الفصل الثالث
٤٧٤ فقرة، ج ٢ ص ٨٤
الصفحة ١٢ من ١٢
- ج ٢ ص ٢٢٠
فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب.
-
٥٦٦ - كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد، قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى
ج ٢ ص ٢٢١فيه النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب، أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبِيَعاً. فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض (١) .
-
٥٦٧ - فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب، التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه (٢) بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب.
-
٥٦٨ - وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في النية أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة (٣) : هل فعلها استحباباً أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها.
- ج ٢ ص ٢٢٢
٥٦٩ - وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه: هل فعله لأنه كان أسمح بخروجه، أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك.
-
ومن هذا وضعُ ابن عمر يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم (١) .
-
وتعريف ابن عباس (٢) بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة، فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة.
-
٥٧٠ - بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا أنه سنة مستحبة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
- ج ٢ ص ٢٢٣
أو يقال في /التعريف: إنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة.
-
٥٧١ - وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين. فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ليس لغيره أن يسن ولا يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه، ولا يكون في الدين واجباً إلا ما أوجبه، ولا حراماً إلا ما حرمه، ولا مستحباً إلا ما استحبه، ولا مكروها إلا ما كرهه، ولا مباحاً إلا ما أباحه.
-
٥٧٢ - وهكذا في الإباحات، كما استباح أبو طلحة أكل البَرد وهو صائم (١) .
-
واستباح حذيفة السحور بعد ظهور الضوء المنتشر حتى قيل هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع (٢) . وغيرهما من الصحابة لم يقل بذلك، وجب الرد إلى الكتاب والسنة.
- ج ٢ ص ٢٢٤
٥٧٣ - وكذلك الكراهية والتحريم. مثل كراهة عمر وابنه للطيب قبل الطواف بالبيت (١) .
- ج ٢ ص ٢٢٥
وكراهة من كره من الصحابة فسخ الحج إلى التمتع، أو التمتع مطلقاً (١) ، أو رأى تقدير مسافة القصر بحدٍّ حدَّه، وأنه لا يقصر بدون ذلك (٢) ، أو رأى أنه ليس للمسافر أن يصوم في السفر (٣) .
-
ومن ذلك قول سلمان: إن الريق نجس (٤) .
-
وقول ابن عمر: إن الكتابية لا يجوز نكاحها (٥) .
-
وتوريث معاذ ومعاوية للمسلم من الكافر (٦) .
-
ومنع عمر وابن مسعود للجنب أن يتيمم (٧) .
- ج ٢ ص ٢٢٦
وقول علي وزيد وابن عمر في المفوِّضة: إنه لا مهر لها إذا مات الزوج (١) .
-
وقول علي وابن عباس في المتوفى عنها الحامل: إنها تعتدُّ أبْعَدَ الأجَلَين (٢) .
-
وقول ابن عمر وغيره: إن المحرم إذا مات بطل إحرامه وفعل به ما يفعل بالحلال (٣) .
- ج ٢ ص ٢٢٧
وقول ابن عمر وغيره: لا يجوز الاشتراط في الحج (١) .
-
وقول ابن عباس وغيره في المتوفى عنها: ليس عليها لزوم المنزل (٢) .
-
وقول عمر وابن مسعود: إن المبتوتة لها السكنى والنفقة (٣) .
-
وأمثال ذلك مما تنازع فيه الصحابة، فإنه يجب فيه الرد إلى الله والرسول، ونظائر هذا كثير فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- ج ٢ ص ٢٢٨
٥٧٤ - ومن قال من العلماء: "إن قول الصحابي حجة" فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على القول، فقد يقال: "هذا إجماع إقراري" ، إذا عرف أنهم أقروه لم ينكره أحد منهم، هم لا يقرون على باطل.
-
٥٧٥ - وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال: "هو حجة" . وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق.
-
٥٧٦ - وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم.
-
٥٧٧ - وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعياً له ولا شافعاً فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعاً بعد مماته، كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا.
-
٥٧٨ - بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمناً حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا
ج ٢ ص ٢٢٩فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا " فيسقون (١) .
-
٥٧٩ - وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، لم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا (٢) بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس.
-
٥٨٠ - فلو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟.
-
٥٨١ - فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته.
-
٥٨٢ - وحديث الأعمى حجة لعمر / وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء: "قل اللهم شفعه فيَّ"، وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته، كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق [لسنة] رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المخالف لعمر محجوجاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليه لا له. والله أعلم.