كتاب الرجعة
١٤ فقرة، ج ٣ ص ١٤٧
- ج ٣ ص ١٤٧
إذا طلق الحر زوجته بعد الدخول بغير عوض أقل من ثلاث، أو العبد أقل من اثنتين، فله ارتجاعها ما دامت في العدة، لقول الله سبحانه: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] إلى قَوْله تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: ٢٢٨] . يريد الرجعة عند جماعة أهل التفسير. وقال تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: ٢٢٩] . وروى ابن عمر قال: «طلقت امرأتي وهي حائض، فسأل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: مره فليراجعها» . متفق عليه. وعن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طلق حفصة وراجعها» . رواه أبو داود.
-
وإن انقضت عدتها، لم يملك رجعتها، لقوله سبحانه: {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة: ٢٢٨] وإن طلق قبل الدخول، فلا رجعة له؛ لأنه لا عدة عليها، فلا تربص في حقها يرتجعها فيه، وكل هذا مجمع عليه بحمد الله.
- فصل:
-
وإذا كانت حاملاً باثنين فوضعت أحدهما، فله رجعتها قبل وضع الثاني؛ لأن العدة
ج ٣ ص ١٤٨لا تنقضي إلا بوضع الحمل كله. وإن طهرت ذات القرء من القرء الثالث ولم تغتسل، ففيه روايتان:
إحداهما: له رجعتها. اختاره كثير من أصحابنا؛ لأن ذلك يروى عن أبي بكر وعمر وعلي وغيرهم.
-
والثانية: لا رجعة له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] . وهي الحيض، وقد زال الحيض. وهذا اختيار أبي الخطاب.
- فصل:
-
ويملك رجعتها بغير رضاها، لقول الله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] ولا تفتقر الرجعة إلى ولي ولا صداق لأنها إمساك. وهل تفتقر إلى إشهاد؟ فيه روايتان:
إحداهما: تفتقر إلى الإشهاد، لقول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه استباحة بضع مقصود، أشبه النكاح.
-
والثانية: لا يجب؛ لأنه إمساك لا يفتقر إلى رضى المرأة، أشبه التكفير في الظهار.
- فصل:
-
والرجعية: زوجة، بدليل أن الله تعالى سمى الرجعة إمساكاً، وسمى المطلقين بعولة. فقال سبحانه وتعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: ٢٢٨] فيلحقها طلاقه، وظهاره، ولعانه، وخلعه، ويرثها وترثه؛ لأنها زوجه، فثبت فيها ما ذكرنا، كما قبل الطلاق.
- فصل:
-
والرجعية مباحة لزوجها، فلها التزين والتشرف له، وله السفر بها، والخلوة معها، ووطؤها في ظاهر المذهب، لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: ٥] {إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: ٦] وهذه زوجة. وعنه: أنها محرمة وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنها معتدة من طلاقه فحرمت عليه، كالمختلعة. فإن وطئها، فلا حد عليه؛ لأنها زوجته، ولا مهر عليه كذلك. ويحتمل أن يجب المهر على القول
ج ٣ ص ١٤٩بالتحريم، إذا أكرهها على الوطء؛ لأنه وطء حرمه الطلاق، فأشبه وطء المختلعة.
- فصل:
-
وتحصل الرجعة بالوطء في ظاهر المذهب، قصد، أو لم يقصد؛ لأن سبب زوال الملك انعقد مع الخيار، والوطء من المالك يمنع زواله، كوطء البائع في مدة الخيار، ولا يحصل باستمتاع سواه من قبله أو لمس، أو نظر إلى محرم منها، في ظاهر كلام أحمد. وقال ابن حامد: يخرج فيه وجهان: مبنيان على الروايتين في تحريم المصاهرة به. فأما الخلوة بها، فليست رجعة بحال؛ لأن تحريم المصاهرة لا يثبت بها.
وقال بعض أصحابنا: يحصل بها؛ لأنه محرم من غير الزوجة، فأشبه الاستمتاع. وعن أحمد: لا تحصل الرجعة إلا بالقول. وهو ظاهر كلام الخرقي، لقول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] ولا يحصل الإشهاد إلا على القول، ولأنه استباحة بضع مقصود، أشبه النكاح.