فصل: مصارف الزكاة

٢٣ فقرة، ج ١ ص ١٩٥

  1. وَأَمَّا قَسْمُ الصَّدَقَاتِ فِي مُسْتَحِقِّيهَا؛ فَهِيَ لِمَنْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: ٦٠] . بَعْدَ أَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْسِمُهَا عَلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، حَتَّى لَزِمَهُ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ وَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، إذَا لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ" .

    ج ١ ص ١٩٥
  2. ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ الصَّدَقَاتِ بَعْدُ، فَعِنْدَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ فِي قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ بِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا بِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ حَتَّى تَوَلَّى قِسْمَتَهَا بِنَفْسِهِ" ١.

  3. فَوَاجِبٌ أَنْ تُقْسَمَ صَدَقَاتُ الْمَوَاشِي، وَأَعْشَارُ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ وَالْمَعَادِنِ، وَخُمُسُ الرِّكَاز؛ ِ لِأَنَّ جَمِيعَهَا زَكَاةٌ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ لِلْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ إذَا وُجِدُوا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخِلَّ بِصِنْفٍ مِنْهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ مَعَ وُجُودِهِمْ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى جَمِيعِهِمْ، وَفِي تَسْوِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَهُمْ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ مَا يَمْنَعُ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَوَاجِبٌ عَلَى عَامِلِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ تَكَامُلِهَا وَوُجُودِ جَمِيعِ مِنْ سُمِّيَ لَهَا أَنْ يَقْسِمَهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ بِالتَّسْوِيَةِ، فَيَدْفَعُ سَهْمًا مِنْهَا إلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْفَقِيرُ هُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ يَدْفَعُ السَّهْمَ الثَّانِيَ إلَى الْمَسَاكِينِ، وَالْمِسْكِينُ هُوَ الَّذِي لَهُ مَا لَا يَكْفِيهِ، فَكَانَ الْفَقِيرُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْهُ.

    وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمِسْكِينُ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ، وَهُوَ الَّذِي قَدْ أَسْكَنَهُ الْعَدَمُ، فَيَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا اتَّسَعَتِ الزَّكَاةُ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنِ اسْمِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ إلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الْغِنَى، وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِحَسَبِ حَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مِنْ يَصِيرُ بِالدِّينَارِ الْوَاحِدِ غَنِيًّا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ يَرْبَحُ فِيهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَغْنِي إلَّا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ ذَا جَلَدٍ يَكْتَسِبُ بِصِنَاعَتِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ دِرْهَمًا، وَقَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَكْثَرَ مَا يُعْطَاهُ الْفَقِيرُ

    ج ١ ص ١٩٦وَالْمِسْكِينُ بِمَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنَ الْوَرِقِ، وَمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ؛ لِئَلَّا تَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيمَا أَخَذَ مِنَ الزَّكَاةِ.

  4. ثُمَّ السَّهْمُ الثَّالِثُ سَهْمُ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَهُمْ صِنْفَانِ:

    أَحَدُهُمَا: الْمُقِيمُونَ بِأَخْذِهَا وَجِبَايَتِهَا.

  5. وَالثَّانِي: الْمُقِيمُونَ بِقِسْمَتِهَا وَتَفْرِيقِهَا مِنْ أَمِينٍ وَمُبَاشِرٍ مَتْبُوعٍ وَتَابِعٍ.

  6. جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أُجُورَهُمْ فِي مَالِ الزَّكَاةِ لِئَلَّا يُؤْخَذَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ سِوَاهَا، فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ قَدْرَ أُجُورِ أَمْثَالِهِمْ؛ فَإِنْ كَانَ سَهْمُهُمْ مِنْهَا أَكْثَرَ رُدَّ الْفَضْلُ عَلَى بَاقِي السِّهَامِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ تُمِّمَتْ أُجُورُهُمْ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَمِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ.

  7. وَالسَّهْمُ الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ يَتَأَلَّفُهُمْ لِمَعُونَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَصِنْفٌ يَتَأَلَّفُهُمْ لِلْكَفِّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَصِنْفٌ يَتَأَلَّفُهُمْ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَصِنْفٌ لِتَرْغِيبِ قَوْمِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ مُسْلِمًا جَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُشْرِكًا عَدَلَ بِهِ عَنْ مَالِ الزَّكَاةِ إلَى سَهْمِ الْمَصَالِحِ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ.

  8. وَالسَّهْمُ الْخَامِسُ: سَهْمُ الرِّقَابِ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ مَصْرُوفٌ فِي الْمُكَاتَبِينَ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ قَدْرَ مَا يُعْتَقُونَ بِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ يُصْرَفُ فِي شِرَاءِ عَبِيدٍ يُعْتَقُونَ.

  9. وَالسَّهْمُ السَّادِسُ: لِلْغَارِمِينَ، وَهُمْ صِنْفَانِ: صِنْفٌ مِنْهُمْ اسْتَدَانُوا فِي مَصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ مَعَ الْفَقْرِ دُونَ الْغِنَى مَا يَقْضُونَ بِهِ دُيُونَهُمْ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ اسْتَدَانُوا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى قَدْرَ دُيُونِهِمْ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ.

  10. وَالسَّهْمُ السَّابِعُ: سَهْمُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُمْ الْغُزَاةُ يُدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ قَدْرُ حَاجَتِهِمْ فِي جِهَادِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يُرَابِطُونَ فِي الثَّغْرِ دُفِعَ إلَيْهِمْ نَفَقَةُ ذَهَابِهِمْ، وَمَا أَمْكَنَ مِنْ نَفَقَاتِ مَقَامِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا يَعُودُونَ إذَا جَاهَدُوا أُعْطُوا نَفَقَةَ ذَهَابِهِمْ وَعَوْدِهِمْ.

  11. وَالسَّهْمُ الثَّامِنُ: سَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ، وَهُمْ الْمُسَافِرُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نَفَقَةَ سَفَرِهِمْ، يُدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ قَدْرُ كِفَايَتِهِمْ فِي سَفَرِهِمْ، وَسَوَاءٌ مَنْ كَانَ

    ج ١ ص ١٩٧مِنْهُمْ مُبْتَدِئًا بِالسَّفَرِ أَوْ مُجْتَازًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَدْفَعُهُ إلَى الْمُجْتَازِ دُونَ الْمُبْتَدِئِ بِالسَّفَرِ.

  12. وَإِذَا قُسِمَتِ الزَّكَاةُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ بَعْدَهَا مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:

    أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ وَفْقَ كِفَايَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ، فَقَدْ خَرَجُوا بِمَا أَخَذُوهُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ، وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ التَّعَرُّضُ لَهَا.

  13. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُقَصِّرَةً عَنْ كِفَايَتِهِمْ، فَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ أَهْلِهَا، وَيُحَالُونَ بِبَاقِي كِفَايَتِهِمْ عَلَى غَيْرِهَا.

  14. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ كَافِيَةً لِبَعْضِهِمْ مُقَصِّرَةً عَنِ الْبَاقِينَ، فَيَخْرُجُ الْمُكْتَفُونَ عَنْ أَهْلِهَا، وَيَكُونُ الْمُقَصِّرُونَ عَلَى حَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ.

  15. وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَفْضُلَ عَنْ كِفَايَةِ جَمِيعِهِمْ فَيَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْكِفَايَةِ، وَيُرَدُّ الْفَاضِلُ مِنْ سِهَامِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ.

  16. وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ تَفْضُلَ عَنْ كِفَايَاتِ بَعْضِهِمْ وَتَعْجِزُ عَنْ كِفَايَاتِ الْبَاقِينَ، فَيُرَدُّ مَا فَضَلَ عَنِ الْمُكْتَفِينَ عَلَى مَنْ عَجَزَ مِنَ الْمُقَصِّرِينَ حَتَّى يَكْتَفِيَ الْفَرِيقَانِ.

  17. وَإِذَا عُدِمَ بَعْضُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ قُسِمَتِ الزَّكَاةُ عَلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ وَلَوْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا؛ وَلَا يُنْقَلُ سَهْمُ مَنْ عُدِمَ مِنْهُمْ فِي جِيرَانِ الْمَالِ إلَّا سَهْمَ سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْغُزَاةِ، فَإِنَّهُ يُنْقَلُ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْكُنُونَ الثُّغُورَ فِي الْأَغْلَبِ؛ وَتُفَرَّقُ زَكَاةُ كُلِّ نَاحِيَةٍ فِي أَهْلِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُنْقَلَ زَكَاةُ بَلَدٍ إلَى غَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ أَهْلِ السَّهْمَانِ فِيهِ؛ فَإِنْ نَقَلَهَا عَنْهُ مَعَ وُجُودِهِمْ فِيهِ لَمْ يُجْزِئْهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَجْزَأَهُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.

  18. وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى كَافِرٍ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دَفْعَ زَكَاةِ الْفِطْرِ خَاصَّةً إلَى الذِّمِّيِّ دُونَ الْمُعَاهَدِ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَنْزِيهًا لَهُمْ عَنْ أَوْسَاخِ الذُّنُوبِ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دَفْعَهَا إلَيْهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ إلَى عَبْدٍ وَلَا مُدَبَّرٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ، وَلَا مَنْ رُقَّ بَعْضُهُ؛ وَلَا يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إلَى زَوْجَتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَدْفَعَ الْمَرْأَةُ زَكَاتَهَا إلَى زَوْجِهَا، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ.

  19. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ أَحَدٌ زَكَاتَهُ إلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ وَالِدٍ أَوْ وَلَدٍ لِغِنَاهُمْ بِهِ، إلَّا مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ إذَا كَانُوا مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَصَرْفُهَا فِيهِمْ

    ج ١ ص ١٩٨أَفْضَلُ مِنَ الْأَجَانِبِ، وَفِي جِيرَانِ الْمَالِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَبَاعِدِ، وَإِذَا أَحْضَرَ رَبُّ الْمَالِ أَقَارِبَهُ إلَى الْعَامِلِ لِيَخُصَّهُمْ بِزَكَاةِ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِطْ زَكَاتُهُ بِزَكَاةِ غَيْرِهِ خَصَّهُمْ بِهَا، فَإِنْ اخْتَلَطَتْ كَانُوا فِي الْمُخْتَلَطِ أُسْوَةَ بغَيْرِهِمْ، لَكِنْ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا هُمْ بِهِ أَحَقُّ وَأَخَصُّ.

  20. وَإِذَا اسْتَرَابَ رَبُّ الْمَالِ بِالْعَامِلِ فِي مَصْرِفِ زَكَاتِهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُشْرِفَ عَلَى قِسْمَتِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْهَا بِدَفْعِهَا إلَيْهِ، وَلَوْ سَأَلَ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ أَنْ يَحْضُرَ قِسْمَتَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ لِبَرَاءَتِهِ مِنْهَا بِالدَّفْعِ، وَإِذَا هَلَكَتِ الزَّكَاةُ فِي يَدِ الْعَامِلِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا أَجْزَأَتْ رَبَّ الْمَالِ، وَلَمْ يَضْمَنْهَا الْعَامِلُ إلَّا بِالْعُدْوَانِ، وَإِذَا تَلِفَتِ الزَّكَاةُ فِي يَدِ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْعَامِلِ لَمْ تُجْزِهِ وَأَعَادَهَا، وَلَوْ تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ، إنْ كَانَ تَلَفُهُ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَائِهَا، وَلَا تَسْقُطُ إنْ كَانَ تَلَفُهُ بَعْدَ إمْكَانِ أَدَائِهَا، وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ تَلَفَ مَالِهِ قَبْلَ ضَمَانِ زَكَاتِهِ كَانَ قَوْلًا مَقْبُولًا؛ وَإِنْ اتَّهَمَهُ الْعَامِلُ أَحَلَفَهُ اسْتِظْهَارًا، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ رِشْوَةَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَا يَقْبَلَ هَدَايَاهُمْ.

    قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ" ١.

  21. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ: أَنَّ الرِّشْوَةَ مَا أُخِذَتْ طَلَبًا، وَالْهَدِيَّةَ مَا بُذِلَتْ عَفْوًا، فَإِذَا ظَهَرَتْ عَلَى الْعَامِلِ خِيَانَةٌ، كَانَ الْإِمَامُ هُوَ النَّاظِرُ فِي حَالِهِ، الْمُسْتَدْرِكُ لِخِيَانَتِهِ، دُونَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِأَهْلِ السَّهْمَانِ فِي خُصُومَتِهِ، إلَّا أَنْ يَتَظَلَّمُوا إلَى الْإِمَامِ تَظَلُّمَ الْحَاجَاتِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْعَامِلِ لِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ بِهِمْ، فَأَمَّا شَهَادَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي وَضْعِهِ لَهَا غَيْرَ حَقِّهَا سُمِعَتْ.

  22. وَإِذَا ادَّعَى أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ دَفْعَ الزَّكَاةِ إلَى الْعَامِلِ وَأَنْكَرَهَا، أَحَلَفَ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ عَلَى مَا ادَّعُوهُ وَبَرِئُوا، وَأُحْلفَ الْعَامِلَ عَلَى مَا أَنْكَرَهُ وَبَرِئَ، فَإِنْ شَهِدَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ لِبَعْضٍ بِالدَّفْعِ إلَى الْعَامِلِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّنَاكُرِ وَالتَّخَاصُمِ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا سُمِعَتْ، وَحُكِمَ عَلَى الْعَامِلِ بِالْغُرْمِ، فَإِنْ ادَّعَى بَعْدَ الشَّهَادَةِ أَنَّهُ قَسَمَهَا فِي أَهْلِ السَّهْمَانِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَ هَذِهِ الدَّعْوَى بِإِنْكَارِهِ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ السَّهْمَانِ بِأَخْذِهَا مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَهُمْ بِإِنْكَارِ الْأَخْذِ، وَإِذَا أَقَرَّ الْعَامِلُ بِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَادَّعَى قِسْمَتَهَا فِي

    ج ١ ص ١٩٩أَهْلِ السَّهْمَانِ فَأَنْكَرُوهُ، كَانَ قَوْلُهُ فِي قِسْمَتِهَا مَقْبُولًا؛ لِأَنَّهُ مُؤَمَّنٌ فِيهَا؛ وَقَوْلُهُمْ فِي إنْكَارٍ مَقْبُولٌ فِي بَقَاءِ فَقْرِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ، وَمَنِ ادَّعَى مِنْ أَهْلِ السَّهْمَانِ فَقْرًا قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنِ ادَّعَى غُرْمًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَا بِبَيِّنَةٍ؟ وَإِذَا أَقَرَّ رَبُّ الْمَالِ عِنْدَ الْعَامِلِ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَبْلَغِ مَالِهِ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ بِإِحْضَارِ مَالِهِ جَبْرًا، وَإِذَا أَخْطَأَ الْعَامِلُ فِي قَسْمِ الزَّكَاةِ وَوَضَعَهَا فِي غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ لَمْ يَضْمَنْ فِيمَنْ يُخْفَى حاله مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَفِي ضَمَانِهِ لَهَا فِيمَنْ لَا يُخْفَى حاله مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْكُفَّارِ وَالْعَبِيدِ قَوْلَانِ، وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ الْخَاطِئَ فِي قِسْمَتِهَا ضَمِنَهَا فِيمَنْ لَا يَخْفَى حَالُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْعَبِيدِ.

  23. وَفِي ضَمَانِهَا فِيمَنْ يَخْفَى حَالُهُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ قَوْلَانِ: وَيَكُونُ حُكْمُ الْعَامِلِ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ أَوْسَعَ؛ لِأَنَّ شُغْلَهُ أَكْثَرُ فَكَانَ فِي الْخَطَإِ أَعْذَرَ.