الدليل الثامن: ((إن في خلق السموات والأرض ... )) آل عمران
٦ فقرات، ج ١ ص ٨٥
- قوله تعالى:
-
إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (١٩٠) الذين يذكرون الله قيماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار (١٩١) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (١٩٢) ... آل عمران
يقول تعالى: (إن في خلق السموات والأرض) أي بما فيها من الآيات العظيمة (واختلاف الليل والنهار) أي تعاقبهما وتعارضهما من طول وقصر الاعتدال. كل ذلك تقدير العزيز العليم (لآيات لأولي الألباب) أي العقول التامة الزكية المستقيمة المستقيمة التي تدرك حقائق الأشياء. ثم وصفهم بقوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) أي يذكرونه في جميع أحوالهم ... على اختلاف معاني الذكر (ويتفكرون في خلق السموات والأرض) أي يتأملون ما فيها ويفهمون الحكم الدالة على عظمة الخالق وعلمه وحكمته واختياره ورحمته ويقولون: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) أي ربنا ما خلقت هذا الكون عبثاً بل بالحق والعدل وسبحانك عن العبث فأنت أجل وأعظم وأقدس من أن تفعل عبثاً أو باطلاً.
-
فبسبب ما نزهناك ومجدناك بذاتك وأسمائك وصفاتك وأفعالك. وأنت
ج ١ ص ٨٦حقيق بكل ذلك ... جنبنا عذاب النار، واحمنا منها بفضلك وإحسانك ويسرنا بتيسيرك لما تحب وترضى عنه من الأعمال الصالحة. (ربنا انك من تدخل الجنة فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار أي لا مجير لهم منك يوم القيامة ولا محيد لهم عنك.
-
لقد وذعت يا أخي المسلم بين يديك تفسيراً مقتضباً لهذه الآيات الكريمة لنستعين بهذا التفسير على فهم شاهدنا منها ونتدرج للحصول على ما نبتغي من صحة ما نذهب إليه من فهم التوسل المشروع وذلك بالأدلة الشرعية التي تثبت ذلك.
-
إن أولي الألباب الزكية والعقول المستقيمة الذين يفكرون بعمق وتدبر في هذه المخلوقات العلوية والسفلية تتضح لهم آفاق جديدة من الفهم والأدلة الواضحة على إثبات وجود الخالق العظيم ويدفعهم بالحجة والبرهان إلى الإقرار عن بحث وتدقيق بعظمة الله وقدرته وسلطانه فيذكرونه بما يستحق من التوحيد والتمجيد والتعظيم في جميع أحوالهم لا يفترون عن ذلك أبداً لأنهم أينما اتجهوا وكيفهما نظروا تتجلى لهم معرفة هذا الرب العظيم في جميع صفاته وأفعاله وتتضح حقيقتها عندهم فيكون ذكرهم لله جل وعلا شاملاً كل ما في معاني التذكر من أنواع. إذ ليس الذكر مقتصراً على الشفهي فحسب ... لا ... بل هناك أنواع منوعة من الذكر ومنها الذكر الشفهي فإن من يمحص ويدقق في آيات القرآن تتضح له هذه ويرى: أن القرآن ذكر وتلاوته ذكر والصلاة ذكر والآذان ذكر والتذكر ذكر والتفكر ذكر والدعوة إلى الله تعالى ذكر والعلم ذكر وحلق العلم ذكر والذكر الشفهي بالتسبيح والتحميد والتمجيد والتكبير والتهليل ذكر أيضاً إنما يجب أن يكون موافقاً لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من تعريف ... لا أن ندخل فيه أهواءنا وآراءنا (١) ... فكما أن يجب أن نصلي ونزكي ونحج ونصوم طبقاً لأوامر الله تعالى
ج ١ ص ٨٧دونما زيادة أو نقصان فكذلك يجب فيه التقيد بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - من تعريف وأحكام لا يتعداها إلى ما تهوى الأنفس وانظر يا أخي ما جاء في الكتاب العزيز من وصف وتعريف للذكر: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول) وقوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: [ ... ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه] إلى ما هناك من الآيات العديدة والأحاديث الكثيرة في تعريف الذكر والذاكرين ... على مراد الله وما بلغ رسوله صلوات الله وسلامه عليه.
- (١)سنفرد رسالة خاصة في تحقيق معنى أنواع الذكر وتقارن بين الذكر الشرعي والذكر البدعي الذي عليه بعض الطرق .. في زمننا هذا هدانا الله وإياهم سبل الرشاد.
-
إن من يذكرون الله دائماً في غدواتهم وروحاتهم في أعمالهم وراحتهم وعند نومهم
واضطجاعهم وفي صلوتهم قياماً فإن لم يستطيعوا فقعوداً أو لم يستطيعوا فعلى جنوبهم ... أجل أن يذكرون ويتفكرون فيما خلق الله يفيض الاعتراف بالحق عن مشاهدة وفهم وقرب بأن الله ما خلق الخلق إلا بالحق ويتخذون من ذكرهم بكل ذلك وسيلة إلى الله تعالى في قبوله دعاءهم بأن يقيهم عذاب النار التي لا تطاق فجعلوا تذكرهم وذكرهم وصلواتهم قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وسيلة شرعية إليه ليتقبل أعمالهم ودعاءهم وهكذا فإنهم لم يدعوا إلا وقربوا بين يدي دعائهم توسلات يحبها الله ويرضاها ... أجل ... إنهم توسلوا إلى الله تعالى بذكره سبحانه على اختلاف أنواعه ... وهو لا شك عمل صالح عظيم تقربوا إليه جل وعلا ودعوه مبتهلين: أن يدخلهم الجنة ويقيهم عذاب النار وتضرعوا إليه أن لا يخزيهم يوم القيامة بإدخالهم النار فإن من يدخلها فقد باء بالخزي العظيم وليس له من الله ولي ولا نصير اللهم علمتنا فتعلمنا وأمرتنا فأطعنا اللهم فزدنا علماً وعلمنا العلم الذي لا جهل معه وسلكنا صراطك المستقيم وجنبنا السبل حتى لا تتفرق بنا عن سبيلك القويم واجعلنا نقوم بما أو صيتنا كي نتقي غضبك ونحظى برضاك ونفوز بجنتك التي وعدت المتقين.