ينبغي إذا قال الراوي عن فلان أن لا يقبل لأنه لا يجوز أن يكون أخبر عنه
ج ٤ ص ٤٥٨والجواب قد بينا أن العدل يروي عن العدل وعن من لا يكون عدلا قوله لم لا يجوز أن يقال روايته عن العدل أرجح من روايته عمن ليس بعدل قلنا لأنه إذا ثبت أنه لا منافاة بين كونه عدلا وبين روايته عمن ليس بعدل كان ذلك ممكنا بالنسبة إليه من حيث هو هو والممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح منفصل فقبل حصول ذلك المرجح لا يبقى إلا أصل الإمكان قوله أولا الفرع مع عدالته أخبر عن الرسول ولا يجوز له ذلك الإخبار إلا وقد اعتقد عدالة الراوي قلنا الفرع إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا يقتضي الجزم بأن هذا القول قول رسول الله والجزم بالشئ مع تجويز نقيضه كذب وذلك يقدح في عدالة الراوي فإذن لا بد من صرف هذا اللفظ عن ظاهره فليسوا بأن يقولوا المراد منه أني أظن أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من أن نقول نحن المراد منه أني سمعت أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لو صرح بهذا القدر
-
لم يكن فيه تعديل للأصل لأنه لو سمعه من كافر متظاهر بالكفر لحل أن
ج ٤ ص ٤٥٩يقول سمعت أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمنا سقوط ما ذكروه قوله ثانيا الفرع مع عدالته ليس يجوز له أن يوجب شيئا على غيره إلا إذا علم أو ظن أنه عليه الصلاة والسلام أوجبه قلنا روايته إنما توجب على الغير شيئا لو ثبت كون الراوي عدلا فإن بينتم إثبات كونه عدلا بأن هذه الرواية توجب على غيره شيئا لزم الدور ثم نقول ينتقض ما ذكرتموه من الوجهين بشاهد الفرع إذا لم يذكر شاهد الأصل فإن ما ذكرتموه قائم فيه مع لا تقبل شهادته فإن قلت الفرق من وجهين الأول أن الشهادة تتضمن إثبات حق على عين والخبر يتضمن إثبات الحق على الجملة من دون تخصيص ويدخل من التهمة في إثبات الحقوق على الأعيان ما لا يدخل في إثباتها على الجملة فجاز ان تؤكد الشهادة بما لا تؤكد به الرواية كما أكدنا باعتبار العدد فيها دون الرواية الثاني أن شهود الأصل لو رجعوا عن شهادتهم لزمهم الضمان على قول بعض الفقهاء فإذا لم يؤمن أن يؤدي اجتهاد الحاكم إلى ذلك لو رجعوا وجب أن
ج ٤ ص ٤٦٠يعرفهم بأعيانهم ليتأتى إلزامهم الضمان إن هم رجعوا قلت الجواب عن الأول
-
أن إثبات الحق على الأعيان لو ترجح على إثبات الحق في الجملة من ذلك الوجه فهذا يترجح على ذلك من وجه آخر وهو أن الخبر يقتضي شرعا عاما في حق جميع المكلفين إلى يوم القيامة فالاحتياط فيه أولى من الاحتياط في إثبات الحكم في حق مكلف واحد وعن الثاني أنه ملغي بما إذا كان شاهد الأصل قد مات ولم يبق له في الدنيا دينار ولا درهم فكيف يمكن تضمينه وأما المعارضة الآولى فجوابها أن هذه النصوص خصصت في الشهادة فوجب تخصيصها في الرواية والجامع الاحتياط وعن الثانية أن هذه المسألة عندنا اجتهادية فلعل بعض الصحابة كان قائلا به ومخالفوهم ما أنكروه عليهم لكون المسألة اجتهادية وأيضا فالصحابي الذي رأى الرسول إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الظاهر منه الإسناد وإذا كان كذلك وجب على السامع قبوله ثم بعد ذلك إذا بين الصحابي أنه كان مرسلا ثم بين إسناده وجب أيضا قبوله ولم يكن قبوله
ج ٤ ص ٤٦١في إحدى الحالتين دليلا على العمل بالمرسل وعن الثالث أن مدار العمل بهذه الأخبار على الظن فإذا قال الراوي قال فلان عن فلان وقد أطال صحبته كان ذلك دليلا على أنه سمعه منه ومتى لم يعلم أنه صحبه (كان ذلك دليلا على أنه) سمعه منه ومتى لم يعلم أنه صحبه لم يقبل حديثه
-
فروع الأول قال الشافعي رضي الله عنه لا اقبل المرسل إلا إذا كان الذي أرسله مرة أسنده أخرى أقبل مرسله أو أرسله هو وأسنده غيره وهذ إذا لم تقم الحجة بإسناده أو أرسله راو اخر ويعلم أن رجال أحدهما غير رجال الآخر أو عضده قول صحابي أو توى أكثر أهل العلم أو علم أنه لو نص لم ينص إلا على من يسوغ قبول خبره قال وأقبل مراسيل سعيد بن المسيب لأني اعتبرتها فوجدتها بهذه الشرائط قال ومن هذه حاله أحببت قبول مراسليه ولا أستطيع أن أقول إن الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل
ج ٤ ص ٤٦٢قالت الحنفية أما قوله أقبل مراسيل الراوي إذا كان أسنده مرة فبعيد لأنه إذا أسند قبل لأنه مسند وليس لإرساله تأثير وأما قوله يقبل مرسل الراوي إذا كان قد أسنده غيره فلا يصح لما ذكرنا ولأن ما ليس بحجة لا يصير حجة إذا عضدته الحجة وأما قوله أقبل المرسل إذا كان أرسله أثنان وشيوخ أحدهما غير شيوخ الآخر لا يصح لأن ما ليس بحجة إذا انضاف إليه ما ليس بحجة لا يصير حجة إذا كان المانع من كونه حجة عند الانفراد قائما عند الاجتماع وهو الجهل بعدالة راوي الأصل وهذا بخلاف الشاهد الواحد فإن المانع من قبول شهادته الانفراد وهو يزول عند انضمام غيره إليه والجواب
-
أن غرض الشافعي رضي الله عنه من هذه الأشياء حرف واحد
ج ٤ ص ٤٦٣وهو أنا إذا جهلنا عدالة راوي الأصل لم يحصل ظن كون ذلك الخبر صدقا فإذا انضمت هذه المقويات إليه قوى بعض القوة فحينئذ يجب العمل به إما دفعا للضرر المظنون وإما لقوله عليه الصلاة والسلام أقضي بالظاهر فظهر فساد هذا السؤال الثاني إذا أرسل الحديث وأسنده غيره فلا شبهة في قبوله عند من يقبل المرسل وكذا عند من لا يقبله لأن إسناد الثقة يقتضي القبول إذا لم يوجد مانع ولا يمنع منه إرسال المرسل لأنه يجوز أن يكون أرسله لأنه سمعه مرسلا أو سمعه متصلا لكنه نسى شيخ نفسه وهو يعلم أنه ثقة في الجملة وكذا القول فيما إذا أرسله مرة وأسنده أخرى لأنه يجوز أن يوجد بعض ما ذكرنا الثالث إذا الحق الحديث بالنبي ووافقه غيره على الصحابي فهو متصل لأنه يجوز أن يكون الصحابي رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم مرة وذكر عن نفسه على سبيل الفتوى مرة فرواه كل واحد منهما بحسب ما سمعه أو سمعه أحدهما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم فنسى ذلك وظن أنه ذكره عن نفسه الرابع إذا وصله بالنبي صلى الله عليه وسلم مرة ووقفه على الصحابي أخرى فإنه يجعل
ج ٤ ص ٤٦٤متصلا لجواز أن يكون سمعه من الصحابي يرويه مرة عنه عليه الصلاة
-
والسلام ومرة عن نفسه أو سمعه وصله بالنبي صلى الله عليه وسلم فنسى ذلك وظن أنه ذكره عن نفسه فأما إذا أرسله أو أوقفه زمانا طويلا ثم أسنده أو وصله بعد ذلك فإنه يبعد أن ينسى ذلك الزمان الطويل إلا أن يكون له كتاب يرجع إليه فيذكر ما قد نسيه الزمان الطويل الخامس من يرسل الأخبار إذا أسند خبرا هل يقبل أو يرد أما من يقبل المراسيل فإنه يقبله وأما من لا يقبلها فكثير منهم قبله أيضا لأن إرساله مختص بالمرسل دون المسند فوجب قبول مسنده ومنهم من لم يقبله قال لأن إرساله يدل على أنه إنما لم يذكر الراوي لضعفه فستره له والحالة هذه خيانة واختلف من قبل حديث المرسل إذا أسنده كيف يقبل فقال الشافعي رضي الله عنه لا يقبل من حديثه إلا ما قال فيه حدثني أو سمعت فلانا ولا يقبل إذا أتى بلفظ موهم
ج ٤ ص ٤٦٥وقال بعض المحدثين لا يقبل إلا إذا قال سمعت فلانا وهؤلاء يفرقون بين أن يقال حدثني فلان وأخبرني فيجعلون الأول دالا على أنه شافهه بالحديث ويجعلون الثاني مرددا بين المشافهة وبين أن يكون إجازة له أو كتب إليه وهذه عادة لهم وإن لم يكن بينهما فرق في اللغة