الدليل الرابع عشر: ((إذا جاء نصر الله والفتح)) النصر
٨ فقرات، ج ١ ص ١٠٥
- ج ١ ص ١٠٥
قوله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا جاء نصر الله والفتح (١) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً (٢) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً (٣) ... النصر
روى البخاري عن ابن عباس: [كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علتم ... فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه قد دعاني يومئذ عليه إلا ليريهم ... فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: (إذا جاء نصر الله والفتح) ... ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم ولم يقل شيئاً فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا ... فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) فذلك علامة أجلك ... (فسبح بحمد وبك واستغفره إنه كان تواباً) فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول] تفرد به البخاري.
-
روى الإمام أحمد عن ابن عباس، قال: [لما نزلت: (إذا جاء نصر الله والفتح) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((نعيت إلى نفسي) ) فإنه مقبوض في تلك السنة].
- ج ١ ص ١٠٦
على أن المعنى الذي فسره أهل بدر في مجلس عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - أجمعين كما تقدم ... هو معنى مليح صحيح وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات فقال قائلون: هي صلاة الضحى. وأجيبوا: بأنه لم يكن يواظب عليها في الحضر فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافراً ... ؟ ولم ينو الإقامة في مكة؟! ولهذا أقام فيها قريباً من تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش والصحيح أنها صلاة الفتح.
-
قدمنا بين يدي فهمنا لمراد الله تعالى من هذه السورة الكريمة لتسهيل فهو الشاهد منها تفسيراً مختصراً يعيننا على توضيح ما نود توضيحه من الاستشهاد بهذه السورة الكريمة على التوسل بالأعمال الصالحة من التسبيح والتحميد والاستغفار استدراراً لمغفرته سبحانه وتعالى فإنه هو الغفور الرحيم والتواب الكريم لا إله غيره ولا رب سواه.
-
كانت هذه السورة المباركة آخر سورة نزلت من القرآن الكريم وهي كما قال ابن عباس ووافقه عمر .. نعي لنفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد قرب أجله صلوات الله عليه وسلامه وأوشك أن يلتحق بالرفيق الأعلى لانتهاء مهمته في الدنيا فيهأه الله للقدوم عليه ... فالآخرة خير له من الدنيا ولسوف يعطيه ربه فيرضى لذا أمره تعالى أن يجعل خواتيم عمله مع فرائضه التي افترضها الله عليه التسبيح والتحميد والاستغفار استدراراً للتوبة والمغفرة وإن كان - صلى الله عليه وسلم - مغفوراً له سلفاً ولكن ليبقى دائماً عبداً شكوراً وفي هذا ولا شك تعليم لأمته أن تصنع مثلما يصنع ... فالمغفور له من ذنبه ما تقدم وما تأخر مكلف أن يسبح ويحمد ويستغفر ... فما أحرانا نحن بذلك. ومن يمعن النظر في هذا الأمر من طلب التحميد والتكبير والاستغفار ير إن الله ما يطلب منا ذلك إلا توسلاً بها أي بالتحميد والتسبيح والاستغفار إليه تعالى لتكون سبباً لتوبة الله على المستغفرين فلولا أن يعلموا أن الله أهل للتحميد والتسبيح والاستغفار ما فعلوا ذلك فعلمهم به دفعهم إليه فقد علموا أن الله سبحانه وتعالى أهل لكل ذلك،
ج ١ ص ١٠٧وفوق ذلك فله الحمد في الأولى والآخرة وهو المستحق وحده لهذه العبادة ... فإن هذا التحميد والتسبيح والاستغفار أراده الله وسيلة يتوسل بها عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن ورائه أمته لتكون سبباً مشروعاً لمغفرة الله تعالى وتوبته على عباده المؤمنين فليكثروا من ذلك فإنه عمل يحبه ويرضاه ويجب أن يرفع إليه دائماً ... وما ذلك إلا ليجزينا سبحانه بأحسن ما كنا نعمل ... تفضلاً منه وامتناناً وكرماً إنه الكريم المنان ذو الفضل والمنة والنعمة.
-
فهيا أيها الأخوان المؤمنون المسلمون: سراعاً إلى مثل هذا العمل الصالح نعمله ونرفعه إليه تعالى متوسلين به إليه جل جلاله ليغفر لنا ويتوب علينا ويرحمنا ويعيد إلينا عزتنا وترجع إلينا دولتنا فنحكم بكتابه وبسنة سيد خلقة وأحبابه ونعود إلى ما كنا عليه هداة مهديين خير دعاة إليه في العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه ومن والاه وتبع هداه إلى ما شاء الله.
-
لقد وضح بلا شك ... مما جاء في الصفات المتقدمة من هذا الفصل: ((توسل المؤمن إلى الله بأعماله الصالحة وأدلته من القرآن الكريم) ) أن في القرآن الكريم حثا من الله تعالى لعباده على أن يتوسلوا إليه بالأعمال الصالحة التي عملوها لوجهه تعالى خالصة له لتكون سبباً لاستجابة الدعاء وبلوغ المطلوب ولو أردنا أن نستشهد بكل ما جاء في القرآن الكريم من الآيات لضاق به هذا المؤلف ولكننا أثبتنا طائفة منها كشاهد على صحة ما تذهب إليه.
-
ولما كانت السنة الصحيحة مفسرة للقرآن فقد ورد فيها: أحاديث في الحض على التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة التي فعلها المؤمن ... ولو أنعمنا النظر لرأينا الحض على التوسل بالأعمال الصالحة إليه ... إنما هو في الحقيقة حض على فعل الأعمال الصالحة نفسها إذ هل يمكن أن تتوسل إلى الله تعالى بأعمالك الصالحة إذا لم يكن لك عمل صالح مهما كان صغيراً؟ الجواب: كلا
ج ١ ص ١٠٨لا يمكن إذاً فالمراد م الحض والحث على التوسل بالعمل الصالح إنما هو في الحقيقة كما قلنا آنفاً ... حض وحث على العمل الصالح نفسه حتى ترفعه إلى الله تعالى وسيلة إليه يحفها منه تعالى الرضا والقبول فهيا للعمل الصالح وهيا للتوسل به إليه تعالى .. وما دام المقصود وجهه سبحانه فالعمل الصالح عبادة له تعالى والتوسل به إلى الله تعالى عبادة له أيضاً تقربنا إليه سبحانه وتدنينا من رحاب مغفرته جل جلاله ولا إله غيره ولا رب سواه.