اللعنة الشرعية
١٧ فقرة، ج ١ ص ٧٦
- ج ١ ص ٧٦
وَإِذَا كَانَ لَازِمًا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ, بَقِيَ الْحَدِيثُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ, فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ.
-
بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَئِمَّةِ صَرَّحُوا بِأَنَّ فَاعِلَ الصُّورَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَلْعُونٌ, مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ تَزَوَّجَهَا لِيَحِلَّهَا, وَلَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَلَا زَوْجُهَا؟ فَقَالَ: هَذَا سِفَاحٌ, وَلَيْسَ بِنِكَاحِ {لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ} . وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ؛ وَعَنْ غَيْرِهِ؛ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: {إذَا أَرَادَ الْإِحْلَالَ فَهُوَ مُحَلِّلٌ, وَهُوَ مَلْعُونٌ} وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فِي الْخَمْرِ وَالرِّبَا وَغَيْرِهِمَا.
-
فَإِنْ كَانَتْ اللَّعْنَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْوَعِيدِ الَّذِي جَاءَ, لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا مَحَلَّ الْوِفَاقِ, فَيَكُونُ هَؤُلَاءِ قَدْ لَعَنُوا مَنْ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ؛ فَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْوَعِيدِ الَّذِي جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ. مِثْلَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِه} (١) وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: {سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ؛ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
-
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ
ج ١ ص ٧٧صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {إنَّ الطَّعَّانِينَ وَاللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ} .
-
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يَنْبَغِي لِصَدِيقِ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا} رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
-
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ, وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢) .
-
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: {مَا مِنْ رَجُلٍ يَلْعَنُ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلِ, إلَّا حَارَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ} (٢) .
-
فَهَذَا الْوَعِيدُ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِي اللَّعْنِ حَتَّى قِيلَ: إنَّ مَنْ لَعَنَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ, كَانَ هُوَ الْمَلْعُونَ وَإِنَّ هَذَا اللَّعْنَ فُسُوقٌ؛ وَأَنَّهُ مُخْرِجٌ عَنْ الصديقية وَالشَّفَاعَةِ وَالشَّهَادَةِ, يَتَنَاوَلُ مَنْ لَعَنَ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ.
-
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ دَاخِلًا فِي النَّصِّ؛ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا. فَيَكُونُ لَاعِنُهُ مُسْتَوْجِبًا لِهَذَا الْوَعِيدِ, فَيَكُونُ
ج ١ ص ٧٨أُولَئِكَ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِينَ رَأَوْا دُخُولَ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي الْحَدِيثِ, مُسْتَوْجِبِينَ لِهَذَا الْوَعِيدِ.
-
فَإِذَا كَانَ الْمَحْذُورُ ثَابِتًا -عَلَى تَقْدِيرِ إخْرَاجِ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَتَقْدِيرِ بَقَائِهِ- عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْذُورِ, وَأنه لَا مَانِعَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ.
-
وَإِنْ كَانَ الْمَحْذُورُ لَيْسَ ثَابِتًا -عَلَى وَاحِدٍ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ- فَلَا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أَلْبَتَّةَ.
-
وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ التَّلَازُمُ؛ وَعُلِمَ أَنَّ دُخُولَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ مُسْتَلْزِمٌ لِدُخُولِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَدَمِ, فَالثَّابِتُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا وُجُودُ الْمَلْزُومِ وَاللَّازِمِ, وَهُوَ دُخُولُهُمْ جَمِيعًا, أَوْ عَدَمُ اللَّازِمِ وَالْمَلْزُومِ, وَهُوَ عَدَمُ دُخُولِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْمَلْزُومُ وُجِدَ اللَّازِمُ؛ وَإِذَا عُدِمَ اللَّازِمُ عُدِمَ الْمَلْزُومُ. وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي إبْطَالِ السُّؤَالِ؛ لَكِنَّ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ: أَنَّ الْوَاقِعَ عَدَمُ دُخُولِهِمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ. وَذَلِكَ أَنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ الْوَعِيدِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعُذْرِ فِي الْفِعْلِ, وَأَمَّا الْمَعْذُورُ عُذْرًا شَرْعِيًّا, فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْوَعِيدُ بِحَالِ.
-
وَالْمُجْتَهِدُ مَعْذُورٌ بَلْ مَأْجُورٌ فَيَنْتَفِي شَرْطُ الدُّخُولِ فِي حَقِّهِ, فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا سَوَاءٌ اعْتَقَدَ بَقَاءَ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ, أَوْ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا يُعْذَرُ فِيهِ, وَهَذَا إلْزَامٌ مُفْحِمٌ
ج ١ ص ٧٩لَا مَحِيدَ عَنْهُ إلَّا إلَى (١) وَجْهٍ وَاحِدٍ.
-
وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: أَنَا أُسَلِّمُ أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ مَنْ يَعْتَقِدُ دُخُولَ مَوْرِدِ الْخِلَافِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ, وَيُوعَدُ عَلَى مَوْرِدِ الْخِلَافِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ فَيَلْعَنُ -مَثَلًا- مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ, لَكِنْ هُوَ مُخْطِئٌ فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ خَطَأً يُعْذَرُ فِيهِ وَيُؤْجَرُ, فَلَا يَدْخُلُ فِي وَعِيدٍ مَنْ لَعَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَعِيدَ هُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى لَعْنٍ مُحَرَّمٍ بِالِاتِّفَاقِ, فَمَنْ لَعَنَ لَعْنًا مُحَرَّمًا بِالِاتِّفَاقِ تَعَرَّضَ لِلْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ عَلَى اللَّعْنِ.
-
وَإِذَا كَانَ اللَّعْنُ مِنْ مَوَارِدِ الِاخْتِلَافِ لَمْ يَدْخُلْ فِي أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ كَمَا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُخْتَلَفَ فِي حِلِّهِ وَلَعْنِ فَاعِلِهِ, لَا يَدْخُلُ فِي أَحَادِيثِ الْوَعِيدِ.
-
فَكَمَا أَخْرَجْت مَحَلَّ الْخِلَافِ مِنْ الْوَعِيدِ الْأَوَّلِ أخْرِج مَحَلَّ الْخِلَافِ مِنْ الْوَعِيدِ الثَّانِي. وَأَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ فِي كِلَا الطَّرَفَيْنِ, لَمْ تَشْمَلْ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَا فِي جَوَازِ الْفِعْلِ, وَلَا فِي جَوَازِ لَعْنَةِ فَاعِلِهِ, سَوَاءٌ اعْتَقَدَ جَوَازَ الْفِعْلِ أَوْ عَدَمَ جَوَازِهِ.
-
فَإِنِّي -عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ- لَا أُجَوِّزُ لَعْنَةَ فَاعِلِهِ, وَلَا أُجَوِّزُ لَعْنَةَ مَنْ لَعَنَ فَاعِلَهُ, وَلَا أَعْتَقِدُ الْفَاعِلَ وَلَا اللَّاعِنَ