فصل في شروط الرقبة في كفارة الظهار

٢٢ فقرة، ج ٣ ص ١٧١

  1. فصل:
  2. ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة، لقول الله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] . نص على المؤمنة في كفارة القتل، وقسنا عليها سائر الكفارات؛ لأنها في معناها. وعنه: يجزئه في سائر الكفارات ذمية، لإطلاق الرقبة فيها.

  3. فصل:
  4. ولا يجزئ إلا رقبة سالمة من العيوب المضرة بالعمل ضرراً بيناً؛ لأن المقصود تمليك العبد منفعته، وتمكينه من التصرف، ولا يحصل هذا مع العيب المذكور، فلا يجزئ الأعمى؛ لأنه يعجز عن الأعمال التي يحتاج فيها إلى البصير، ولا الزمن، ولا مقطوع اليد أو الرجل؛ لأنه يعجز عن أعمال كثيرة، ولا مقطوع الإبهام أو السبابة أو الوسطى من اليد؛ لأن نفعها يبطل بهذا، ولا مقطوع الخنصر والبنصر في يد واحدة كذلك، وقطع أنملتين من أصبع كقطعها؛ لأن نفعها يذهب بذلك، ولا يمنع قطع أنملة واحدة؛ لأنها تصير كالإصبع القصيرة إلا الإبهام، فإنها أنملتان، فذهاب إحداهما كقطعها، لذهاب نفعها، وإن قطعت الخنصر من يد، والبنصر من أخرى، لم يمنع؛ لأن نفع اليد لا يبطل به. ولا يجزئ الأعرج عرجاً فاحشاً؛ لأنه يضر بالعمل، فهو كقطع الرجل، فإن كان عرجاً يسيراً، أجزأ؛ لأنه لا يضر ضرراً بيناً.

  5. ولا يجزئ الأخرس الذي لا تفهم إشارته، فإن فهمت إشارته، فالمنصوص أن الأخرس لا يجزئ. وقال القاضي وأبو الخطاب: يجزئ، إلا أن يجتمع معه الصمم، فإنهما إذا اجتمعا أضرا ضرراً بيناً.

  6. ولا يجزئ المجنون جنوناً مطبقاً؛ لأنه لا يصلح لعمل، ولا من أكثر زمنه الجنون؛ لأنه يعجز عن العمل في أكثر زمنه، فإن كان أكثره الإفاقة، ولا يمنعه من العمل، أجزأ لعدم الضرر البين.

    ج ٣ ص ١٧٢
  7. فصل:
  8. ويجزئ الأعور؛ لأنه يدرك ما يدركه ذو العينين، وأجدع الأنف والأذنين والأصم؛ لأنه كغيره في العمل. ويجزئ الخصي والمجبوب كذلك، ويجزئ المرهون والجاني والمدبر وولد الزنا كذلك، ويجزئ الأحمق وهو الذي يخطئ ويعتقد خطأه صواباً.

  9. ويجزئ المريض الموجو برؤه، والنحيف القادر على العمل، فأما ما لا يرجى برؤه، أو لا يقدر على العمل فلا يجزئ؛ لأنه لا عمل فيه. ويجزئ عتق الغائب، المعلوم حياته؛ لأنه ينتفع بنفسه حيث كان، وإن شك في حياته، لم تبرأ ذمته؛ لأن الوجوب ثابت بيقين، فلا يزول بالشك، فإن تبين أنه كان حياً، تبينا أن الذمة برئت بعتقه.

  10. فصل:
  11. ولا يجزئ عتق الجنين؛ لأنه لم يثبت له أحكام الرقاب، فإن أعتق صبياً، فقال الخرقي: لا يجزئه حتى يصلي ويصوم؛ لأن الإيمان قول وعمل، ولأنه لا يصح منه عبادة، لفقد التكليف، فلم يجزئ في الكفارة كالمجنون.

    وقال القاضي: لا يجزئ من له دون السبع في ظاهر كلام أحمد، وقال في موضع آخر: يجزئ عتق الصغير في جميع الكفارات، إلا كفارة القتل، فإنها على روايتين. وقال أبو بكر وغيره: يجزئ الطفل في جميع الكفارات؛ لأنه ترجى منافعه وتصرفه، فأجزأ كالمريض المرجو. ولا يجزئ عتق مغصوب؛ لأنه ممنوع من التصرف في نفسه، فأشبه الزمن.

  12. فصل:
  13. ولا يجزئ عتق أم الولد في ظاهر المذهب؛ لأن عتقها مستحق بسبب آخر، فلم يجزئ كعتق قريبه، ولأن الرق فيها غير كامل، بدليل أنه لا يملك نقل ملكه فيها، وعنه: تجزئ؛ لأنها رقبة، فتتناول الآية بعمومها. وفي المكاتب ثلاث روايات:

    إحداهن: يجزئ مطلقاً.

  14. والأخرى: لا يجزئ مطلقاً، ووجهها ما ذكرنا.

  15. والثالثة: إن أدى من كتابته شيئاً، لم يجزئ؛ لأنه حصل العوض عن بعضها، فلم يعتق رقبة كاملة، وإن لم يؤد شيء أجزأ؛ لأنه لم يقتض عن شيء منها، أشبه المدبر.

  16. فصل:
  17. وإن اشترى من يعتق عليه ينوي بشرائه العتق عن الكفارة، عتق ولم يجزئه؛ لأن عتقه مستحق في الكفارة، فلم يجزئه، كما لو استحق عليه الطعام في النفقة، فدفعه عن الكفارة. وإن اشترى عبداً بشرط العتق، فأعتقه عن الكفارة، لم يجزه كذلك، ولو قال: إن وطئتك فعلي أن أعتق عبدي، ثم وطئها وأعتق العبد عن ظهاره، أجزأه؛ لأنه لم يتعين عتقه عن الإيلاء، بل هو مخير بين عتقه، وبين كفارة يمين.

  18. فصل:
  19. ولو ملك نصف عبد وهو موسر، فاعتق نصيبه، ونوى عتق الجميع عن كفارته، لم يجزئه في قول الخلال وصاحبه، وحكاه صاحبه عن أحمد؛ لأن عتق النصيب الذي لشريكه استحق بالسراية، فلم يجزئه، كما لو اشترى قريبه ينوي به التكفير. وقال غيرهما: يجزئ؛ لأن حكم السراية حكم المباشرة، بدليل أنه لو جرحه فسرى إلى نفسه، كان كمباشرة قتله، وإن كان معسراً عتق نصيبه، فإن ملك النصف الآخر فأعتقه عن الكفارة، أجزأه؛ لأنه أعتق جميعه في وقتين، فأجزأ، كما لو أطعم المساكين في وقتين.

  20. وإن أعتق نصف عبدين، فقال الخرقي: يجزئ؛ لأن أبعاض الجملة كالجملة في الزكاة والفطرة، كذلك في الكفارة. وقال أبو بكر: لا يجزئ؛ لأن المقصود تكميل الأحكام، ولا يحصل بإعتاق نصفين، فعلى قوله، إذا أعتق الموسر نصف عبد، عتق جميعه، ولا يجزئه إعتاق نصف آخر.

  21. فإن أعتق عبده عن كفارة غيره بغير إذنه، لم يجزئه؛ لأنها عبادة، فلم تجز عن غيره بغير أمره مع كونه من أهل الأمر، كالحج، إلا أن يكون ميتاً، فيجزئ عنه؛ لأنه لا سبيل إلى إذنه، فصح من غير إذنه، كالحج عنه.

  22. وإن أعتقه عن كفارة حي بأمره، صح، وأجزأ عن الكفارة إذا نواها؛ لأنه أعتق عنه بأمره، فأجزأه، كما لو ضمن له عوضاً وعنه: لا يجزئ إلا أن يضمن له عوضاً؛ لأن العتق بغير عوض كالهبة، ومن شرطها القبض، ولم يحصل.