فصل القاعدة الثانية في المعاقد حلالها وحرامها
١٠٥ فقرة، ج ١ ص ١٦٨
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ١٧٩
فَقَدْ يُقَالُ: إِنْ لَمْ يَرَهُ كُلَّهُ لَمْ يَبِعْ، وَقَدْ يُقَالُ: رُؤْيَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ تَكْفِي إِذَا دَلَّتْ عَلَى الْبَاقِي، كَرُؤْيَةِ وَجْهِ الْعَبْدِ.
-
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَقَاثِي إِذَا بِيعَتْ بِأُصُولِهَا كَمَا هُوَ الْعَادَةُ غَالِبًا. فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ أُصُولِ الْخَضْرَاوَاتِ، كَبَيْعِ الشَّجَرِ، وَإِذَا بَاعَ الشَّجَرَةَ وَعَلَيْهَا الثَّمَرُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ جَازَ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة وَالشَّافِعِيِّ.
ج ١ ص ١٨٠وَقَالَ الْمُتَقَدِّمُونَ: لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ وَمَنْصُوصِهِ. وَهُوَ إِنَّمَا نَهَى عَمَّا يَعْتَادُهُ النَّاسُ، وَلَيْسَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةً فِي الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ أَنْ يُبَاعَ دُونَ عُرُوقِهِ، وَالْأَصْلُ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُ، فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الأثرم، وإبراهيم بن الحارث فِي الشَّجَرِ الَّذِي عَلَيْهِ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْأَصْلُ هُوَ مَقْصُودَهُ الْأَعْظَمَ جَازَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الثَّمَرَةَ، فَاشْتَرَى الْأَصْلَ مَعَهَا حِيلَةً: لَمْ يَجُزْ، وَكَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ أَوْ شَجَرٌ مُثْمِرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ هِيَ الْمَقْصُودَ: جَازَ دُخُولُ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ مَعَهَا تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الثَّمَرَ وَالزَّرْعَ، فَاشْتَرَى الْأَرْضَ لِذَلِكَ: لَمْ يَجُزْ، وَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلَهُ فِي ثَمَرَةِ الشَّجَرِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَقَاثِي وَالْمَبَاطِخِ: إِنَّمَا هُوَ الْخَضْرَاوَاتُ، دُونَ الْأُصُولِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا إِلَّا قِيمَةٌ يَسِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُضَرِ.
-
وَقَدْ خَرَّجَ ابن عقيل وَغَيْرُهُ فِيهَا وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: جَوَازُ بَيْعِ الْمُغَيَّبَاتِ، بِنَاءً عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فِي بَيْعِ مَا لَمْ يَرَهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى قَوْلِنَا: لَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ، فَإِذَا صَحَّحْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ فَهَذَا مِنَ الْغَائِبِ.
-
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا مُطْلَقًا، كَمَذْهَبِ مالك إِلْحَاقًا لَهَا بِلُبِّ الْجَوْزِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أحمد وَغَيْرِهِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الْخِبْرَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِرُؤْيَةِ وَرَقِ هَذِهِ الْمَدْفُونَاتِ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَجْوَدَ مِمَّا يَعْلَمُونَ الْعَبْدَ بِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ، وَالْمَرْجِعُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الصَّالِحِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ، وَهُمْ يُقِرُّونَ
ج ١ ص ١٨١بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَمَا يُعْرَفُ غَيْرُهَا مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ وَأَوْكَدَ.
-
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا مِمَّا تَمَسُّ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى بَيْعِهِ. فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُبَعْ حَتَّى يُقْلَعَ، حَصَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ مُبَاشَرَةُ الْقَلْعِ وَالِاسْتِنَابَةِ فِيهِ، وَإِنْ قَلَعُوهُ جُمْلَةً فَسَدَ بِالْقَلْعِ، فَبَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ كَبَقَاءِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَنَحْوِهِمَا فِي قِشْرِهِ الْأَخْضَرِ.
-
وأحمد وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ يُجَوِّزُونَ الْعَرَايَا مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْمُزَابَنَةِ لِحَاجَةِ الْمُشْتَرِي إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، أَوِ الْبَائِعِ إِلَى أَكْلِ الثَّمَرِ، فَحَاجَةُ الْبَائِعِ هُنَا أَوْكَدُ بِكَثِيرٍ، وَسَنُقَرِّرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
-
وَكَذَلِكَ قِيَاسُ أُصُولِ أحمد وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ بَيْعِ الْمَقَاثِي بَاطِنِهَا وَظَاهِرِهَا، وَإِنِ اشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى بَيْعٍ مَعْدُومٍ، إِذَا بَدَا صَلَاحُهَا، كَمَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ إِذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِ نَخْلَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَنْ يُبَاعَ جَمِيعُ ثَمَرِهَا، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا لَمْ يَصْلُحْ بَعْدُ.
-
وَغَايَةُ مَا اعْتَذَرُوا بِهِ عَنْ خُرُوجِ هَذَا مِنَ الْقِيَاسِ أَنْ قَالُوا: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِفْرَادُ الْبَيْعِ لِذَلِكَ مِنْ نَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ الْبُسْرَةَ بِالْعَقْدِ اخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؛ لَأَنَّ الْبُسْرَةَ تَصْفَرُّ فِي يَوْمِهَا، وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي الْمَقْثَاةِ.
-
وَقَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وأحمد عَنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ تَبَعًا بِأَنَّ مَا يَحْدُثُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِتَابِعٍ لِلْمَوْجُودِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي مُلْكِهِ.
-
وَالْجُمْهُورُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ يَعْلَمُونَ فَسَادَ هَذَا الْعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ
ج ١ ص ١٨٢عَلَى الْبَائِعِ سَقْيُ الثَّمَرَةِ، وَيَسْتَحِقُّ إِبْقَاءَهَا عَلَى الشَّجَرِ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الزِّيَادَةَ بِالْعَقْدِ لَمَا وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ مَا بِهِ تُؤْخَذُ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْبَائِعِ بِحُكْمِ الْبَيْعِ تَوْفِيَةُ الْمَبِيعِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ، لَا مَا كَانَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمِلْكِ.
-
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الرِّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ عَنْ أحمد إِذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي حَدِيقَةٍ مِنَ الْحَدَائِقِ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ جَمِيعِهَا، أَمْ لَا يُبَاعُ إِلَّا مَا صَلَحَ مِنْهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
أَشْهُرُهُمَا عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ إِلَّا مَا بَدَا صَلَاحُهُ، وَهِيَ اخْتِيَارُ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ، كأبي بكر وابن شاقلا.
-
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَكُونُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الْبَعْضِ صَلَاحًا لِلْجَمِيعِ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، كابن حامد وَالْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُمَا.
-
ثُمَّ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ فِي بُسْتَانٍ بَعْضُهُ بَالِغٌ، وَبَعْضُهُ غَيْرُ بَالِغٍ: بِيعَ إِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ الْبُلُوغَ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ صَلَاحِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، كَالْقَاضِي أَخِيرًا، وأبي حكيم النهرواني، وأبي البركات وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ قَصَرَ الْحُكْمَ بِمَا إِذَا غَلَبَ الصَّلَاحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الصَّلَاحِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، كأبي الخطاب وَجَمَاعَاتٍ، وَهُوَ قَوْلُ مالك وَالشَّافِعِيِّ والليث، وَزَادَ مالك فَقَالَ: يَكُونُ صَلَاحًا لِمَا جَاوَرَهُ مِنَ الْأَقْرِحَةِ، وَحَكَوْا ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أحمد.
-
وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ: هَلْ يَكُونُ صَلَاحُ النَّوْعِ - كَالْبَرْنِيِّ مِنَ الرُّطَبِ - صَلَاحًا لِسَائِرِ أَنْوَاعِ الرُّطَبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وأحمد.
-
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وابن عقيل وأبي محمد.
- ج ١ ص ١٨٣
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلُ أبي الخطاب.
-
وَزَادَ الليث عَلَى هَؤُلَاءِ فَقَالَ: صَلَاحُ الْجِنْسِ - كَالتُّفَّاحِ وَاللَّوْزِ - يَكُونُ صَلَاحًا لِسَائِرِ أَجْنَاسِ الثِّمَارِ.
-
وَمَأْخَذُ مَنْ جَوَّزَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ بَيْعَ بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ يُفْضِي إِلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي. وَهَذِهِ عِلَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْبُسْتَانِ الْوَاحِدِ وَالْبَسَاتِينِ، وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ قَالَ: الْمَقْصُودُ الْأَمْنُ مِنَ الْعَاهَةِ. وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِشُرُوعِ الثَّمَرِ فِي الصَّلَاحِ.
-
وَمَأْخَذُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ: أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» ، يَقْتَضِي بُدُوَّ صَلَاحِ الْجَمِيعِ.
-
وَالْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ: أَنَّ مِنْ جَوَّزَ بَيْعَ الْبُسْتَانِ مِنَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِبُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِهِ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِ: جَوَازُ بَيْعِ الْمَقْثَاةِ إِذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهَا، وَالْمَعْدُومُ هُنَا فِيهَا كَالْمَعْدُومِ مِنْ أَجْزَاءِ الثَّمَرَةِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ أَكْثَرَ، إِذْ تَفْرِيقُ الْأَشْجَارِ فِي الْبَيْعِ أَيْسَرُ مِنْ تَفْرِيقِ الْبِطِّيخَاتِ وَالْقِثَّاءَاتِ وَالْخِيَارَاتِ، وَتَمْيِيزُ اللَّقْطَةِ عَنِ اللَّقْطَةِ لَوْ لَمْ يَشُقَّ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا يَنْضَبِطُ، فَإِنَّ اجْتِهَادَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتٌ.
-
وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا: أَنَّ أُصُولَ أحمد تَقْتَضِي مُوَافَقَةَ مالك فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، كَمَا قَدْ يُرْوَى عَنْهُ فِي بَعْضِ الْجَوَابَاتِ، أَوْ قَدْ خَرَّجَهُ أَصْحَابُهُ عَلَى أُصُولِهِ، وَكَمَا أَنَّ الْعَالِمَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ كَثِيرًا مَا يَكُونُ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ قَوْلَانِ فِي وَقْتَيْنِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ
ج ١ ص ١٨٤لَهُ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمَسَائِلِ قَوْلَانِ فِي وَقْتَيْنِ. فَيُجِيبُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهَا بِجَوَابٍ فِي وَقْتٍ، وَيُجِيبُ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ بِجَوَابٍ آخَرَ فِي وَقْتٍ آخَرَ. وَإِذَا كَانَتِ الْأَفْرَادُ مُسْتَوِيَةً كَانَ لَهُ فِيهَا قَوْلَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ [فَقَوْلُهُ فِيهَا وَاحِدٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا قَدْ يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ] ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أبو الخطاب: لَا يُخَرَّجُ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ - كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى - يُخَرَّجُ الْجَوَابُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ مِمَّنْ يَذْهَبُ إِلَى الْفَرْقِ، كَمَا اقْتَضَتْهُ أُصُولُهُ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُخَرِّجُ الْجَوَابَ إِذَا رَآهُمَا مُسْتَوِيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ هُوَ مِمَّنْ يُفَرِّقُ أَمْ لَا. وَإِنَّ فَرَّقَ بَيْنَ بَعْضِ الْأَفْرَادِ وَبَعْضٍ مُسْتَحْضِرًا لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْفَرْقِ مَأْخَذًا شَرْعِيًّا: كَانَ الْفَرْقُ قَوْلًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْفَرْقِ مَأْخَذًا عَادِيًّا أَوْ حِسِّيًّا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَكُونُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِهِ أَعْلَمَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُبَاشِرُوا ذَلِكَ، فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا شَرْعًا، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْعَالِمُ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ» .
-
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ نَوْعِهَا مِنَ الْعِلْمِ قَدْ يُسَمَّى تَنَاقُضًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ اخْتِلَافُ مَقَالَتَيْنِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَإِذَا كَانَ فِي وَقْتٍ قَدْ قَالَ: إِنَّ هَذَا حَرَامٌ، وَقَالَ فِي وَقْتٍ آخَرَ فِيهِ أَوْ فِي مِثْلِهِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، أَوْ قَالَ مَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ - فَقَدْ تَنَاقَضَ قَوْلَاهُ، وَهُوَ مُصِيبٌ فِي كِلَيْهِمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ حُكْمٌ عَلَى الْمُجْتَهِدِ غَيْرَ مَا اعْتَقَدَهُ.
- ج ١ ص ١٨٥
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ لِلَّهِ حُكْمًا فِي الْبَاطِنِ، عَلِمَهُ [الْعَالِمُ] فِي إِحْدَى الْمَقَالَتَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ فِي الْمَقَالَةِ الَّتِي تُنَاقِضُهَا، وَعَدَمُ عِلْمِهِ بِهِ مَعَ اجْتِهَادٍ مَغْفُورٌ لَهُ، مَعَ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ قَصْدِهِ لِلْحَقِّ وَاجْتِهَادٍ فِي طَلَبِهِ، وَلِهَذَا يُشَبِّهُ بَعْضُهُمْ تَعَارُضَ الِاجْتِهَادَاتِ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ، مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ثَابِتٌ بِخِطَابِ حُكْمِ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، بِخِلَافِ أَحَدِ قَوْلَيِ الْعَالَمِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ.
-
هَذَا فِيمَنْ يَتَّقِي اللَّهَ فِيمَا يَقُولُهُ، مَعَ عِلْمِهِ بِتَقْوَاهُ، وَسُلُوكِهِ الطَّرِيقَ الرَّاشِدَ.
-
وَأَمَّا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْخُصُومَاتِ: فَهُمْ مَذْمُومُونَ فِي مُنَاقَضَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَا حُسْنِ قَصْدٍ لِمَا يَجِبُ قَصْدُهُ.
- وَعَلَى هَذَا فَلَازِمُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ نَوْعَانِ:
-
أَحَدُهُمَا: لَازِمُ قَوْلِهِ الْحَقُّ. فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ، فَإِنَّ لَازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ إِذَا عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْتِزَامِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وَكَثِيرٌ مِمَّا يُضِيفُهُ النَّاسُ إِلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
-
وَالثَّانِي: لَازِمُ قَوْلِهِ الَّذِي لَيْسَ بِحَقٍّ. فَهَذَا لَا يُجِبِ الْتِزَامُهُ، إِذْ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَنَاقَضَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّ التَّنَاقُضَ وَاقِعٌ مِنْ كُلِّ عَالِمٍ غَيْرِ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ إِنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ لَهُ فَقَدْ يُضَافُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ قَوْلٌ لَوْ ظَهَرَ لَهُ فَسَادُهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، لِكَوْنِهِ قَدْ قَالَ مَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ لَمْ يَشْعُرْ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَا يَلْزَمُهُ.
- ج ١ ص ١٨٦
وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي لَازِمِ الْمَذْهَبِ: هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَوْ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ؟ هُوَ أَجْوَدُ مِنْ إِطْلَاقِ أَحَدِهِمَا، فَمَا كَانَ مِنَ اللَّوَازِمِ يَرْضَاهُ الْقَائِلُ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُ فَهُوَ قَوْلُهُ، وَمَا لَا يَرْضَاهُ فَلَيْسَ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَاقِضًا، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّازِمِ الَّذِي يَجِبُ الْتِزَامُهُ مَعَ لُزُومِ اللَّازِمِ الَّذِي يَجِبُ تَرْكُ الْمَلْزُومِ لِلُزُومِهِ، فَإِذَا عَرَفَ هَذَا عَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ مِنَ الْمَقَالَاتِ وَالْوَاقِعِ مِنْهَا، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي اللَّوَازِمِ الَّتِي لَمْ يُصَرِّحْ هُوَ بِعَدَمِ لُزُومِهَا.
-
فَأَمَّا إِذَا نَفَى هُوَ اللُّزُومَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ اللَّازِمُ بِحَالٍ، وَإِلَّا لَأُضِيفَ إِلَى كُلِّ عَالِمٍ مَا اعْتَقَدْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ، لِكَوْنِهِ مُلْتَزِمًا لِرِسَالَتِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ مَا نَفَاهُ عَنِ الرَّسُولِ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ: ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّازِمِ الَّذِي لَمْ يَنْفِهِ، وَاللَّازِمِ الَّذِي نَفَاهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ نَصَّ عَلَى الْحُكْمِ نَفْيُهُ لِلُزُومِ مَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنِ اجْتِهَادَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ.
-
وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ - مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا: - أَنَّ الْعَالِمَ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ حُسْنِ الْقَصْدِ وَالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ فِي الظَّاهِرِ بِاعْتِقَادِ مَا قَامَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا، لَكِنَّ اعْتِقَادًا لَيْسَ بِيَقِينِيٍّ، كَمَا يُؤْمَرُ الْحَاكِمُ بِتَصْدِيقِ الشَّاهِدَيْنِ ذَوِي الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَا فِي الْبَاطِنِ قَدْ أَخْطَآ أَوْ كَذَبَا، وَكَمَا يُؤْمَرُ الْمُفْتِي بِتَصْدِيقِ الْمُخْبِرِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ، أَوْ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ، فَيَعْتَقِدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ مُطَابِقًا، فَالِاعْتِقَادُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الْعِبَادُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُطَابِقٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ فِي الْبَاطِنِ بِاعْتِقَادٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ قَطُّ.
-
فَإِذَا اعْتَقَدَ الْعَالِمُ اعْتِقَادَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فِي قَضِيَّةٍ أَوْ قَضِيَّتَيْنِ مَعَ
ج ١ ص ١٨٧قَصْدِهِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ لِمَا أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ: عُذِرَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَهُوَ الْخَطَأُ الْمَرْفُوعُ عَنَّا، بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ، فَإِنَّهُمْ {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [النجم: ٢٣] [النَّجْمِ: ٢٣] وَيَجْزِمُونَ بِمَا يَقُولُونَهُ بِالظَّنِّ وَالْهَوَى جَزْمًا لَا يَقْبَلُ النَّقِيضَ، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِجَزْمِهِ، فَيَعْتَقِدُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِاعْتِقَادِهِ، لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا، وَيَقْصِدُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِقَصْدِهِ، وَيَجْتَهِدُونَ اجْتِهَادًا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمْ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالْقَصْدِ مَا يَقْتَضِي مَغْفِرَةَ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ، فَكَانُوا ظَالِمِينَ، شَبِيهًا بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، أَوْ جَاهِلِينَ، شَبِيهًا بِالضَّالِّينَ.
-
فَالْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ الْعِلْمِيَّ الْمَحْضَ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ سِوَى الْحَقِّ، وَقَدْ سَلَكَ طَرِيقَهُ، وَأَمَا مُتَّبِعُ الْهَوَى الْمَحْضِ: فَهُوَ مَنْ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَيُعَانِدُ عَنْهُ.
-
وَثَمَّ قِسْمٌ آخَرُ - وَهُمْ غَالِبُ النَّاسِ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ هَوَى، وَلَهُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي قَصَدَ إِلَيْهِ شُبْهَةٌ، فَتَجْتَمِعُ الشَّهْوَةُ وَالشُّبْهَةُ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ، وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ» .
-
فَالْمُجْتَهِدُ الْمَحْضُ مَغْفُورٌ لَهُ أَوْ مَأْجُورٌ، وَصَاحِبُ الْهَوَى الْمَحْضِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذَابِ، وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ الْمُرَكَّبَ عَلَى شُبْهَةٍ وَهَوًى: فَهُوَ مُسِيءٌ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَرَجَاتٌ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ، وَبِحَسَبِ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ.
-
وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ - مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى فِقْهٍ أَوْ تَصَوُّفٍ - مُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ.
- ج ١ ص ١٨٨
وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أُصُولُ مالك، وَأُصُولُ أحمد، وَبَعْضُ أُصُولِ غَيْرِهِمَا: هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ غَالِبُ مُعَامَلَاتِ السَّلَفِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ فِي مَعَاشِهِمْ إِلَّا بِهِ، وَكُلُّ مِنْ تَوَسَّعَ فِي تَحْرِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ غَرَرًا: فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى إِجَازَةِ [مَا حَرَّمَهُ] ، فَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِهِ الَّذِي يُقَلِّدُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَحْتَالَ، وَقَدْ رَأَيْنَا النَّاسَ وَبَلَغَتْنَا أَخْبَارُهُمْ، فَمَا رَأَيْنَا أَحَدًا الْتَزَمَ مَذْهَبَهُ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ مَفْسَدَةَ التَّحْرِيمِ لَا تَزُولُ بِالْحِيلَةِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُحَرِّمَ الشَّارِعُ عَلَيْنَا أَمْرًا نَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ لَا يُبِيحُهُ إِلَّا بِحِيلَةٍ لَا فَائِدَةَ فِيهَا وَإِنَّمَا هِيَ مَنْ جِنْسِ اللَّعِبِ.
-
وَلَقَدْ تَأَمَّلْتُ أَغْلَبَ مَا أَوْقَعَ النَّاسَ فِي الْحِيَلِ، فَوَجَدْتُهُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: إِمَّا ذُنُوبٌ جُوزُوا عَلَيْهَا بِتَضْيِيقٍ فِي أُمُورِهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا دَفْعَ هَذَا الضِّيقِ إِلَّا بِالْحِيَلِ، فَلَمْ تَزِدْهُمُ الْحِيَلُ إِلَّا بَلَاءً، كَمَا جَرَى لِأَصْحَابِ السَّبْتِ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: ١٦٠] [النِّسَاءِ: ١٦٠] ، وَهَذَا الذَّنْبُ ذَنْبٌ عَمَلِيٌّ، وَإِمَّا مُبَالَغَةٌ فِي التَّشْدِيدِ لِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ تَحْرِيمِ الشَّارِعِ، فَاضْطَرَّهُمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ إِلَى الِاسْتِحْلَالِ بِالْحِيَلِ، وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَأَخَذَ مَا أَحَلَّ لَهُ، وَأَدَّى مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحْوِجُهُ إِلَى الْحِيَلِ الْمُبْتَدَعَةِ أَبَدًا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَإِنَّمَا بَعَثَ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ.
-
فَالسَّبَبُ الْأَوَّلُ: هُوَ الظُّلْمُ.
-
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ. وَالظُّلْمُ، وَالْجَهْلُ هُمَا وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: ٧٢] [الْأَحْزَابِ: ٧٢] .