باب النذر

٧٢ فقرة، ج ٤ ص ٢١٢

الصفحة ٢ من ٢

  1. إذا نذر صيام ثلاثين يوماً، لم يلزمه التتابع. نص عليه؛ لأن لفظه لا يقتضي التتابع. وعنه فيمن نذر صيام عشرة أيام: يلزمه التتابع؛ لأن الصيام الواجب بأصل الشرع متتابع. والأول أولى، وهذا محمول على من نوى التتابع أو شرطه، لما ذكرناه. وإن نذر صيام شهر، ففيه روايتان:

    إحداهما: لا يلزمه التتابع؛ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين، وعلى ثلاثين يوماً، فلا يلزمه ما بين الهلالين، فصار كنذر ثلاثين يوماً.

    ج ٤ ص ٢١٧
  2. والثانية: يلزمه التتابع؛ لأن الشهر اسم لأيام متتابعة. فإن صام ما بين الهلالين، أجزأه، تاماً كان أو ناقصاً؛ لأنه شهر، وإن بدأ من أثناء شهر، لزمه ثلاثون يوماً؛ لأن الشهر العادي ثلاثون يوماً. وإن نذر صيام أشهر متتابعة، فبدأ من أول شهر، صامهن بالأهلة. وإن بدأ من أثناء شهر، صام شهراً بالعدد، وباقيها بالأهلة، لما ذكرنا في صوم الظهار.

  3. فإن أفطر بالصيام المتتابع لغير عذر، لزمه الاستئناف؛ لأنه أمكنه الإتيان بالمنذور على صفته، فلزمه، كحال الابتداء. وإن أفطر لعذر يوجب الفطر، كالمرض المخوف، والحيض، خير بين الاستئناف؛ لأنه يجزئه مع عدم العذر، فمع العذر أولى، وبين البناء والتكفير؛ لأن الفطر لعذر لا يقتضي التتابع حكماً، بدليل فطر المظاهر في الشهرين لعذر، ويكفر لترك صفة النذر؛ لأن النذر كاليمين.

    ج ٤ ص ٢١٨
  4. وإن أفطر لعذر يبيح الفطر، كالسفر، ففيه وجهان:
  5. أحدهما: يقطع التتابع؛ لأنه أفطر باختياره، أشبه غير المعذور.

  6. والثاني: لا يقطعه؛ لأنه عذر للفطر في رمضان، فأشبه المرض. فأما إن نذر صوم شهر بعينه، فأفطر لغير عذر، ففيه روايتان:

    إحداهما: يلزمه الاستئناف؛ لأنه صوم يجب متتابعاً، أشبه المنذور متتابعاً.

  7. والثانية: لا يلزمه وجوب التتابع من جهة الوقت، لا للنذر، فلم يبطله الفطر كشهر رمضان. وإن أفطر لعذر، بنى، وعليه كفارة في الموضعين، لتركه صفة نذره.

  8. وعنه: لا تجب الكفارة مع العذر؛ لأنه تركه بأمر الشرع، فلم يلزمه كفارة، كما لو نذر الصدقة بجميع ماله، وتصدق بثلثه.

  9. فصل:
  10. وإن نذر صيام سنة معينة، لم يدخل في نذره رمضان، ويوما العيدين؛ لأنه لا يقبل الصوم عن النذر، فلم يدخل في نذره، كالليل. وفي أيام التشريق روايتان. وإن نذر صوم سنة، فهل يلزمه سنة متتابعة؟ فيه روايتان على ما ذكرنا في الشهر. فإن قلنا: يلزمه التتابع، فحكمها حكم المعينة، وإن قلنا: لا يلزمه التتابع، لزمه اثنا عشر شهراً بالأهلة، إلا أن يبتدئ صوم شهر من أثنائه، أو لا يوالي بينه، فيلزمه ثلاثون يوماً، فإن صام سنة متوالية، قضى عن شهر رمضان ويومي العيدين.

  11. فصل:
  12. وإن نذر صوم يوم يقدم فلان، فقدم ليلاً، لم يلزمه شيء؛ لأنه لم يتحقق شرطه، فلم يجب نذره. وإن قدم نهاراً، لم يخل من ثلاثة أحوال:

  13. أحدها: قدم والناذر مفطر، فيه روايتان:
  14. إحداها: لا يلزمه شيء؛ لأنه قدم في وقت لا يصح فيه صومه شرعاً، أشبه ما لو قدم ليلاً.

  15. والثانية: يلزمه القضاء والكفارة؛ لأنه علق نذره بزمن المستقبل ولم يف به، فلزمه القضاء والكفارة، كما لو نذر صوم يوم الخميس فأفطره.

    ج ٤ ص ٢١٩
  16. الثاني: قدم والناذر صائم من رمضان، أو فرضاً غيره، ففيه روايتان:

    إحداهما: يجزئه صومه عنهما؛ لأنه نذر صومه وقد وفى به.

  17. والثانية: حكمه حكم من أفطره؛ لأنه لم يصمه عن نذره.

  18. الثالث: قدم والناذر صائم تطوعاً، أو ممسك، ففيه وجهان:

    أحدهما: يتم صومه، ويجزئه؛ لأن سبب الوجوب وجد في أثنائه قبل فطره، فأشبه ما لو قال: لله علي صوم بقية يومي.

  19. والثاني: يلزمه القضاء والكفارة؛ لأنه صوم واجب، فلم يصح بنية من النهار، كالقضاء.

  20. فصل:
  21. وإذا نذر الحج العام، وعليه حجة الإسلام، ففيه روايتان:

    إحداهما: يجزئه الحج عنهما.

  22. والثانية: يلزمه حجة أخرى، أصلها إذا نذر صوم يوم، فوافق يوماً من رمضان.

  23. فصل:
  24. وإذا عجز عن الوفاء بالنذر، لم يخل من خمسة أحوال:

    أحدها: أن يعجز عجزاً لا يرجى زواله، لكبر، أو مرض غير مرجو الزوال أو غيره، فعليه كفارة يمين لا غير، لما روى عقبة بن عامر قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب» متفق عليه؛ ولأن النذر كاليمين إلا فيما لا يطيق. قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: من نذر نذراً لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً يطيقه، فليف لله بما نذر. وسواء كان عاجزاً وقت النذر، أو تجدد العجز؛ لأنهما سواء في فوات النذر.

  25. وعن أحمد فيمن نذر صوماً، فعجز عنه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه: أنه يطعم عن كل يوم مسكيناً. اختاره الخرقي؛ لأنه صوم وجد سبب إيجابه عيناً، فأشبه صوم رمضان، والأول أقيس.

  26. الثاني: أن يعجز عجزاً مرجو الزوال نحو المرض. فإذا كان النذر غير موقت، أخره حتى يزول العارض ثم يأتي به، وإن كان موقتاً، كصوم شهر معين. فإذا زال العجز قضاه؛ لأنه صوم واجب يلزمه قضاؤه كرمضان، وعليه كفارة اليمين؛ لأن النذر كاليمين. وعنه: لا كفارة عليه؛ لأن المنذور محمول على المشروع، ولو أفطر في رمضان لعذر، لم يلزمه كفارة، كذا هاهنا.

    ج ٤ ص ٢٢٠
  27. الثالث: أن يمنعه الشرع من الوفاء بنذره، مثل أن يصادف عيداً، أو حيضاً ففيه وجهان. بناء على الروايتين فيما قبلها. وإن صادف أيام التشريق، فكذلك في إحدى الروايتين، وفي الأخرى، يصح صيامها للفرض، لما ذكرنا في صيامها عن دم المتعة، وإن صادف رمضان لم يجزئ صومه عن النذر، وكان حكمه كما لو صادف يوم العيد. وقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان، ونذره، وقد ذكر ذلك.

  28. الرابع: أن يصادفه النذر مجنوناً، فلا شيء عليه؛ لأنه خرج عن أهلية التكليف قبل وقت النذر، أشبه ما لو فاته.

  29. الخامس: أن يموت، فإن كان ذلك قبل وقت النذر، فلا شيء عليه؛ لأنه خرج عن أهلية التكليف. وإن كان بعده، أو كان النذر غير موقت، فعل ذلك وليه، لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» متفق عليه.

  30. وعن ابن عباس قال: «أتى رجل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها، ماتت، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء» . رواه البخاري. فثبت القضاء للصوم والحج بالنص. وقسنا عليه غيره للمعنى المشترك بينهما.

  31. وفي الصلاة روايتان:

    إحداهما: تقضى عنه لما ذكرناه.

  32. والثانية: لا تقضى؛ لأنها لا تدخلها نيابة، ولا كفارة، فلم تقض عنه، كحالة الحياة وكل موضع قلنا: يقضي عنه الولي، فإنه على سبيل الندب، لا الوجوب؛ لأن قضاء دينه لا يجب على وليه. فكذلك النذر المشبه به.