باب الدعاوى
٧٢ فقرة، ج ٤ ص ٢٥٢
الصفحة ١ من ٢
- ج ٤ ص ٢٥٢
لا تصح دعوى المجهول في غير الوصية والإقرار؛ لأن القصد في الحكم فصل الخصومة والتزام الحق، ولا يمكن ذلك في المجهول. فإن كان المدعى ديناً، ذكر الجنس والنوع والصفة. وإن كان عيناً باقية ذكر صفتها. وإن ذكر قيمتها، كان أحوط. وإن كانت تالفة لها مثل، ذكر صفتها. وإن ذكر القيمة كان أحوط. وإن لم يكن لها مثل ذكر قيمتها. وإن كان سيفاً محلى بذهب، أو فضة، قومه بغير جنس حليته. وإن كان محلى بهما، قومه بما شاء منهما للحاجة. وإن ادعى حقاً من وصية أو إقرار، جاز أن يدعي مجهولاً؛ لأنهما يصحان بالمجهول. وإذا ادعى مالاً، لم يحتج إلى ذكر سببه الذي ملك به؛ لأن أسبابه كثيرة، فيشق معرفة كل درهم منه.
- فصل:
-
وإن ادعى عقد نكاح، لزم ذكر شروطه، فيقول: تزوجتها بولي مرشد، وشاهدي عدل، وإذنها، إن كان إذنها معتبراً؛ لأنه مبني على الاحتياط. وتتعلق العقوبة بجنسه، فاشترط ذكر شروطه، كالقتل. وإن ادعى استدامة النكاح، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه ذكر الشروط؛ لأنه يثبت بالاستفاضة التي لا يعلم معها اجتماع الشروط.
-
والثاني: يلزم؛ لأنها دعوى في النكاح، أشبه العقد. وإن ادعى عقداً يستحق به المال، كالبيع والإجارة، لم يحتج إلى ذكر شروطه؛ لأن مقصوده المال، أشبه دعوى العين. ويحتمل أن يفتقر إلى ذلك لأنه عقد، فأشبه النكاح. وإن ادعى قصاصاً في
ج ٤ ص ٢٥٣نفس أو طرف، فلا بد من ذكر صفة الجناية، وأنها عمد، منفرداً بها، أو مشاركاً فيها، ويذكر صفة العمد؛ لأنه قد يعتقد ما ليس بعمد عمداً. والقتل مما لا يمكن تلافيه، فلا يؤمن أن يقتص ممن لا يجب القصاص فيه، وهو ما لا يمكن تلافيه، فوجب الاحتياط فيه.
- فصل:
-
وما لزم ذكره في الدعوى، فلم يذكره، سأله الحاكم عنه ليذكره، فتصير الدعوى معلومة، فيمكن الحكم بها، والله أعلم.
- فصل:
-
واذا ادعت المرأة النكاح على رجل، وذكرت معه حقاً من حقوق النكاح، سمعت دعواها؛ لأن حاصل دعواها دعوى الحق من المهر، والنفقة، ونحوهما، وذكر النكاح لبيان السبب. وإن لم تذكر معه حقاً، فذكر القاضي أن دعواها تسمع أيضاً؛ لأن النكاح يتضمن حقوقاً، فصح دعواها له، كالبيع. وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر، أن دعواها لا تسمع؛ لأنه حق عليها، فدعواها له إقرار، ولا يسمع مع إنكار المقر له.
- فصل:
-
وإذا ادعى مالاً مضافاً إلى سببه، فقال: أقرضته ألفاً، أو أتلف علي ألفاً، فقال: ما أقرضني، وما أتلفت عليه، صح الجواب؛ لأنه نفى ما ادعى عليه. وإن قال: لا يستحق علي شيئاً، ولم يتعرض لما ذكر المدعي، صح الجواب أيضاً؛ لأنه إذا لم يستحق عليه شيئاً، برئ منه.
- فصل:
-
وإذا ادعى على رجل عيناً في يده، أو ديناً في ذمته، فأنكره، ولا بينة له، فالقول قول المنكر مع يمينه، لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» . رواه البخاري ومسلم. وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة الحضرمي والكندي: «شاهداك أو يمينه» ؛ ولأن الأصل براءة ذمته من الدين، والظاهر من اليد الملك. وإذا تداعيا عيناً في أيديهما، ولا بينة، حلفا، وجعلت بينهما نصفين، لما روى أبو موسى الأشعري: «أن رجلين تداعيا دابة ليس لأحدهما بينة، فجعلها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهم» . رواه مسلم.
-
ولأن يد كل واحد منهما على نصفها، فكان القول قوله فيه، كما لو كانت العين في يد أحدهما.
- ج ٤ ص ٢٥٤
وإن تداعيا عيناً في يد غيرهما، ولا بينة لواحد منهما، أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حلف أنها له وسلمت إليه، لما روى أبو هريرة «أن رجلين تداعيا عيناً لم يكن لواحد منهما بينة، فأمرهما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يستهما على اليمين، أحبا أم كرها» . رواه أبو داود؛ ولأنهما تساويا، ولا بينة لهما، فيقرع بينهما، كالزوجتين إذا أراد الزوج السفر بإحداهما. وإن كانت للمدعي أو لأحد المتداعيين بينة، حكم له بها، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث الحضرمي: «ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه» ؛ ولأن البينة حجة صريحة في إثبات الملك، لا تهمة فيها، فكانت أولى من اليمين التي يتهم فيها.
- فصل:
-
وإن ادعيا عيناً في يد غيرهما، فأقام كل واحد منهما بينة، ففيها ثلاث روايات، إحداهن، تقدم بينة المدعي، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فجعل البينة للمدعي؛ ولأن بينة المدعي أكثر فائدة؛ لأنها تثبت شيئاً لم يكن. وبينة المنكر إنما تثبت ظاهراً دلت اليد عليه، فلم تفد؛ ولأنه يجوز أن يكون مستند بينة المنكر، رؤية التصرف، ومشاهدة اليد، فأشبهت اليد المفردة.
-
والثانية: تقدم بينة المنكر؛ لأنهما تعارضتا، ومع صاحب اليد ترجيح بها، فقدمت، كالنصين إذا تعارضا والقياس مع أحدهما.
-
والثالثة: إن شهدت بينة المدعى عليه بالسبب من نتاج، أو نسج، أو قطيعة، أو كانت أقدم تاريخاً، قدمت وإلا فلا، لما روى جابر «أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في دابة، أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة أنها له أنتجها، فقضى بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للذي هي في يده» ؛ ولأنها إذا شهدت بالسبب، أفادت ما لا تفيد اليد، وترجحت باليد، فوجب ترجيحها، وكل من قضي له ببينة، لم يستحلف معها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «شاهداك، أو يمينه، ليس لك إلا ذلك» ؛ ولأن اليمين تكفي وحدها في حق من شرعت في حقه، فالبينة أولى؛ لأنها أقوى. وسواء كان الخصم ممن يعبر عن نفسه، كالمكلف، أو ممن لا يعبر عن نفسه، كغيره، لما ذكرنا.
- فصل:
-
فإن ادعى الخارج أن الدابة ملكه، أودعها إياه، أو أجره إياها، وأنكر الآخر، وأقاما بينتين، فبينة الخارج أولى. وقال القاضي: بينة الداخل أولى؛ لأنه الخارج في المعنى، ولنا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي» ؛ ولأن اليمين على الداخل، فكانت بينة الخارج مقدمة، كما لو لم يدع الوديعة.
- فصل:
-
وإن تداعيا عيناً في يديهما، وأقام كل واحد منهما بينة أنها ملكه، تعارضتا، وقسمت العين بينهما نصفين، لما روى أبو موسى: «أن رجلين اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعير، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالبعير بينهما نصفين» . رواه أبو داود؛ ولأن بينة الداخل أو الخارج مقدمة، فكل واحد خارج في نصفها، داخل في نصفها الآخر، فقدمت بينته في أحد النصفين. وهل يلزم اليمين كل واحد منهما في النصف المحكوم له به؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يلزم، لما ذكرنا.
-
والثانية: تجب اليمين؛ لأن البينتين تساوتا فتساقطتا، فصارا كمن لا بينة لهما.
-
وذكر أبو الخطاب رواية أخرى: أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حلف وأخذها؛ لأنهما لما تساويا وجب المصير إلى القرعة، كالعبيد في العتق؛ والأول أولى؛ للخبر والمعنى.
- فصل:
-
وإن تداعيا عيناً في يد غيرهما، فاعترف أنه لا يملكها، وأقام كل واحد منهما البينة أنها له، ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: تسقط البينتان، ويقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حلف أنها له وسلمت إليه؛ لأنهما تساويا من غير ترجيح بيد ولا غيرها، فوجب أن يسقطا، كالنصين ويصار إلى القرعة، كالعبيد إذا تساووا. وقد روى الشافعي حديثاً رفعه إلى ابن المسيب «أن رجلين اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أمر، وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما» .
-
والثانية: تقسم العين بينهما، لحديث أبي موسى؛ لأنهما تساويا في الدعوى والبينة واليد، فوجب أن تقسم العين بينهما، كما لو كانت في أيديهما.
-
والثالثة: يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، أخذها بغير يمين؛ لأن القرعة أوجبت العمل بإحدى البينتين، ولا حاجة إلى اليمين مع البينة.
- فصل:
-
وإذا ادعى عيناً في يد إنسان، فأقر بها لغيره وصدقه المقر له، حكم له؛ لأنه مصدق فيما بيده، وقد صدقه المقر له، فصار كصاحب اليد، وتنتقل الخصومة إليه، وعلى المقر اليمين لأنه لا يعلم أنها للمدعي لأنه لو أقر بها له، لزمه غرمها، ومن لزمه
ج ٤ ص ٢٥٦الغرم مع الإقرار، لزمته اليمين مع الإنكار. فإن نكل عنها مع طلبها منه، قضي عليه بالغرم وإن أكذبه المقر له، وقال: ليست لي، وكان للمدعي بينة حكم له.
- وإن لم يكن له بينة، ففيه وجهان:
-
أحدهما: تدفع إليه؛ لأنه يدعيها ولا منازع له فيها، أشبه التي في يده؛ ولأن صاحب اليد لو ادعاها ثم نكل، قضي عليه، فمع عدم ادعائه لها أولى.
-
والثاني: لا تدفع إليه؛ لأنه ليس له إلا مجرد الدعوى، فلا يحكم بها، كما لو أنكره الآخر، فعلى هذا يأخذها الإمام، يحفظها حتى يظهر صاحبها؛ لأنه لم يثبت لها مستحق، فهي كالضالة. ويحتمل أن تقر في يد المقر؛ لأنه لم يثبت صحة إقراره. فإن أقر المقر له بها للمدعي، سلمت إليه؛ لأنه قام مقام صاحب اليد لو ادعاها، فقام مقامه في الإقرار بها.
-
وإن أقر بها صاحب اليد لغائب معين، صار الغائب الخصم فيها. فإن أقام المقر بينة أنها للغائب، سمعها الحاكم لإزالة التهمة، وإسقاط اليمين عنه، ولم يحكم بها للغائب؛ لأنه إنما يقضي بها إذا أقامها المدعي أو وكيله. وليس المدعي واحداً منهما. ومتى لم يكن للمدعي بينة، لم يقض له بها؛ لأنه لا يقضى على الغائب بغير حجة. فإن أقام بينة سمعها الحاكم، وقضى بها. والغائب على خصومته متى حضر، فإذا حضر فأقام بينة أنها ملكه، تعارضت البينتان، وأقرت في يد المدعي إن قلنا: إن بينة الخارج مقدمة؛ لأنه خارج. وإن قلنا: تقدم بينة الداخل، فهي للغائب؛ لأنه صاحب اليد، وإن ادعى الحاضر أنها معه بأجرة، أو عارية، وأقام بينة، لم يقض له بها؛ لأن ثبوت الإجارة والعارية يترتب على الملك، ولا يثبت الملك بها، فكذلك فرعها. وإن أقر الحاضر بها لمجهول، لم تسمع. وقيل: إن أقررت بها لمعروف، وإلا جعلناك ناكلاً، وقضينا عليك له. فإن أصر، قضي عليه بنكوله. فإن قال بعد ذلك: هي لي، لم يقبل في أحد الوجهين؛ لأنه اعترف أنها ليست له.
-
والثاني: تسمع؛ لأن قوله ذلك لم يصح، فلم يمنع صحة الدعوى لنفسه.
- فصل:
-
وإن ادعى أن هذه العين كانت ملكه، لم تسمع دعواه حتى يدعي ملكها في الحال؛ لأن الخلاف في ملكه لها في الحال. وإن ادعى ملكها في الحال، فشهدت بينته أنها كانت ملكه أمس، أو أنها كانت في يده أمس، لم تسمع لأنها شهدت بغير ما ادعاه. ويحتمل أن تسمع، ويقضى بها؛ لأنها تثبت الملك في الزمن الماضي، فيجب استدامته حتى يعلم زواله. فإن انضم إليها بيان سبب يد الثاني، فقالت: نشهد أنها ملك
ج ٤ ص ٢٥٧هذا أمس، فغصبها هذا منه، أو سقطت، فالتقطها هذا، حكم له بها؛ لأنه تثبت أن يد الثاني عدوان، ليست دليلاً للملك، فيجب القضاء باستدامة الملك الماضي، وإن ادعى جارية أو ثمرة، فشهدت بينة أن الجارية بنت أمته، والثمرة ثمرة شجرته، لم يحكم له بها؛ لأنه يجوز أن تلدها، أو تثمرها قبل ملكه. فإن قالت مع ذلك: ولدتها في ملكها، وأثمرتها في ملكه، حكم له بها؛ لأنها شهدت أنها نماء ملكه، فصار كما لو شهدت أن الغزل من قطنه، وإن شهدت بينة أن الغزل من قطنه، أو الطير من بيضته، أو الدقيق من حنطته، حكم له بها؛ لأن الجميع عين ماله، وإنما تغيرت صفته.
- فصل:
-
وإن كانت في يد زيد دار، فادعى آخر أنه ابتاعها من غيره وهي ملكه، فأقام ذلك بينة، حكم له بها؛ لأنه ابتاعها من مالكها. وإن شهدت أنه باعه إياها، وسلمها إليه، حكم له بها؛ لأنه لم يسلمها إليه إلا وهي في يده. وإن لم يذكر الملك ولا التسليم، لم يحكم بها؛ لأنه لا يمكن أن يبيعه ما لا يملكه، فلا تزال يد صاحب اليد. وإن ادعاها رجلان، فشهد لأحدهما رجلان، أن صاحب اليد غصبه إياها، وشهد للآخر شاهدان، أن صاحب اليد أقر له بها، حكم للمغصوب منه؛ لأنه ثبت أن صاحب اليد غاصب، وإقرار الغاصب غير مقبول.
- فصل: