كتاب الاعتكاف

٥٩ فقرة، ج ١ ص ٤٥٤

الصفحة ٢ من ٢

  1. فقال القاضي: هي ككفارة الوطء في رمضان قياساً لها عليها.

    ج ١ ص ٤٥٩
  2. وعن أبي بكر: هي كفارة يمين؛ لأنها كفارة نذر فكانت كفارة يمين كسائر

    ج ١ ص ٤٦٠كفاراته. وأما المباشرة فيما دون الفرج فإن كانت لغير شهوة فهي مباحة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدني رأسه إلى عائشة فترجله وهو معتكف، وإن كانت لشهوة فهي محرمة؛ لقول عائشة: «السنة للمعتكف أن لا يمس امرأة ولا يباشرها.» رواه أبو داود.

  3. فإن فعل فأنزل أفسد اعتكافه وإلا فلا، كقولنا في الصوم. وإن شرب مسكراً أو ارتد فسد اعتكافه؛ لأنه خرج بذلك عن أن يكون من أهل المسجد فصار كالخارج منه، وكل موضع فسد اعتكافه التطوع فلا قضاء عليه ولا غيره لأنه لا يلزم بالشروع فهو كصوم النفل، وإن كان نذراً متتابعاً بطل ما مضى منه واستأنف؛ لأن التتابع وصف في الاعتكاف أمكن أن يأتي به فلزمه، كعدة الأيام. وإن كان نذره مدة معينة ففيه وجهان:

    أحدهما: يبطل ما مضى ويستأنف؛ لأنه اعتكاف متتابع فأشبه المقيد بالتتابع لفظاً.

  4. والثاني: لا يبطل الماضي ويستأنف؛ لأن التتابع حصل ضرورة التعيين، والتعيين مصرح به في النذر، فالمحافظة على المصرح به أولى. فعلى هذا يقضي ما أفسده ويتم كما لو أفسد لعذر، وعليه كفارة في الوجهين جميعاً.

  5. فصل:
  6. وليس للمعتكف بيع ولا شراء إلا لما لا بد منه كالطعام ونحوه، ولا يتكسب بالصنعة؛ لأن الاعتكاف لزوم طاعة الله وعبادته في المسجد، والتجارة فيه تنافيه، فإن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن البيع والشراء في المسجد.» وهو حديث حسن، فإن خرج ترك اعتكافه. ولا يخيط في المسجد ولا يعمل صنعة، سواء كان محتاجاً إلى ذلك أو لم يكن؛ لأن المسجد لم يبن لذلك، قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المعتكف يخيط: لا ينبغي له أن يعتكف إذا كان يريد أن يعمل. وإن فعل شيئاً من ذلك في المسجد لم يفسد اعتكافه لأنه لا ينافيه.

  7. فصل:
  8. وليس له أن يبول في المسجد في إناء؛ لأن هذا يقبح ويفحش فوجب صيانة المسجد عنه، كما لو أراد أن يبول في أرضه ثم يغسله، وإن أراد الفصد أو الحجامة، أو القيء فيه فهو كذلك؛ لأنه إراقة النجاسة فهو كالبول، وإن دعت إلى ذلك ضرورة، خرج من المسجد ففعله، كما يخرج لحاجة الإنسان، وإن استغنى عنه فليس له فعله وللمستحاضة الاعتكاف وتحترز بما يمنع تلويث المسجد؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «اعتكفت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المسجد امرأة من نسائه فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي» . أخرجه البخاري. ولأن هذا لا يمنع الصلاة فلم يمنع الاعتكاف، بخلاف ما قبله.

  9. فصل:
  10. ويجوز للمعتكف الأكل في المسجد، ويضع سفرة أو غيرها يسقط عليها ما يقع منه كيلا يتلوث المسجد، ويغسل يده في طست ليفرغ خارج المسجد، ولا يجوز له الخروج لغسل يديه؛ لأنه خروج لما له منه بد، وله أن يتنظف ويرجل شعره ويغسله؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعله وهو معتكف، وله أن يتطيب ويلبس رفيع الثياب؛ لأن هذه عبادة لا تحرم اللباس، فلا تحرم ذلك كالصوم، وله أن يتزوج ويشهد النكاح لذلك، وله أن يحدث غيره ويأمر بحاجته؛ لما «روت صفية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته ثم قمت لأنقلب فقام معي ليقلبني.» متفق عليه.

  11. فصل:
  12. ويستحب له التشاغل بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن، واجتناب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش والإكثار من الكلام، فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف الذي هو استشعار بطاعة الله تعالى ولزوم عبادته وبيته، أولى، ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام؛ لم يبطل بمحرمه كالصوم.

  13. فصل:
  14. فأما التزام الصمت فليس من شريعة الإسلام لما روى قيس بن مسلم قال: دخل أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على امرأة من أحمس، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت. رواه البخاري. وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا صمات يوم إلى الليل» رواه أبو داود. فإن نذر ذلك فهو كنذر المعاصي على ما سيأتي.

    قال ابن عقيل: ولا يجوز جعل القرآن بدلاً من الكلام؛ لأنه استعمال له في غير ما هو له، فهو كتوسد المصحف، وقد جاء: لا يناظر بكتاب الله. أي: لا يتكلم به عند الشيء تراه، كأن ترى رجلاً جاء في وقته فتقول: وجئت على قدر يا موسى. وذكر أبو عبيد نحو هذا.

  15. فصل:
  16. وأما قراءة القرآن وتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ومذاكرتهم وكتابة العلم فحكي فيه روايتان:

    إحداهما: يستحب، اختارها أبو الخطاب؛ لأن ذلك أفضل العبادات لتعدي نفعه، ويمكن فعله في المسجد فكان مستحباً له كالصلاة.

  17. والثانية: لا يستحب وهو ظاهر المذهب؛ لأن الاعتكاف عبادة شرط لها المسجد، فلم يستحب ذلك فيها كالطواف والصلاة. وعلى هذه الرواية فعله لهذه الأمور أفضل من اعتكافه الشاغل عنها. قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلاً يقرئ في المسجد يريد أن يعتكف لعله أن يختم في كل يوم؟ فقال: إذا فعل هذا كان لنفسه، وإذا قعد في المسجد كان له ولغيره، يقرئ أحب إلي.

  18. فصل:
  19. ومن اعتكف العشر الأخير من رمضان استحب أن يبيت ليلة الفطر في معتكفه، ثم يخرج من المصلى في ثياب اعتكافه؛ لأن أبا قلابة وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا مجلز والمطلب بن حنطب وإبراهيم النخعي كانوا يستحبون ذلك، ولأنها ليلة تتلو العشر ورد الشرع بالترغيب في قيامها والعبادة فيها، فأشبهت ليالي العشر، والله سبحانه وتعالى أعلم.