* وهذه بعض شهادات بعض معاصريه،
١١ فقرة، ج ١ ص ١٩٨
- ج ١ ص ١٩٨
ونحا نحو فعل ابن جرير هذا فريق من العلماء، مثل الطحاوي، والغزالي، وغيرهما. ولعل سبب ذلك أن الإمام أحمد لم يُؤثر عنه كتاب واحد في الفقه في عصر انتشر فيه التدوين في شتى العلوم، وإنما أُثر عنه "المسند" ، الذي صار للناس إمامًا، ولا يناقض ذلك أن له اختيارات في الفقه، ومسائل رواها عنه أتباعه، إذ العبرة بغلبة المنهاج.
-
إلا أن الصواب في ذلك أن الإمام أحمد كان محدثًا وفقيهًا، غلبت عليه نزعته إلى الحديث، وإن كان لم يترك مؤلفًا في الفقه، فقد أفرغ حصيلته في الفقه في صدور تلاميذه الذين عنوا بجمع أقواله، وفتاويه، وما ذلك إلا لشدة كراهته للتصنيف في غير الحديث. ومثله في ذلك مثل الإمام مالك، فلم يترك إلا "الموطأ" وهو كتاب حديث أكثر منه كتاب فقه، وأما "المدونة" فقد جُمعت بعده، ولم ينكر أحد فقه مالك، ولا تقدمه بالاجتهاد، وما روي من مسائل عن الإمام أحمد أكثر مما رُوي عن الإمام مالك، رحمهما اللَّه.
-
كما أنَّ هذا القول - أعني: أنَّ الإمام أحمد لم يكن فقيهًا- يدخل فيه بعض التعصب المذهبي من مروجيه، فتناقلوه عن ابن جرير وكأنه قولٌ مسلَّمٌ به، وتفنيد ذلك يطول، ونكتفي بهذه الأقوال:
* وهذه بعض شهادات بعض مُعاصريه، وسيأتي في ترجمته المفصلة المزيد: قال الربيع بن سليمان: قال لنا الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.
-
"طبقات الحنابلة" ١/ ١٠،
ج ١ ص ١٩٩قال حَرْمَلة بن يحيى: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أورع ولا أتقى ولا أفقه - وأظنه قال: ولا أعلم- من أَحمد بن حنبل. "تاريخ بغداد" ٤/ ٤١٩، "تاريخ دمشق" ٥/ ٢٧٢، "السير" ١١/ ١٩٥، "طبقات الشافعية" ٢/ ٢٧،
قلتُ: وقد كان الإمام أحمد وقتها شابًّا.
قال محمد بن عثمان بن سلم: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي، وقلت له: لقيت أبا عبد اللَّه أَحمد بن حنبل؟
فقال: صرت إلى داره مرارًا واجتمعت معه وسأَلته عن مسائل.
-
فقيل له: كان أَحمد أكثر حديثا أَمْ إسحاق بن راهَوَيْه؟
فقال: أَحمد، فقلت له: فأَحمد كان أضبط أَمْ إسحاق؟
فقال: أَحمد، فقلت له: أكان أَحمد أفقه أَمْ إسحاق؟
فقال: أَحمد. فقيل له: كان أَحمد أورع أَمْ إسحاق؟
فقال: أي شيءٍ تقول، أَحمد فاق أهل زمانه.
-
"المناقب" لابن الجوزي ص ١٧٨، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٠٢
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زُرْعة يقول: لم أزل أسمع الناس يذكرون أحمد بن حنبل بخير ويقدمونه على يحيى بن معين وأبي خيثمة، غير أنه لم يكن من ذكره ما صار بعد أن امتحن فلما امتحن، ارتفع ذكره في الآفاق. وسمعت أبا زرعة يقول: ما رأيت أحدا أجمع من أحمد بن حنبل.
-
قيل له: إسحاق بن راهويه. فقال: أحمد بن حنبل أكبر من إسحاق بن راهويه وأفقه، وقد رأيت الشيوخ فما رأيت أحدًا أكمل منه، اجتمع فيه زهد وفضل وفقه وأشياء كثيرة.
-
"الجرح والتعديل" ١/ ٢٩٤، "حلية الأولياء" ٩/ ١٦٨، "تاريخ دمشق" ٥/ ٢٩٢، "السير" ١١/ ١٩٨
قال عبد الوهاب الوراق: ما رأَيت مثل أَحمد بن حنبل.
قالوا له: وأي شيءٍ بان لك من فضله وعلمه على سائر من رأَيت؟ قال:
ج ١ ص ٢٠٠رجل سئل عن ستين ألف مسأَلة فأَجاب فيها بأَن قال: حدثنا وأخبرنا.
-
"طبقات الحنابلة" ١/ ١٣، "المناقب" ص ١٨٥، "المقصد الأرشد" ١/ ٦٦، "المنهج الأحمد" ١/ ٨٥
قال عبد اللَّه: حضر قوم من أصحاب الحديث في مجلس أَبي عاصم الضحاك بن مخلد. فقال: أَلا تتفقهون؟ وليس فيكم فقيه، وجعل يذمهم.
فقالوا: فينا رجل. فقال: من هو؟
فقالوا الساعة يجيءُ، فلما جاءَ أَبي، قالوا: قد جاءَ، فنظر إليه فقال له: تقدم. فقال: أكره أن أَتخطى الناس.
فقال أَبو عاصم: هذا من فقهه، وسعوا له، فوسعوا فدخل، فأَجلسه بين يديه، فأَلقى عليه مسأَلة فأَجاب، فأَلقى ثانية فأَجاب، وثالثة فأَجاب، ومسائل فأَجاب. فقال أَبو عاصم: هذا من دواب البحر، ليس هذا من دواب البر، أو: من دواب البر، ليس من دواب البحر.
-
"حلية الأولياء" ٩/ ١٦٥، "تاريخ دمشق" ٥/ ٢٩٧، "المناقب" ص ١٠٤، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٥٨
وقال ابن ماكولا: كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين.
-
يقول الأستاذ أبو زهرة: ومهما يكن حكم العلماء على أحمد من حيث كونه فقيهًا، فإن بين أيدينا مجموعة فقهية تنسب إليه، وروايات مختلفة ومتحدة ذات سند مرفوع تُحكى عنه، وقد تلقاها العلماء بالقبول، وإن كان بعضهم منذ القدم قد أثار حولها غبارًا، وإن لم يحجبها، ولم يطمسها، فإن العين عند الدراسة تواجهه في كشف الحقيقة من ورائه. اهـ.
قلت: وهذا كتابُنا -على ما فيه من نقص مما لم تصل إليه أيدينا أو فُقد- يحوي آلاف المسائل المروية عنه، أكثرها في الفقه.