القسم الثالث في المباحث المتعلقة بالحكم والأصل والفرع وفيه ثلاثة أبواب
٢٤ فقرة، ج ٥ ص ٣٣١
- ج ٥ ص ٣٣٣
الباب الأول في مباحث الحكم وفيه مسائل المسألة الأولى اتفق أكثر المتكلمين على صحة القياس في العقليات ومنه نوع يسمونه إلحاق الغائب بالشاهد قالوا ولابد من جامع عقلى والجامع أربعة العلة والحد والشرط والدليل أما الجمع بالعلة فكقول أصحابنا إذا كانت العالمية شاهدا فيمن له العلم معللة بالعلم وجب أن يكون كذلك غائبا وأما الجمع بالحد فكقول القائل حد العالم شاهدا من له
-
العلم فيجب طرد الحد غائبا وأما الجمع بالشرط فكقولنا العلم مشروط بالحياة شاهدا فكذلك غائبا وأما الجمع بالدليل فكقولنا التخصيص والأحكام يدلان على
ج ٥ ص ٣٣٤العلم والإرادة شاهدا فكذلك غائبا واعلم إنه لما كان الجمع بالعلة أقوى الوجوه وجب علينا أن نتكلم فيه فنقول اعتماد القياس على مقدمتين إحداهما أن الحكم ثبت في الأصل لعلة كذا وثانيتهما أن تلك العلة حاصلة بتمامها في الصورة الآخرى فهاتان المقدمتان إن حصل العلم بهما حصل العلم بثبوت الحكم في الفرع وإن حصل الظن بهما حصل الظن بثبوت الحكم في الفرع وإنما قلنا إنه يلزم من حصول العلم بتينك المقدمتين حصول العلم بالنتيجة وذلك لأنه إذا ثبت أن ذلك المعنى مؤثر في ذلك الحكم ثم ثبت ذلك المعنى في صورة أخرى فنقول كون ذلك المعنى مؤثرا في ذلك الحكم في تلك الصورة إما أن يعتبر في تلك المؤثرية كونه حاصلا في تلك الصورة أو كونه غير حاصل في هذه الصورة وأما أن لا يعتبر فيها ذلك فإن كان الأول لم يكن ذلك المعنى اتمام العلة لأن مرادنا من تمام العلة كل ما لابد منه في المؤثرية فإذا كان لا بد من قيد كون المعنى هناك أو قيد كونه ليس هناك فذاك المعنى ليس وحده تمام العلة على التفسير الذي ذكرناه
-
وإن كان الثاني فتمام المؤثر حصل في الأصل مستلزما للحكم وفي الفرع غير مستلزم للحكم مع أنه لم يختلف حاله ألبتة في الصورتين
ج ٥ ص ٣٣٥لا بحسب زوال شئ عنه ولا بحسب انضمام شئ إليه فيلزم حينئذ ترجح أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال فثبت بهذا البرهان الباهر أنه يلزم من العلم بتينك المقدمين حصول العلم بثبوت الحكم في الفرع وإذا ثبت هذا ظهر أن بتقدير حصول هاتين المقدمتين في العقليات كان القياس حجة فيها فإن قلت حاصل الكلام فيما ذكرته هو الاستدلال بحصول العلة على حصول المعلول وليس هو بقياس قلت بل هذا هو القياس فإنا إذا رأينا الحكم حاصلا في صورة معية ثم قامت الدلالة على أن المؤثر في ذلك الحكم هو الوصف الفلانى ثم قامت الدلالة على أن ذلك الوصف حاصل في هذه الصورة الثانية لزم القطع بحصول الحكم في الصورة الثانية بل تحصيل اليقين بهاتين المقدمتين أمر صعب وذلك لأنا وإن بينا أن الحاصل في الفرع مثل الحاصل في الأصل فالمثلان ولا لابد وأن يتغايرا بالتعين والهوية وإلا فهذا عين ذاك وذاك عين هذا فيكون كل واحد منهما عين الآخر فالاثنان واحد هذا خلف
ج ٥ ص ٣٣٦وإذا حصل التغاير بالتعين والهوية فلعل ذلك التعين في أحد الجانبين جزء العلة أو شرط العلية وفي الجانب الآخر يكون مانعا من العلية ومع هذا
-
الاحتمال لا يحصل القطع وأعلم أن للمتكلمين طرقا في تعيين العلة أحدها التقسيم الذي لا يكون منحصرا فإذا قيل لهم لم لا يجوز وجود قسم آخر قالوا اجتهدنا في طلبه فما وجدناه وعدم الوجدان بعد الاستقصاء في الطلب يدل على عدم الوجود كالمبصر لم إذا طلب شيئا في الدار ونظر إلى جميع جوانبها في النهار فلم يجد قطع بالعدم وهذا ضعيف إذ رب موجود ما عرفناه بعد الطلب والقياس على نظر العين قياس من غير جامع وبتقدير ذكر الجامع فهو إثبات القياس بالقياس وهو باطل وثانيها الدوران الخارجى وقد تقدم بيان أنه لا يفيد الظن فضلا عن اليقين وثالثها الدوران الذهنى كقولهم متى عرفنا كون التكليف أمرا بالمحال عرفنا
ج ٥ ص ٣٣٧قبحه وإن لم نعرف شيئا آخر ومتى لم نعرف كونه أمرا بالمحال لم نعرف قبحه وإن عرفنا سائر صفاته فإذن العلم بالقبح دائر مع العلم بكونه أمرا بالتكليف بالمحال في الذهن فهذا الدوران الذهنى يفيد الجزم بأن المؤثر في القبح هو نفس كونه أمرا بالتكليف فنقول كلامكم يشتمل على أمرين أحدهما
-
أنه لما لزم من العلم بكونه أمرا بالمحال العلم بقبحه لزم أن يكون كونه أمرا بالمحال علة لقبحه والثاني أنه لما لم يلزم من العلم بسائر صفاته العلم بكونه قبيحا وجب أن لا يكون سائر صفاته علة لكونه قبيحا وأنتم منازعون في هذين المقامين فلا بد من الدلالة عليهما فإن العلم بهما ليس من العلوم الضرورية كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وما رأيت أحدا من المتكلمين ذكر في تقرير هذين المقامين شيئا على أن الأول منقوض بجميع الإضافات فإنا متى علمنا كون هذا الشخص أبا علمنا كون هذا الشخص الآخر أبنا وكذا بالعكس مع أنه يستحيل أن يكون كون هذا أبا لذاك علة لكون ذلك أبنا لهذا لأن المضافين معا والعلة قبل المعلول والمع لا يكون قبل وأما الثاني فلأنه لا يمكن القطع بأنا إذا عرفنا سائر صفاته فإنه لا يحصل
ج ٥ ص ٣٣٨العلم عند ذلك بكونه قبيحا إلا إذا عرفنا كل صفة فكيف يمكننا أن نقطع بأنا عرفنا كل صفاته فإنا إذا جوزنا أن يكون من الصفات ما لم نعرفه جوزنا في بعض تلك الصفات التي لم نعرفها أن يجب عند العلم به العلم بكونه قبيحا ومع هذا التجويز لا تتم هذه المقدمة سلمنا أنه لا يلزم من العلم بسائر الصفات العلم بكونه قبيحا فلم يدل هذا القدر على أن سائر الصفات لا يجوز أن تكون مؤثرة في القبح واعلم أن الكلام في تقرير هاتين المقدمتين مأخوذ من الفلاسفة فإنهم زعموا أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول
-
فعلى هذا كل ما كان علة للقبح يلزم من العلم به العلم بالقبح وزعموا أن العلم اليقينى بوجود المعلول لا يحصل إلا من العلم بعلته فلما لزم الجزم بالقبح عند العلم بكونه أمرا بالتكليف بالمحال علمنا أن علة القبح ذلك ولكنا قد نقلنا في كتبنا الكلامية دلائلهم على هاتين المقدمتين وبينا ضعفهما وسقوطهما فلا نعيدهما هاهنا وبالله التوفيق
ج ٥ ص ٣٣٩المسألة الثانية الحق جواز القياس في اللغات وهو قول ابن سريج منا ونقل ابن جنى في الخصائص أنه قول أكثر علماء العربية كالمازني وأبي علي الفارسي وأما أكثر أصحابنا وجمهور الحنفية فينكرونه لنا وجوه الأول أنا رأينا أن عصر العنب لا يسمى خمرا قبل الشدة الطارئة فإذا حصلت تلك الشدة سميت خمرا فإذا زالت الشدة مرة أخرى زال الاسم والدوران يفيد ظن العلية فيحصل ظن أن العلة لذلك الاسم هو الشدة ثم رأينا الشدة حاصلة في النبيذ فيحصل ظن أن علة هذا الاسم حاصلة في النبيذ ويلزم من ظن حصول علة الاسم ظن حصول الاسم فإذا حصل ظن أنه مسمى بالخمر وعلمنا أو ظننا أن الخمر حرام حصل ظن أن النبيذ حرام والظن حجة فوجب الحكم بحرمة النبيذ فإن قيل الدوران إنما يفيد ظن العلية فيما يحتمل العلية وهاهنا لم
-
يوجد الاحتمال لأنه ليس من بين شمن الألفاظ وشئ من المعاني مناسبة أصلا فأستحال ابن أن يكون شئ من المعاني داعيا للواضع إلى تسميته
ج ٥ ص ٣٤٠بذلك الاسم وإذا لم يوجد احتمال العلية هاهنا لم يكن الدوران ها هنا مفيدا لظن العلية سلمنا أنه حصل ظن العلية ولكن إنما يلزم من حصول العلة في الفرع حصول ذلك الحكم إذا اثبت أن تلك العلة إنما صارت علة لأن الشارع جعلها علة ألا آخر أنه لو قال اعتقت غانما لسواده فإذا كان له عبد آخر أسود لم يعتق عليه لأن ما يجعله الإنسان علة لحكم لا يجب أن يتفرع عليه الحكم أينما وجد فكذا هاهنا لا يلزم من كون الشدة علة لذلك الاسم حصول ذلك الاسم أينما حصلت الشدة إلا إذا عرفنا أن واضع الاسم هو الله تعالى والجواب عن الأول إنه لا يمكن جعل المعنى علة للاسم إذا فسرنا العلة بالداعي أو المؤثر أما إذا فسرنا بالمعرف فلا يمتنع كما أن الله تعالى جعل الدلوك علة لوجوب الصلاة لا بمعنى كون الدلوك مؤثرا أو داعيا بل بمعنى أن الله تعالى جعله معرفا فكذا هاهنا وعن الثاني أنا بينا أن اللغات توقيفية الثاني وهو الذي أعتمد عليه المازني وأبو علي الفارس رحمهما الله أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن كل فاعل رفع وكل مفعول نصب وكذلك القول
ج ٥ ص ٣٤١في جميع وجوه الإعراب وأن كل ضرب منها اختص بأمر انفرد به ولم يثبت ذلك إلا قياسا لأنهم لما وصفوا بعض الفاعلين به واستمروا على ذلك علم أنه ارتفع الفاعل لكونه فاعلا وانتصب المفعول لكونه مفعولا فإن قلت كيف يصح ذلك وقد وجد المفعول غير منتصب وكذا الفاعل قد لا يرتفع لعارض قلت تخلف الحكم عن العلة لمانع لا يقدح في العلية عند من يقول بتخصيص العلة ومن لا يقول به يجعل هذا القيد العدمي جزءا من العلة الثالث وهو أن أهل العربية أجمعوا على أن ما لم يسم فاعله إنما ارتفع لكونه شبيها بالفاعل في إسناد الفعل إليه ولم تزل فرق النحاة من الكوفيتين قوله والبصريين يعللون في الأحكام الإعرابية بأن هذا يشبه ذاك في كذا فوجب أن يشبهه في الإعراب وإجماع أهل اللغة في المباحث اللغوية حجة الرابع أن نتمسك بعموم قوله تعالى فاعتبروا فإنه يتناول كل الأقيسة واعتمادهم في الفرق على أن المعاني لا تناسب الألفاظ فأمتنع جعل
ج ٥ ص ٣٤٢المعنى علة للاسم بخلاف الأحكام الشرعية فان المعاني قد تناسبها لكنا قد بينا سقوط هذا الفرق واحتج المخالف بأمور أحدها
-
قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها دلت الآية على أنها بأسرها توقيفية فيمتنع في شئ منها أن يثبت بالقياس وثانيها أن أهل اللغة لو صرحوا وقالوا قيسوا لم يجز القياس كما اذا قال اعتقت غانما لسواده ثم قال قيسوا فإنه لا يجوز القياس فإذا لم يجز القياس عند التصريح بالأمر بالقياس فلأن لا يجوز ذلك مع أنه لم ينقل عن أهل اللغة نص في ذلك كان أولى وثالثها أن القياس إنما يجوز عند تعليل الحكم في الأصل وتعليل الأسماء غير جائز لأنه لا مناسبة بين شئ من الأسماء وبين شئ من المسميات وإذا لم يصح التعليل لم يصح القياس البتة ورابعها أن وضع اللغات ينافي جواز القياس فإنهم سموا الفرس الأسود
ج ٥ ص ٣٤٣أدهم ولم يسموا الحمار بن الأسود به وسموا الفرس الأبيض أشهب ولم يسموا الحمار الأبيض به وسموا صوت الفرس صهيلا صوت الحمار نهيقا له صوت الكلب نباحا وأيضا القارورة إنما سميت بهذا الاسم لأجل الاستقرار ثم أن ذلك المعنى حاصل في الحياض والأنهار مع أنها لا تسمى بذلك والخمر إنما سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل ثم المخامرة حاصلة في الأفيون وغيره ولا يسمى خمرا
-
والجواب عن الأول أنه ليس في الآية أنه تعالى علم آدم الأسماء كلها توقيفا فيجوز أن يكون علم البعض توقيفا والبعض تنبيها بالقياس ولأنه يجوز أن يدرك آدم علمها توقيفا ونحن نعلمها قياسا كما أن جهات القبلة قد تدر ك حسا وقد تدرك اجتهادا وعن الثاني أنا ندعى أنه نقل إلينا بالتواتر عن أهل اللغة أنهم جوزوا القياس ألا ترى أن جميع كتب النحو والتصريف والاشتقاق مملوءة من الأقيسة وأجمعت الأمة على وجوب الأخذ بتلك الأقيسة فإنه لا نزاع إنه لا يمكن تفسير القرآن والأخبار إلا بتلك القوانين فكان ذلك إجماعا معلوما بالتواتر
ج ٥ ص ٣٤٤وعن الثالث ما قد بينا أنا نفسر العلة بالمعرف لا بالداعي ولا المناسب وحينئذ لا يقدح عدم المناسبة فيه وعن الرابع أن أقصى ما في الباب أنهم ذكروا صورا لا يجرى فيها القياس وذلك لا يقدح في العمل بالقياس كما أن النظام لما ذكر صورا كثيرا في الشرع لا يجرى فيها القياس لم يدل ذلك على المنع من القياس في الشرع
ج ٥ ص ٣٤٥المسألة الثالثة المشهور إنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب
-
والدليل عليه أنا إذا قسنا اللواط مثلا على الزنا في كونه موجبا للحد فإما أن نقول إن كون الزنا موجبا للحد لأجل وصف مشترك بينه وبين اللواط وأما أن لا نقول ذلك فإن كان الأول كان الموجب للحد هو ذلك المشترك وحينئذ يخرج الزنا واللواط عن كونهما موجبين للحد لأن الحكم لما أسند إلى القدر المشترك استحال مع ذلك إسناده إلى خصوصية كل واحد منهما فإذن شرط القياس بقاء حكم الأصل والقياس في الأسباب ينافي بقاء حكم الأصل بخلاف القياس في الأحكام فإن ثبوت الحكم في الأصل لا ينافي كونه معللا بالقدر المشترك بينه وبين الفرع وأما إن قيل كون الزنا موجبا للحد ليس لأجل وصف مشترط بينه وبين اللواط استحال قياس اللواط عليه لأنه لا بد في القياس من الجامع فإن قلت الجامع بين الوصفين لا يكون له تأثير في الحكم بل تأثيره
ج ٥ ص ٣٤٦في علية الوصفين وأما الحكم فإنما يحصل من الوصفين قلت هذا باطل لأن ما صلح لعلية العلة كان صالحا لعلية الحكم فلا حاجة حينئذ إلى الوساطة المسألة الرابعة الحكم الذي طلب إثباته بالقياس أما النفى الأصلي أو الحكم الثبوتى ذلك المعلوم أو المظنون فلنتكلم في هذه الثلاثة فنقول اختلفوا في أن النفى الأصلي هل يمكن التوصل إليه بالقياس أو لا
-
بعد اتفاقهم على أن استصحاب حكم العقل كاف فيه والحق أنه يستعمل فيه قياس الدلالة لا قياس العلة أما قياس الدلالة فهو أن يستدل بعدم اثار الشئ وعدم خواصه على عدمه
ج ٥ ص ٣٤٧وأما تعذر قياس العلة فلأن الانتفاء الأصلي حاصل قبل الشرع فلا يجوز تعليه بوصف يوجد بعد ذلك ولقائل أن يقول علة الشرع لا معنى لها إلا المعرف وتأخر الدليل عن المدلول جائز واعلم إن هذا الكلام يختص ب العدم فأما الإعدام فإنه حكم شرعي يجرى فيه القياس وأما الذي طريقه العلم فقد اختلفوا في أنه هل يجوز استعمال القياس فيه وعندي أن هذا الخلاف لا ينبغى أن يقع في الجواز الشرعي فإنه لو أمكن تحصيل اليقين بعلة الحكم ثم تحصيل اليقين بأن تلك العلة حاصلة في هذه الصورة لحصل العلم اليقينى بأن حكم الفرع مثل حكم الأصل بل البحث ينبغى أن يقع في أنه هل يمكن تحصيل هذين اليقينين في الأحكام الشرعية أم لا وأما الذي طريقه الظن فلا نزاع في جواز استعمال القياس فيه
ج ٥ ص ٣٤٨المسألة الخامسة اختلفوا في أنه هل يمكن إثبات أصول العبادات بالقياس أم لا
-
فقال الجبائى والكرخي لا يجوز وبنى الكرخي عليه إنه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس واعلم أن هذا الخلاف يمكن حمله على وجهين الأول أن يقال الصلاة بإيماء الحاجب لو كانت مشروعة لوجب على النبي ص أن يبينها بيانا شافيا وينقله أهل التواتر إلينا حتى يصير ذلك معلوما لنا قطعا فلما لم يكن كذلك علمنا أن القول بها باطل والثاني أن يقال لا ندعي أنها لو كانت مشروعة لحصل العلم بها يقينا ولكنا مع ذلك نمنع من استعمال القياس فيه أما الأول فهو باطل بالوتر فإنه واجب عندهم مع أنه لم يعلم وجوبه قطعا فإن قلت إذا جوزت في ذلك أن لا يبلغ مبلغ التواتر فلعله عليه الصلاة والسلام أوجب صوم شوال ولم ينقل ذلك بالتواتر قلت المعتمد في نفيه الإجماع وأما الثاني فتحكم محض لأنه إذا جاز الاكتفاء فيه بالظن فلم لا يكتفى بالقياس ثم إنا نستدل على جوازه بعموم قوله تعالى فاعتبروا أو بما أنه
ج ٥ ص ٣٤٩يفيد ظن الضرر فيكون العمل به واجبا المسألة السادسة مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يجوز إثبات التقديرات
-
والكفارات والحدود والرخص بالقياس وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله أنه لا يجوز وحاصل الخلاف أنه هل في الشريعة جملة من المسائل يعلم أنه لا يجوز استعمال القياس فيها أو ليس كذلك بل يجب البحث عن كل مسألة أنه هل يجرى القياس فيها أم لا لنا التمسك بعموم قوله تعالى فاعتبروا وبإطلاق قول معاذ أجتهد مع أن الرسول ص صوبه في إطلاقه وبأنه
ج ٥ ص ٣٥٠يجب العمل بالضرر المظنون فإن ادعوا أنه لا يمكننا وجد أن العلة في هذه المسائل فذلك إنما يظهر بالبحث عن كل واحدة من هذه المسائل فإن وجدنا العلة فيها صح القياس وإلا فلا ولكن هذا المعنى غير مختص بهذه المسائل بل كل مسألة لا نجد العلة فيها تعذر علينا القياس واعلم أن الشافعي رضي الله عنه ذكر مناقضتهم في هذا الباب فقال أما الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتى تعهدوها إلى الاستحسان فإنهم زعموا في شهود الزوايا أن المشهود عليه يجب رجمه بالاستحسان مع أنه على خلاف العقل فلأن يعمل بما وافق العقل كان أولى وأما الكفارات فقد قاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع وقاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عمدا مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم
ج ٥ ص ٣٥١فإن قلت ليس هذا بقياس وإنما هو استدلال على موضع الحكم بحذف الفوارق الملغاة قلت أنكم لما لم تبينوا أن الحكم في الأصل يجب أن يكون معللا وأن العلة إما الذي به الاشتراك بين الأصل والفرع أو الذي به الامتياز وباطل أن لا يكون معللا وباطل أن يكون معللا بما فيه الامتياز فوجب التعليل بما به الاشتراك ويلزم من حصول ذلك المعنى في الفرع حصول الحكم فيه وهذا نفس القياس واستخراج العلة بطريق السبر والتقسيم وأما المقدرات فقد قاسوا فيها حتى إنهم ذهبوا إلى تقديراتهم في الدلو والبئر وأما الرخص فقد قاسوا فيها وبالغوا فإن الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص ثم حكموا بذلك في كل النجاسات نادرة كانت أو معتادة وانتهوا فيها إلى نفي إيجاب استعمال الأحجار وقالوا أيضا العاصي بسفره يترخص فأثبتوا الرخصة بالقياس مع
ج ٥ ص ٣٥٢أن القياس ينفيها لأن الرخصة إعانة والمعصية لا تناسب الإعانة احتج الخصم بقوله عليه الصلاة والسلام ادرؤا الحدود بالشبهات والقياس لا يفيد القطع فتحصل الشبهة وأما المقدرات فهي كالنصب في الزكوات والمواقيت في الصلوات
ج ٥ ص ٣٥٣وقالوا العقول لا تهتدى إليها
-
وأما الرخص فقالوا أنها منح من الله تعالى فلا يعدل بها عن مواضعها وأما الكفارات فإنها على خلاف الأصل لكونها منفية بالنص النافي للضرر والجواب عنه أنها تشكل بالمسائل التي ذكرها الشافعي رضي الله عنه ثم نقول هذه الأدلة خضت بخبر الواحد فانه يجوز إثبات هذه الأشياء بخبر الواحد مع أنه لا يفيد العلم وما لأجله صار خبر الواحد مخصصا لها قائم في القياس الخاص فوجب تخصيصها بالقياس المسألة السابعة قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله ما طريقة العادة العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره وأقل النفاس وأكثره لا يجوز إثباته بالقياس لأن أسبابها غير معلومة لا قطعا ولا ظاهرا فوجب الرجوع فيها إلى قول الصادق المسألة الثامنة الأمور التي لا يتعلق بها عمل لا يجوز إثباتها بالقياس كقرآن النبي
ج ٥ ص ٣٥٤- صلى الله عليه وسلم - وإفراده ودخوله مكة صلحا أو عنوة فإن مثل هذه الأمور تطلب لتعرف لا ليعمل بها فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظن المسألة التاسعة القياس إذا ورد بخلاف النص فالنص إما أن يكون متواترا أو آحادا فإن كان متواترا فالقياس أن نسخه كان مردودا
-
وإن خصصه فقد ذكرنا الخلاف فيه في باب العموم والخصوص وإن كان آحادا فهو ما إذا ورد خبر الواحد على خلاف القياس وقد شرحنا الحال فيه في باب الخبر المسألة العاشرة يجوز التعبد بالنصوص في كل الشرع فإنه يمكن أن ينص الله تعالى على أحكام الأفعال على الجملة ويدخل تفصيلها فيها كما إذا نص على حرمة الربا في كل مطعوم فيدخل فيه كل مطعوم وأما التعبد بالقياس في الكل فمحال لأن القياس لا يصح إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل لكن أحكام الأصول شرعية لأن العقل لا يدل إلا على البراءة الأصلية فما عداها لا يثبت إلا بالشرع فلو كانت تلك الأحكام
- ج ٥ ص ٣٥٧
الباب الثاني في شرائط الأصل أعلم أن الحكم في المقيس عليه إما أن يكون علة وفق قياس الأصول أو على خلاف قياس الأصول فلنذكر حكم كل واحد من هذين القسمين ثم نذكر ما ظن أنه شرط في هذا الباب مع أنه ليس بشرط
ج ٥ ص ٣٥٩[القسم الأول في شرائط الأصل إذا كان حكمه على وفق قياس الأصول]
-
وهي ستة الأول ثبوت حكم الأصل لأن القياس عبارة عن تشبيه الفرع بالأصل في الحكم وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل الثاني أن يكون الطريق إلى معرفة ذلك الحكم سمعيا وهو ظاهر على مذهبنا أن جميع الأحكام لا تعرف إلا بالسمع أما على مذهب من يثبت هذه الأحكام عقلا فقد احتجوا عليه بأنه لو كان ذلك الطريق عقليا لكانت معرفة ثبوت الحكم في الفرع عقلية فكان القياس عقليا لا سمعيا وهذا ضعيف لأن ثبوت الحكم في الفرع يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل وعلى كون ذلك الحكم معللا بالوصف الفلانى وعلى حصول ذلك الوصف في الفرع فبتقدير أن تكون معرفة الأول عقلية يحتمل أن تكون المعرفتان الباقيتان سمعيتين
ج ٥ ص ٣٦٠محمد وحينئذ لا يمكن معرفة حكم الفرع إلا بمقدمات سمعية والمبنى على السمع سمعي فيكون ثبوت الحكم في الفرع سمعيا الثالث أن لا يكون طريق ثبوت الحكم في الأصل هو القياس لأن العلة التي يلحق بها الأصل القريب بالأصل البعيد إما أن تكون هي التي بها يلحق الفرع بالأصل القريب أو غيرها فإن كان الأول أمكن رد الفرع إلى الأصل البعيد فيكون دخول الأصل
-
القريب لغوا وإن كان الثاني لزم تعليل حكم الأصل القريب بعلتين وهو محال أما أولا فلإنا إلى بينا أن تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين محال وأما ثانيا فلأنه لا يمكننا إثبات الحكم في الأصل القريب إلا بأن يتوصل إليه بالعلة الموجودة في الأصل البعيد ومتى توصلنا إلى ثبوته بتلك العلة امتنع تعليله بالعلة الموجودة في الفرع لأن تلك العلة إنما عرفت بعد أن عرف تعليل الحكم بعلة أخرى ومتى عرف ذلك كانت العلة الثانية عديمة الأثر فيكون التعليل بها ممتنعا
ج ٥ ص ٣٦١الرابع أن لا يكون الدليل الدال على حكم الأصل دالا بعينه على حكم الفرع وإلا لم يكن جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا أولى من العكس الخامس لابد وأن يظهر كون ذلك الأصل معللا بوصف معين لأن رد الفرع إليه لا يصلح إلا بهذه الواسطة السادس قالوا يجب أن لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع وهو كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية لأن التعبد بالتيمم إنما ورد بعد الهجرة والحق أن يقال لو لم يوجد على حكم الفرع دليل إلا ذلك القياس لم يجز تقدم الفرع على الأصل لأن قبل هذا الأصل لزم أن يقال كان هذا الحكم حاصلا من غير دليل وهو تكليف مالا يطاق
-
أو ما كان حاصلا ألبتة فيكون ذلك كالنسخ وأما إن وجد قبل ذلك دليل أخر سوى القياس يدل على ذلك الحكم فجائز فإن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز
ج ٥ ص ٣٦٣القسم الثاني إذا كان الحكم في المقيس عليه على خلاف قياس الأصول فقال قوم من الشافعية والحنفية يجوز القياس عليه مطلقا وقال الكرخي لا يجوز إلا لإحدى خلال ثلاث إحداها أن يكون قد نص على علة ذلك الحكم لأن النص كالتصريح بوجوب القياس عليه وثانيها أن تجمع الأمة على تعليله وإن اختلفوا في تعليله فلا يجوز القياس عليه وثالثها أن يكون القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخرى والحق أن يقال ما ورد بخلاف قياس الأصول إما أن يكون دليلا مقطوعا به أو غير مقطوع به فإن كان مقطوعا به كان أصلا بنفسه لأن مرادنا بالأصل في هذا الموضع هذا فكان القياس عليه كالقياس على غيره فوجب أن يرجح المجتهد بين القياسين
ج ٥ ص ٣٦٤يؤكده أنه إذا لم يمنع العموم من قياس يخصه فأولى أن لا يكون القياس على العموم مانعا من قياس يخالفه لأن العموم أقوى من القياس على العموم احتج الخصم بأن الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه وما عداه باق على قياس الأصول والجواب أنه إذا أخرح ما ورد فيه ودلت أمارة على عليته اقتضى إخراج ما شاركه في تلك العلة ثم ليس بأن لا يخرج لشبهه بالأصول أولى من أن يخرج لشبهه بالمنصوص عليه أما إذا كان غير مقطوع به فإما أن تكون علة حكمة منصوصة أو لا تكون منصوصة فإن لم تكن منصوصة ولا كان القياس عليه أقوى من القياس على الأصول فلا شبهة في أن القياس على الأصول أولى من القياس عليه لأن القياس على ما طريق حكمة معلوم أولى من القياس على ما طريق حكمة غير معلوم
ج ٥ ص ٣٦٥وإن كانت منصوصة فالأقرب أنه يستوى القياسان لأن القياس على الأصول يختص بأن طريق حكمه معلوم وإن كانت علة حكمه غير معلومة
-
وهذا القياس طريق حكمه مظنون وعلته معلومة فكل واحد منهما قد اختص بحظ من القوة
ج ٥ ص ٣٦٧القسم الثالث فيما جعل شرطاً في هذا الباب مع أنه ليس بشرط وهو ثلاثة الأول زعم عثمان البتى أنه لا يقاس على الأصل حتى تقوم الدلالة على جواز القياس عليه وهو باطل من ثلاثة أوجه أحدها أن عموم قوله تعالى فاعتبروا ينفى هذا الشرط وثانيها أنا إذا ظننا كون الحكم في الأصل معللا بوصف ثم علمنا أو ظننا
ج ٥ ص ٣٦٨حصوله في الفرع حصل ظن أن حكم الفرع مثل حكم الأصل والعمل بالظن واجب وثالثها أن الصحابة حين استعملوا القياس في مسألة الحرام والجد وغيرها لم يعتبروا هذا الشرط الثاني زعم بشر المريسى أن شرط الأصل انعقاد الإجماع على كون حكمه
-
معللا أو ثبوت النص على عين تلك العلة وعندنا أن هذا الشرط غير معتبر والدليل عليه الوجوه الثلاثة المذكورة الثالث قال قوم الأصل المحصور بالعدد لا يجوز القياس عليه حتى قالوا في قوله عليه الصلاة والسلام خمس يقتلن في الحل والحرم لا يقاس عليه
ج ٥ ص ٣٦٩والحق جوازه للوجوه الثلاثة واحتجوا بأن تخصيص ذلك العدد بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وأيضا جواز القياس عليه يبطل ذلك الحصر والجواب يبطل ذلك بجواز القياس على الأشياء الستة في تحريم ربا الفضل وهذا أيضا دليل في أول المسألة
ج ٥ ص ٣٧١الباب الثالث في الفرع وشرطه أن يوجد فيه مثل علة الحكم في الأصل من غير تفاوت ألبتة لا في الماهية ولا في الزيادة ولا في النقصان لأن القياس عبارة عن تعدية الحكم من محل إلى محل والتعدية لا تحصل إلا إذا كان الحكم المثبت في الفرع مثل المثبت في الاصل
-
فإن قلت هذا يقتضى أن لا يكون قياس العكس حجة قلت قد بينا في أول كتاب القياس أن قياس العكس عبارة عن التمسك بنظم التلازم ابتداءا ثم إنا نثبت مقدمته الشرطية بقياس الطرد وأما الأمور التي اعتبرها قوم في الفرع مع أنها ليست معتبرة فهي ثلاثة الأول قال بعضهم يجب أن يكون حصول العلة في الفرع معلوما لا مظنونا وهذا باطل للنص والحكم والمعقول أما النص فهو أن عموم قوله تعالى فاعتبروا يقتضى حذف هذا الشرط
ج ٥ ص ٣٧٢وأما الحكم فهو أن الزنا والسرقة إذا ظهرا عند القاضي قضى بوجوب الحد لأن الطريق إليه شهادة الشهود وهى لا تفيد العلم وأما المعقول فهو أنه إذا حصل ظن كون الحكم معللا بذلك الوصف ثم حصل ظن ثبوت ذلك الوصف في الفرع حصل ظن أن الحكم في الفرع مثل الحكم في الأصل والعمل بالظن واجب مطلقا على ما بيناه الثاني قال أبو هاشم الحكم في الفرع يجب أن يكون معا ثبت جملة حتى يدل القياس على تفصيله ولولا أن الشرع ورد بميراث الجد وإلا لما استعملت الصحابة القياس في توريثه مع الإخوة وهذا باطل لأن أدلة القياس تحذف هذا القيد
-
الثالث أن لا يكون الفرع منصوصا عليه وهو على قسمين لأن الحكم الذي دل النص عليه إما أن يكون مطابقا للحكم الذي دل عليه القياس أو مخالفا فإن كان الأول جاز استعمال القياس فيه عند الأكثرين لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز ومنعه بعضهم استدلالا بأن معاذا إنما عدل إلى الاجتهاد بعد فقدان النص فدل على أنه لا يجوز استعماله عند وجوده وأيضا فالدليل ينفي جواز العمل بالقياس لكونه اتباعا للظن وإن الظن لا
ج ٥ ص ٣٧٣يغني من الحق شيئا ترك العمل به فيما إذا لم يوجد النص للضرورة فيبقى حال وجود النص على مقتضى الأصل والجواب عن الأول أن قصة معاذ دالة على أن التمسك بالقياس عند فقدان النص جائز فأما عند وجود النص فليس فيه دليل لا على جواز ولا على بطلانه وعن الثاني ما تقدم مرارا من أن العمل بالقياس ليس على خلاف الدليل
ج ٥ ص ٣٧٥خاتمة لهذا الباب هاهنا نوع آخر من القياس يستعمله أهل الزمان وهو أن يقال لو ثبت الحكم في الفرع لثبت في الأصل لأن بتقدير ثبوته في الفرع وجب
-
أن يكون ثبوته لأجل المعنى الفلانى لمناسبته واقتران الحكم به وذلك المعنى حاصل في الأصل فيلزم ثبوت الحكم فيه فثبت أن الحكم لو ثبت في الفرع لثبت في الأصل فلما لم يثبت في الأصل وجب أن لا يثبت في الفرع ويمكن أن يذكر ذلك على وجه آخر أسد تلخيصا وهو أن يقال ثبوت الحكم في الفرع يفضى إلى محذور فوجب أن لا يثبت نماقلنا إنه يفضي إلى محذور لأنه لو ثبت الحكم في الفرع لكان إما أن يكون معللا بهذا الوصف الذي يشترك الفرع والأصل فيه أو لا يكون معللا به فإن كان الأول لزم النقص لأنه غير ثابت في الأصل
ج ٥ ص ٣٧٦وإن كان الثاني لزم النقض لأن المناسبة والاقتران دليل العلية فحصولها بدون العلية يوجب النقض وهذا آخر كلامنا في القياس وبالله التوفيق