جواب اعتراضهم على حديث ابن عمر

٦٥ فقرة، ج ٢ ص ١٦٧

الصفحة ٢ من ٢

  1. وقد صحَّ عن ابن عباس أنه قال: ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق (٢) . فأخذوا بروايته التي لم تثبت عنه وتركوا رأيه، مع أنه صحيح عنه، وقالوا: الاعتبار بما رواه لا بما رآه.

    ج ٢ ص ١٨١
  2. وأيضًا: فقد رُوي عن ابن عمر: أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغَرَر (٣) .

  3. وصحَّ عن ابن عمر: أنه اشترى جملًا شاردًا (١) . فأخذ الناسُ بروايته وتركوا رأيه، ولم يقولوا في هذه المواضع وأمثالها: لم يخالف الراوي الحديث إلا وهو منسوخ عنده.

    ج ٢ ص ١٨٢
  4. ونخصُّ أصحابَ مالك بأن عليًّا روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢) . ورُوي عنه أنه لم يرَ التسليمَ من الصلاة فرضًا (٣) . فأخذوا بروايته ولم يلتفتوا إلى مذهبه، ولم يقولوا: مخالفته للحديث تدل على نسخه عنده.

  5. ونخصُّ أصحابَ أبي حنيفة بأنه قد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق علي. وابن عباس: أن الصلاة الوسطى صلاة العصر (٤) . وقد ثبت عن عليٍّ وابن عباس أنها الصبح (٥) ، فلم يلتفتوا إلى مذهبهما، وأخذوا بروايتهما.

  6. وأيضًا: فقد صحَّ [ق ٥٨] عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: التحريم في الرّضاع بلبن الفحل في قصة أبي القُعَيس (١) . وصحَّ عنها أنها أفتت بخلافه، وأنه كان يدخل عليها من أرضعته بناتُ إخوتها، ولا يدخل عليها من أرضعته نساءُ إخوتها (٢) . فأخذَ الناسُ بروايتها، وتركوا رأيها ومذهبَها.

    ج ٢ ص ١٨٣
  7. وأيضًا: فقد صحَّ عن عائشة من رواية البخاري وغيره: «فُرِضَت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحَضَر وأُقِرَّت صلاة السَّفر» (٣) . فهذه رواية منها لابتداء فرض الصلاة. وصحَّ عنها أنها أتمَّت في السفر (٤) . فأخذَ أصحابُ أبي حنيفة ومالك بروايتها، وقدموها على رأيها وفعلها.

  8. ونخصُّ أصحاب أبي حنيفة، أنهم أخذوا بحديثين ضعيفين جدًّا عن أبي موسى، وجابر: الأمر بالوضوء من الضحك في الصلاة (٥) .

  9. وقد صحَّ

    ج ٢ ص ١٨٤عنهما أنهما قالا: لا وضوء من ذلك (١) . فلم يلتفتوا إلى مذهبهما الصحيح عنهما، وقدَّموا عليه روايتهما التي لم تثبت عنهما.

  10. وأيضًا: فروت عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل لحمًا ولم يتوضأ (٢) . وصحَّ عنها بأصحّ إسنادٍ إيجاب الوضوء من كلّ ما مسَّت النارُ (٣) ، فلم يلتفتوا إلى رأيها، وقدّموا عليه روايتَها.

  11. وأيضًا: فقد روت عائشة وابن عباس وأبو هريرة: إباحة المسح على

    ج ٢ ص ١٨٥الخُفَّين (١) . وصحّ عنهم ثلاثتهم المنعُ من المسح جملةً (٢) . وأخذ الجمهورُ بروايتهم دون رأيهم.

  12. ورُوي عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُقتصّ لولد من والده» (٣) ، وجاء عنه رضي الله عنه: لأقصنّ للولد من الوالد (٤) ، فلم يروا مذهبه ورأيه موجبًا لترك روايته.

  13. وأيضًا: فاحتجوا بمنع بيع أمهات الأولاد بالخبرين عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّما رجلٍ ولدت منه أَمَتُه فهي مُعْتَقة عن دبرٍ منه» (٥) ، وأنه ذُكِرَت أمُّ إبراهيم عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أعتقها ولدها» (٦) . وقد صحَّ عن

    ج ٢ ص ١٨٦ابن عباس جواز بيعهنَّ (١) ، والرواية عنه بذلك أصحّ من المرفوع، وقدموا روايته على رأيه، ولم يقولوا: لم يخالف الحديث إلا وهو منسوخ عنده.

  14. ونخصُّ أصحابَ أبي حنيفة بأنهم احتجوا بحديث علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صدقة الوَرِق: «لا زكاة فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما» (٢) ، وقد صحَّ عن عليٍّ بأصحّ إسنادٍ يكون أنه قال: في المائتين خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك (٣) . فلم يجعلوا ما صحّ عن عليّ من قوله موجبًا لترك روايته، مع ضعف سندها، وصحة مذهبه عنه.

  15. واحتجّوا على نجاسة الماء الكثير الذي يقع فيه النجاسة بحديث أبي هريرة: «لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم» (٤) ، ولم يستثن ماءً من ماء. وقد صحّ عن أبي هريرة من طريق سعيد بن منصور، عن ابن عُليَّة، عن حبيب

    ج ٢ ص ١٨٧ابن شهاب العنبري، عن أبيه: أنه سأل أبا هريرة عن سؤر الحوض، تَلِغُ فيه الكلاب، ويشرب منه الحمار؟ فقال أبو هريرة: لا يحرِّم الماءَ شيء (١) . فلم يجعلوا فتوى [ق ٥٩] أبي هريرة دليلًا على نَسْخِ الحديث الذي رواه ولا ضَعْفِه.

  16. وهذا بابٌ يطول تتبُّعه وجمعُه، وإنما نبَّهنا على اليسير منه. ومما يُقضى منه العجب: أنهم إذا رأوا الرواية عن صاحب من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غيره بخلاف ما روى تُوافِقُ قولَ من قلَّدوه قالوا: ما كان ليترك ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو عنده منسوخ، أو لأمرٍ اطلع عليه خفي علينا، وإلا قَدَح ذلك في عدالته وسقطت روايته رأسًا، ويَبطلُ جميعُ ما رواه. فإذا كانت الرواية عنه بفتواه بخلاف ما رَوى تُخالف قولَ من قلَّدوه، والحديث يوافق قوله قالوا: الحُجَّة فيما روى، ولعله نسي أو تأوَّل تأويلًا ظنَّه موجِبًا لترك ما رواه، وليس كذلك في نفس الأمر.

  17. وقد رأينا هذا وهذا في كثير من كلامهم، والميزان الراجح عندهم هو قول من قلدوه، فإن وافقه قول الراوي ورأيه، ذكروا تلك الطريق وسلكوها، وإن خالفه قول الراوي ورأيه سلكوا الطريق الأخرى، وقدَّموا النص.

  18. والذي يتعيَّن المصيرُ إليه، ولا يجوز العدول عنه هو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فهو المعصوم من الخطأ، والنقلُ عنه بذلك نقلٌ مصدَّق عن قائل معصوم،

    ج ٢ ص ١٨٨فيتعيَّن المصيرُ إليه، والنقلُ عن غيره ــ إن كان نقلًا مصدَّقًا ــ فعن قائل غير معصوم، ومن الممكن بل الواقع أن ينسى الراوي ــ صحابيًّا كان أو دونه ــ ما سمعه وشاهده من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يحضره ذكره حين أفتى بخلافه، أو أن يتأول فيه تأويلًا لا يألو فيه عن الخير وقصد الحق، ويثيبه الله على ذلك، ويأْجُره عليه أجرًا واحدًا. وإذا كان هذا ممكنًا بل واقعًا، فلا حجَّة في قول أحدٍ خالفَ نصَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كائن من كان (١) .

  19. وأيضًا: فمن أبطل الباطل أن يكون عند أحدهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة في قضيَّة ناسخة أو مُخصِّصة للعموم، ثم يروي للأمة المنسوخ والعام دائمًا، ولا يروي لهم الناسخ ولا المخصِّص ألبتة. هذا مما لا يُظَن بهم، ولا بمن هو دونهم ممن له لسان صِدْق في الأمة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة/ ١٥٩] . ومعلوم أن الناسخ والمخصِّص أحق بالهدى من المنسوخ والعام، فروايته وتبليغه للأمة أوجب وأفرض من رواية المنسوخ، وبالله التوفيق.

  20. فصل

    قالوا: نزلنا عن هذا المقام، وفرضنا أنا ساعدناكم ــ وحاشا لله ــ على تقديم رأي الراوي ومذهبه على ما رواه. فحديث الرفع في هذه المواطن لم يتفرَّد به مالك حتى تكون مخالفته له موجبة لعدم قبوله، فقد روى عن

    ج ٢ ص ١٨٩النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جماعةٌ من [ق ٦٠] الصحابة غير ابن عمر، كما تقدم، حتى لو لم يكن في الباب إلا حديث ابن عمر، فقد رواه عن ابن عمر سالم ابنه ونافع مولاه، ورواه عنهما غير مالك.

    قال البخاري (١) : «ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين» .

  21. فهذا السند ــ الذي (٢) لو أفاق مجنونٌ بسندٍ صحيحٍ لأفاقَ به ــ لا ذِكْر لمالكٍ فيه ألبتة، فبِمَ تستجيزون مخالفته؟ وكلُّ رواته ثبت (٣) عنهم الرفع في هذه المواطن والقول به، وصنف البخاري كتابه المشهور في رفع اليدين، وحكى عن شيخه علي بن عبد الله أنه قال: رفع الأيدي حقٌ على المسلمين، بما روى الزهري، عن سالم، عن أبيه (٤) .

  22. ومذهب ابن عيينة في ذلك أشهر؛ قال ابن عبدالبر (٥) بعد أن ذكر رواية ابن وهب، وأبي المصعب، وسعيد بن أبي مريم، وأشهب، والوليد بن مسلم عن مالك: أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر إلى أن مات= قال: وبهذا قال الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وجماعةُ أهل الحديث.

  23. وكذلك هو مذهب الزّهري. وأما سالم بن عبد الله؛ فحكى عنه البخاري الرفعَ في «كتابه» (١) . وأما عبد الله بن عمر فقد صحَّت عنه الأسانيدُ التي لا مَطْعَن فيها ألبتة، بأنه كان يرفع يديه في هذه المواطن. ذكره البخاري عنه في «كتابه» (٢) ، وأحمد بن حنبل، وعبدالرزاق، وابن أبي شيبة، ووكيع، وسعيد بن منصور، ومحمد بن جرير الطبري، وابن عبد البر وغيرهم. وقد تقدم ذِكْر بعض ذلك (٣) .

    ج ٢ ص ١٩٠
  24. هؤلاء الأئمة الحُفَّاظ الأثبات كلٌّ منهم كان يرفع يديه بمقتضى هذا الحديث، وهم رواته.

  25. وقد روى هذا الحديث عن الزهري غير واحد، منهم: مالك، ويونس ابن يزيد، وسفيان بن عُيينة، وابن جُرَيج، ومَعْمر، وعُقيل بن خالد. فإن كان مخالفة مالك موجبًا لترك العمل به، فهلّا كان قول هؤلاء بموجبه موجبًا للعمل به! فتبين أنه لا عذر لكم ولا مُتعلَّق فيما رُوي عن مالك من إنكار الرفع بوجهٍ من الوجوه.