كتاب الديات

٦٣ فقرة، ج ٤ ص ٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. وإن أركبهما من لا ولاية له عليهما، فعليه ضمان ما تلف منهما؛ لأنه تلف بسبب جنايته، وإن أركب الصبي من لا ولاية له، فصدمه كبير فقتله، فالضمان على الصادم؛ لأنه مباشر، فيقدم على المتسبب، وإن مات الكبير فقتله، فضمانه على الذي أركب الصبي؛ لأنه تلف بسبب جنايته، وإن اصطدمت امرأتان حاملان، فحكمهما في أنفسهما ما ذكرنا، وعلى كل واحد منهما نصف ضمان جنينها، ونصف ضمان جنين الأخرى؛ لأنهما اشتركا في قتلهما لجنايتهما عليهما، وإن تصادم عبدان فماتا، فهما هدر؛ لأن جناية كل واحد منهما تتعلق برقبته، فتفوت بفواته، فإن مات أحدهما فقيمته في رقبة الآخر، كسائر جناياته.

    ج ٤ ص ٩
  2. فصل:
  3. وإن اصطدمت سفينتان فغرقتا، لتفريط من القيمين، مثل تقصيرهما في آلتهما، وتركهما ضبطهما مع إمكانه، أو تسييرهما إياهما في ريح شديدة لا تسير السفن في مثلها، ضمن كل واحد منها سفينة الآخر بما فيها، كالفارسين إذا اصطدما، فإن لم يفرطا، فلا ضمان عليهما؛ لأنه تلف حصل بأمر لا صنع لهما فيه، ولا تفريط منهما، أشبه التلف بصاعقة، وإن فرط أحدهما دون صاحبه، ضمن المفرط وحده. وإن فرطا جميعًا، وكان أحدهما منحدرًا، والآخر مصعدًا، فعلى المنحدر ضمان المصعد؛ لأن المنحدر كالسائر، والمصعد كالواقف، فيختص المنحدر بالضمان كالسائر. ومن غرق سفينة فيها ركبان بسبب يقتل مثله غالبًا عمدًا، فعليه القصاص، وإن كان خطأ، فعلى عاقلته دية الركبان. وإن كان عمدًا بسبب لا يقتل مثله غالبًا، فقتلهم شبه عمد.

  4. فصل:
  5. وإذا قال بعض ركبان السفينة لرجل: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، وجب عليه ضمانه؛ لأنه استدعى منه إتلاف ماله بعوض، لغرض صحيح، فأشبه ما لو قال: أعتق عبدك وعلي ثمنه، وإن قال: ألقه وضمانه علي، وعلى ركبان السفينة ففعل، فعليه بحصته من الضمان. إن كانوا عشرة فعليه العشر، ويسقط سائره؛ لأنه جعل الضمان على الجميع، فلم يجب عليه أكثر من حصته، وإن قال: ألق ونحن نضمنه لك، وعلي تحصيله لك لزمه؛ لأنه تكفل له بتحصيل عوضه، وكذلك إن قال: قد أذنوا لي في الضمان عنهم، فألقه ونحن ضمنا لك، ضمن جميعه؛ لأنه غره.

  6. فصل:
  7. وإذا رمى أربعة بالمنجنيق، فقتل الحجر رجلًا، فعلى كل واحد منهم ربع ديته، وإن قتل الحجر أحدهم، ففيه وجهان:

    أحدهما: يسقط ربع ديته، ويلزم شركاءه ثلاثة أرباعها؛ لأنه مات بفعله وفعلهم، فهدر ما قابل فعله، ولزم شركاءه الباقي، كما مات من جراحاتهم، وجراح نفسه.

  8. الثاني: يلزم شركاءه جميع ديته، ويلغو فعل نفسه، قياسًا على المصطدمين.

  9. وإن كانوا ثلاثة فما دون، ففيه وجه ثالث، وهو أن يجب ثلث دية المقتول على عاقلته لورثته، ويجب على عاقلة الآخرين ثلثا ديته.

  10. فصل:
  11. إذا وقع رجل في بئر، ووقع آخر خلفه من غير جذب ولا دفع فمات الأول، وجبت ديته على الثاني؛ لما روى علي بن رباح اللخمي: أن بصيرًا كان يقود أعمى، فخرا في بئر، ووقع الأعمى فوق البصير فقتله، فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى، فكان الأعمى ينشد في الموسم:

    يا أيها الناس لقيت منكرا ... هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا

    خرا معًا كلاهما تكسرا

    ولأن الأول مات بوقوع الثاني عليه، فوجبت ديته عليه، وإن مات الثاني هدرت ديته؛ لأنه لا صنع لغيره في هلاكه، وإن ماتا معًا، فعليه ضمان الأول، ودمه هدر كذلك، وإن وقع عليهما ثالث، فدية الأول على الثاني والثالث؛ لأنه مات بوقوعهما عليه، ودية الثاني على الثالث؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه، فانفرد بديته، ودم الثالث هدر، هذا إذا كان الوقوع عليه هو الذي قتله، فإن كان البئر عميقًا يموت الواقع بمجرد وقوعه، لم يجب الضمان على أحد؛ لأن كل واحد منهم مات بوقعته، لا بفعل غيره. وإن احتمل الأمرين فكذلك؛ لأن الأصل عدم الضمان.

  12. فصل:
  13. فإن خر رجل في زبية أسد، فجذب ثانيًا، وجذب الثاني ثالثًا، وجذب الثالث رابعًا، فقتلهم الأسد، فدم الأول هدر؛ لأنه لا صنع لأحد في إلقائه، وعليه دية الثاني؛ لأنه السبب في قتله، وعلى الثاني دية الثالث كذلك، وعلى الثالث دية الرابع، كذلك.

  14. وفيه وجه آخر: أن دية الثالث على الأول، والثاني نصفين؛ لأن جذب الأول الثاني سبب في جذب الثالث، ودية الرابع على الثلاثة أثلاثًا كذلك، وقد روي عن أحمد: أنه ذهب فيها إلى قضية علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو ما روى حنش الصنعاني: «أن قومًا من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فوقع فيها، فاجتمع الناس على رأسها، فهوى فيها واحد، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، ثم جذب الثالث رابعًا، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال: للأول ربع الدية؛ لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية؛ لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث نصف الدية؛ لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع الدية كاملة، وقال: وإني أجعل الدية على من حفر رأس البئر، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: هو كما قال» رواها سعيد بن منصور بإسناده، وذكرها أحمد. واحتج بها، وذهب إليها، فإن كان هلاكهم لوقوع بعضهم على بعض، فلا شيء على الرابع؛ لأنه لا صنع له، وتجب ديته على الثالث في إحدى الوجهين؛ لأنه المباشر لجذبه.

    ج ٤ ص ١١
  15. وفي الثاني: ديته على الثلاثة أثلاثًا، وتجب دية الثالث على الثاني في أحد الوجوه، والثاني تجب ديته على الأول والثاني نصفين، ويلغى فعل نفسه، والثالث يهدر ما قابل فعله في نفسه، ويجب على عاقلة الآخرين ثلثا ديته، والرابع يهدر نصف ديته، ويجب على عاقلة الثاني نصفها، وأما الثاني: ففيه ثلاثة أوجه:

    أحدها: تجب ديته على الأول والثالث نصفين.

  16. والثاني: يهدر من ديته ثلثها؛ لأنه قابل فعل نفسه، ويجب ثلثاها على الأول والثالث.

  17. والثالث: تجب الدية على عواقلهم ثلاثتهم.

  18. وفي الأول ثلاثة أوجه:

    أحدها: تجب ديته على الثاني والثالث نصفين.

  19. والثاني: يجب عليهما ثلثاها ويسقط ثلثها.

  20. والثالث: تجب الدية على عواقلهم كلهم.

  21. فصل:
  22. إذا تجارح رجلان، وزعم كل واحد منهما، أنه جرح الآخر دفعًا عن نفسه، وجب على كل واحد منهما ضمان صاحبه؛ لأن الجرح قد وجد، وما يدعيه من القصد لم يثبت فوجب الضمان، والقول قول كل واحد منهما مع يمينه في نفي القصاص؛ لأن ما يدعيه محتمل فيندرئ به القصاص؛ لأنه يندرئ بالشبهات.

  23. فصل

    ومن اضطر إلى طعام إنسان، أو شرابه، فمنعه مع غناه عنه فهلك ضمنه؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قضى بذلك، ولأنه قتله بمنعه طعامًا يجب دفعه إليه فضمنه، كما لو منعه طعامه فهلك بذلك. وإن رآه في مهلكة فلم ينجيه لم يضمنه؛ لأنه لم يتسبب إلى قتله بخلاف التي قبلها، وقال أبو الخطاب - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يلزمه ضمانه على قياس التي قبلها، ولا يصح؛ لأنه في الأول منعه من تناول ما تبقى حياته به، فنسب هلاكه إليه، بخلاف هذا، فإنه لا صنع له فيه.

    ج ٤ ص ١٢