منهج شيخ الإسلام في هذا الكتاب

٥٢ فقرة، ج ١ ص ٢٤

الصفحة ١ من ٢

  1. إن هذا الإمام واسع الاطلاع، طويل الباع، عميق الفهم فهو الإمام الفذ في التفسير وعلومه، والحافظ الناقد في الحديث وعلومه، وهو الفقيه المبرز والأصولي المتمكن، والمجتهد المطلق، والعالم بالملل والنحل، والمنطق والفلسفة والتصوف والكلام، والعارف بأباطيلها وزيفها وغشها وخداعها.

    ج ١ ص ٢٤
  2. عرف العلوم المسماة بالعقلية أكثر من أهلها المختصين فيها وعرف عيوبها وزيفها وخطرها وما تؤدي إليه من ضلال وهلاك، فوجه ما حباه الله به من طاقات، فزلزل قواعدها، ودك معاقلها.

  3. وعرف التصوف وما ينطوي عليه من شرور وخرافات وأباطيل واصطلاحات فاسدة ومغالطات تفسد وتدمر الدين والعقل، فثلَّ عروشه ودمر قواعده، وكشف تلك المغالطات بالحجج الواضحة والبراهين الساطعة.

  4. وخرج من معاركه العلمية والجهادية ظافرًا منتصرًا انتصاراً حاسماً فلا ترى لخصومه إلى يومنا هذا إلا معارك فاشلة وحججاً متهاوية وكلاماً فارغاً إلا من المغالطات التي لا تنطلي إلا على الأغبياء.

  5. ومن علامات هزائمهم أن كثيراً منهم يتظاهرون بمدحه واحترامه، ثم يكيدون لدعوته إلى التوحيد بنقل ما يزعمون أنه يؤيد باطلهم من كلامه بعد بتره وتشويهه.

  6. هذا ما يقال بصفة إجمالية بالنسبة لجهوده في مؤلفاته الجليلة.

  7. أَمَّا منهجه في هذا الكتاب فإنه يعرض القضية من القضايا ويدرسها من كل النواحي التي تتطلبها الدراسات العلمية؛ من الناحية اللغوية والتفسيرية والحديثية والتأريخية والأصولية والفقهية، ويضرب الأمثال، ويقرب النظير من الأمور إلى نظيره بطريقة فذة تدل على غزارة علمه وقوة استحضاره وقدرته على استحضار الأمثال والأشباه من المسائل وهذا شأنه في جميع مؤلفاته - رحمه الله -.

    ج ١ ص ٢٥
  8. وإنني لأعترف أنني لم أوف هذا الكتاب حقه من الدراسة لأسباب منها؛ خوف الإطالة وضيق وقتي، فأجتزئ بنماذج من منهجه الفذ في هذا الكتاب القيم.

  9. قال - رحمه الله - فيما يتعلق بلفظ التوسل فقرة (٢٣٦) : "إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة، ويفعلونه ومعنى ذلك، ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع فيه من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب" .

  10. ثم بين معاني التوسل والوسيلة في لغة القرآن والسنة وكلام الصحابة وأن من أعظم معاني التوسل التقرب إلى الله بالإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقيام بكل واجب ومستحب أمر الله به ورسله، وطاعة الرسول في كل ما أمر به ونهى عنه، وأن من معانيه: التوسل إلى الله بدعائه وشفاعته في حياته في الدنيا وبدعائه وشفاعته في

    ج ١ ص ٢٦الحياة الأخرى وأثبت له أنواعاً من الشفاعة منها الشفاعة العظمى، وأن الصحابة إذا أطلقوا لفظ التوسل إنما يريدون به هذا.

  11. وأن التوسل في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به، والسؤال به كما يقسمون ويسألون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح.

  12. وهذا هو التوسل المحدث المبتدع، والذي ليس له أصل في الكتاب والسنة ولا في عرف الصحابة ومن اتبعهم بإحسان وقد بين كل هذه الأنواع بياناً شافياً مفرقاً فيها بين الحق والباطل، هذه فكرة إجمالية عن موضوع الكتاب الأساسي.

  13. وله جولات تتخلل بحوثه ومناقشاته العلمية؛ لغوية وتفسيرية وأصولية وفقهية وانتقادات حديثية وإلزامات جدلية يدعم بها وجهات نظره التي هداه الله إليها وسدد خطاه فيها.

  14. قال - رحمه الله - وهو ينتقد قصة المنصور مع مالك:

  15. ١ - من جهة الإسناد:
  16. فقرة (٣٨٤) : "ثم ذكر حكاية - يعني القاضي عياضا - بإسناد غريب منقطع رواها عن غير واحد إجازة، ثم ذكر إسناده إلى محمد بن حميد الرازي وساق القصة إلى قوله: فقال - أي المنصور -: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعوا أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. فقال: ولم تصرف وجهك عنه؟ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله.

    ج ١ ص ٢٧قال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما} سورة النساء، آية (٦٤) .

    قال شيخ الإسلام رحمه الله فقرة (٣٨٥) : "قلت:

    أ - وهذه الحكاية منقطعة فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً، لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين.

  17. ولم يخرج من بلده حتى رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه.

  18. ب - وهو مع ذلك ضعيف عند أكثر أهل الحديث كذبه أبو زرعة وابن وارة.

    وقال صالح بن محمد الأسدي: "ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه، وأحذق بالكذب منه".

    وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير.

    وقال النسائي: ليس بثقة.

    وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات.

  19. ج - وفي الإسناد أيضاً من لا يعرف حاله.

  20. د - وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه.

  21. ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته ".

    ج ١ ص ٢٨
  22. هذه أربع علل تقدح في ثبوت هذه الحكاية من جهة الإسناد، كل واحدة منها كافية لردها:

    الأولى: الانقطاع بين محمد بن حميد وبين مالك.

  23. والثانية: الطعن في عدالته فهو ضعيف من جهة عدالته بل رمي بالكذب من أئمة معتبرين.

  24. والثالثة: تفرد هذا الرجل المطعون في عدالته بهذه الحكاية عن أصحاب مالك على كثرة عددهم وعدالتهم وملازمتهم لمالك.

  25. والرابعة: جهالة بعض رواة هذه القصة.

  26. ٢ - ثم يردها من وجه آخر وهو طريقة أصحاب مالك وشروطهم في قبول المسائل الفقهية البحته فكيف بالمسائل الفقهية العقدية التي تناقض مذهبه مناقضة صريحة.

    فقال: "وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه. بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد ابن مسلم ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه، رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه، وهو ضعيف عند أهل الحديث" الفقرة (٣٨٦) .

  27. ٣ - ثم إن ما يتعلق به المجيزون للتوسل بالجاه وبالذوات لا دليل

    ج ١ ص ٢٩لهم في هذه الحكاية التي تعلقوا بها، فيقول في الفقرة (٣٨٧) (١) :

    "مع أن قوله: وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام يوم القيامة" إنما يدل على توسل آدم وذريته يوم القيامة، وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة وهذا حق كما جاءت به الأحاديث الصحيحة وساق حديثاً من أحاديث الشفاعة.

  28. ٤ - مناقضتها لمذهب مالك المعروف عنه من وجوه أحدها: قوله: "أستقبل القبلة وأدعوا أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعو؟ " .

    فقال: - أي مالك - "ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة آبيك آدم" .

  29. فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين، أن الداعي إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له.

  30. هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.

  31. وعند أصحاب أبي حنيفة، لا يستقبل القبر - وقت السلام عليه - أيضاً، ثم منهم من قال: "يجعل الحجرة عن يساره، وقد رواه ابن وهب عن مالك" .

    ج ١ ص ٣٠
  32. ثم نقل الروايات عن مالك في هذه القضية عن القاضي عياض عن المبسوط في مذهب مالك وعن غيره ونقل أقوال أصحاب مالك رحمهم الله ونقل كلام الباجي وابن حبيب وغيرهما، واستدلالهم بالأحاديث وبفعل ابن عمر وبواقع التابعين.

  33. ٥ - ثم انتهى إلى القول الآتي: "فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة في قوله: " استقبله واستشفع به ". كذبٌ على مالك مخالف لأقواله وأقوال أصحابه والتابعين وأفعالهم التي نقلها مالك وأصحابه، ونقلها سائر العلماء، إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه، فضلاً عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له: يا رسول الله اشفع لي أو ادع لي أو يشتكي إليه المصائب في الدين والدنيا أو يطلب منه أو من غيره من الأموات من الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة الذين لا يراهم، أن يشفعوا له أو يشتكي إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين، ومن ضاهاهم من مبتدعي هذه الأمة ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين" .

  34. وهكذا يبطل هذه القصة من جهات عديدة: من جهة إسنادها ومتنها، ومن جهة مناقضتها للمعروف المشهور من مذهب الإمام مالك الذي نسبت إليه كذبا وبمناقضتها لمذاهب الأئمة وما كان عليه خير القرون من سلف هذه الأمة.

  35. ٦ - يؤكد على فساد معنى هذه الحكاية فيقول في الفقرة (٤٣٢) :

    "ومعلوم أن هذا لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سنه لأمته، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، لا مالك ولا غيره من الأئمة فكيف يجوز أن ينسب إلى مالك مثل هذا الكلام الذي لا يقوله إلا جاهل لا يعرف الأدلة الشرعية ولا الأحكام المعلومة بأدلتها الشرعية، مع علو مالك، وعظم فضيلته وإمامته وتمام رغبته في اتباع السنة وذم البدع وأهلها وهل يأمر بهذا أو يشرعه إلا مبتدع، فلو لم يكن عن مالك قول يناقض هذا لعلم أنه لا يقوله" .

    ج ١ ص ٣١
  36. ٧ - ثم يكر على الحكاية وعلى فساد معناها من حيث اللغة العربية فيقول في فقرة (٤٣٣) : "ثم قال في الحكاية: " استقبله واستشفع به فيشفعك الله".

    والاستشفاع به معناه في اللغة، أن يطلب منه الشفاعة كما يستشفع الناس به يوم القيامة، وكما كان أصحابه يستشفعون به ... .

  37. وإذا كان الاستشفاع منه طلب شفاعته، فإنما يقال في ذلك استشفع به فيشفعه الله فيك، لا يقال فيشفعك الله فيه، وهذا معروف في الكلام ولغة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر العلماء.

  38. يقال: شفع فلان في فلان فشفع فيه، فالمشفَّع الذي يشفِّعه المشفوع إليه هو الشفيع المستَشفَع به، لا السائل الطالب من غيره أن يشفع له.

  39. ٨ - ويستمر في نقاش لغوي وشرعي إلى أن يقول في فقرة (٤٤١) : "ولكن هذا اللفظ الذي في الحكاية يشبه لفظ كثير من العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل فيقول أحدهم: اللهم إنا نستشفع إليك بفلان وفلان أي نتوسل به، ويقولون لمن توسل في دعائه بنبيٍّ أو غيره، قد تشفع به من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له بل وقد يكون غائباً لم يسمع كلامه ولا شفع له وهذا ليس هو لغة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلماء الأمة، بل ولا هو لغة العرب، فإن الاستشفاع طلب الشفاعة، والشافع هو الذي يشفع للسائل فيطلب له مايطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه.

    ج ١ ص ٣٢
  40. وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة، بل وقد لا يعلم بسؤاله فليس هذا استشفاعاً لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول.