الفصل الثالث

٤٧٤ فقرة، ج ٢ ص ٨٤

الصفحة ٥ من ١٢

  1. ٣٧٦ - والقاضي عياض لم يذكرها في كتابه في باب زيارة قبره بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه، وإنما ذكرها في سياق

    ج ٢ ص ١٢٩أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه.

    ج ٢ ص ١٢٨
  2. ٣٧٧ - وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. قال: وحج حجتين فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه.

  3. ٣٧٨ - وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه. فقيل له يوماً في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المنكدر - وكان سيد القراء - لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه.

  4. ٣٧٩ - ولقد كنت أرى جعفر بن محمد - وكان كثير الدعابة والتبسم - فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة.

  5. ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله.

  6. ٣٨٠ - ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

  7. ٣٨١ - ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع.

    ج ٢ ص ١٣٠
  8. ٣٨٢ - ولقد رأيت الزهري وكان لمِن أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته.

  9. ٣٨٣ - ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه (١) .

  10. فهذا كله نقله القاضي عياض من كتب أصحاب مالك المعروفة.

  11. ٣٨٤ - ثم ذكر حكاية بإسناد غريب (٢) منقطع رواها عن غير واحد إجازة، قالوا: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرح، ثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، ثنا يعقوب (٣) بن إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا ابن حميد (٤) قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول / الله

    ج ٢ ص ١٣١صلى الله عليه وسلم، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قوماً فقال (٤٩: ٢) {لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية، ومدح قوماً فقال (٤٩: ٣) : {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية، وذم قوماً فقال (٤٩: ٤) : {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية، وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً. فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى (٤: ٦٤) : {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} .

  12. ٣٨٥ - قلت: وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين (١) ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه (٢) .

  13. وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذّبه أبو زرعة (١) وابن وارة (٢) .

    وقال صالح بن محمد الأسدي (٣) : ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه (٤) .

    وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير (٥) .

    وقال النسائي: ليس بثقة (٦) .

    وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات (٧) .

    ج ٢ ص ١٣٢
  14. وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب (١) وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد ابن إسماعيل السهمي (٢) توفي سنة تسع وخمسين ومائتين.

    ج ٢ ص ١٣٣
  15. وفي الإسناد أيضاً من لا يعرف حاله (٣) .

  16. وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل (٤) حكاية لا تعرف إلا من جهته! (٥) .

  17. ٣٨٦ - هذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخرسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث!.

    ج ٢ ص ١٣٤
  18. ٣٨٧ - مع أن قوله: "وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة" . إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة، وذلك هو التوسل شفاعته يوم القيامة، وهذا حق.

  19. ٣٨٨ - كما جاءت به الأحاديث الصحيحة (١) حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردّهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كما قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر" (٢) .

  20. ٣٨٩ - ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه:

    أحدها، قوله: "أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله وأدعو! " فقال: "ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم" ؛ فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين أن الداعي إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو

    ج ٢ ص ١٣٦لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له. هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.

    ج ٢ ص ١٣٥
  21. وعند أصحاب أبي حنيفة، لا يستقبل القبر وقت السلام (١) عليه أيضاً.

  22. ثم منهم من قال: يجعل الحجرة عن (٢) يساره - وقد رواه ابن وهب عن مالك - ويسلم عليه.

  23. ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه وهذا هو المشهور عندهم. ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر.

  24. ٣٩٠ - لذلك قال القاضي عياض في المبسوط عن مالك: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي" .

  25. ٣٩١ - قال: وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر/، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثم ينصرف (٣) .

  26. ٣٩٢ - ورؤي واضعاً يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه (١) .

    ج ٢ ص ١٣٧
  27. ٣٩٣ - قال: وعن ابن أبي قسيط والقعنبي، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسَّوا برمانة المنبر التي تلي (٢) القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون (٣) .

  28. ٣٩٤ - قال: وفي الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي أنه كان - يعني ابن عمر - يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر (٤) .

  29. وعند ابن القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر.

    قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

    ج ٢ ص ١٣٨
  30. ٣٩٥ - وقال في المبسوط: ويسلم على أبي بكر وعمر (١) .

    قال أبو الوليد الباجي: وعندي أن (٢) يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ

    ج ٢ ص ١٣٩الصلاة، ولأبي بكر وعمر (١) [بلفظ السلام] ؛ لما في حديث ابن عمر من الخلاف.

  31. وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب، قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر.

  32. ٣٩٦ - فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه كما تقدم تفسيره، وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في الواضحة وغيره.

    قال: وقال مالك في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء (٢) . وقال فيه أيضاً: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر، أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر (٣) . قيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة. فقال مالك: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا

    ج ٢ ص ١٤٠لمن جاء من سفر أو أراده (١) .

    قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوا أتوا القبر فسلموا (٢) . قال: ولذلك (٣) رأي.

  33. ٣٩٧ - قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم (٤) .

  34. ٣٩٨ - قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" ، "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٥) .

  35. ٣٩٩ - قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيداً" (٦) .

  36. ٤٠٠ - قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة (٧) فيمن وقف بالقبر: لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلاً.

  37. ٤٠١ - وفي (العتبية) - يعني عن مالك -: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد صلى الله عليه وسلم (١) ، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت ... .

    ج ٢ ص ١٤١
  38. ٤٠٢ - فهذا قول مالك وأصحابه، وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم [يكونوا] يقصدون القبر إلا للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له. وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بدعائه لنفسه؟ (٢) .

  39. ٤٠٣ - وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصدُ الدعاء عند القبر مشروعاً لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟.

  40. ٤٠٤ - فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله: "استقبله واستشفع به" كذب على مالك، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة

    ج ٢ ص ١٤٢والتابعين وأفعالهم التي نقلها (١) مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه فضلاً عن أن يستقبله ويستشفع به، يقول له: يا رسول الله اشفع لي أو ادع/ لي، أو يشتكي إليه (٢) المصائب [في] (٣) الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أو يشتكي إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين، وإن كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويبلّغ سلام البعيد (٤) .