مسألة - ١ - [حقيقة الاستثناء]

فقرتان، ج ١ ص ١٥٢

  1. حقيقة الاستثناء عند الشافعي رضي الله عنه إخراج بعض الجملة عن الجملة بحرف إلا أو ما يقوم مقامه فلفظ الاستثناء يوجب انعدام المستثنى منه في القدر المستثنى مع بقاء العموم بطريق المعارضة كالتخصيص إلا أن الاستثناء متصل بالكلام والتخصيص منفصل احتج في ذلك بأمرين أحدهما إجماع أهل اللغة أن كلمة التوحيد وهي قولنا لا اله إلا الله موضوعة لنفي الإلهية عن غير الله تعالى وإثبات إلهيته فلو لم يكن الاستثناء يفيد حكم النفي المعارض للإثبات الأول لما كان قولنا لا اله إلا الله موجبا ثبوت الإلهية لله عز وجل بل كان معناه نفي الإلهية عن غير الله تعالى دون إثبات الإلهية له ولو كان كذلك لما تم الإسلام فلما تم الإسلام دل أنه يفيد الإثبات المعارض للنفي المستثنى منه

    ج ١ ص ١٥٣الثاني إن قول القائل لفلان علي ألف يقتضي وجوب الألف عليه ولهذا لو سكت عليه استمر وجوبها فإذا قال إلا مائة صار ذلك معارضا بحمله مخرجا من اللفظ بعض ما تناوله فيوجب الثاني النفي كما يوجب الأول الإثبات ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه إن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي حتى لو قال لفلان علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلى أن ينتهي إلى الواحد يلزمه خمسة لأنك إذا جمعت عدد الإثبات منها كانت ثلاثين وإذا جمعت عدد النفي منها كانت خمسة وعشرين فتسقط المنفي من المثبت فتبقى خمسة وعلى هذا فقس وزعم أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه أن الاستثناء لفظ يدخل على الكلام العام فيمنعه من اقتضاء العموم والاستغراق حتى يصير كأنه لم يتكلم إلا بالقدر الباقي بعد الاستثناء وزعموا أن العرب وضعت للتعبير عن تسعمائة عبارتين إحداهما موجزة والأخرى مطولة وهي قوله ألف إلا مائة فتقدير قول

    ج ١ ص ١٥٤القائل له علي ألف درهم إلا مائة عندنا أن له علي ألفا إلا مائة فإنها ليست علي إلا أنه اختصر في الكلام وترك صريح النفي لدلالة المنطوق على المسكوت قال الله تعالى ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ وتقديره عندهم أن له علي تسعمائة ولم يسلموا أن الاستثناء من النفي إثبات بل أدعو أن بين الحكم بالنفي والحكم بالإثبات واسطة وهي عدل الحكم فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات كما في قوله ﷺ لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي فإنهما يدلان على العدم لا على الوجود عند الوجود ولهذا المعنى أبطلوا الاستثناء من غير الجنس كما إذ قال له علي

    ج ١ ص ١٥٥ألف درهم إلا ثوبا فإنهم قالوا يلزمه كل الألف لأن المستثنى لم يشمله عموم الاستثناء واحتجوا في ذلك بأن قالوا ما يمنع الحكم بطريق المعارضة أدنى درجاته أن يستقل بنفسه مثل دليل الخصوص والإستثناء مما لا يستقل بنفسه وإنما يتم بما يذكر قبله فلما لم يصلح معارضا له دل على أنه بيان لمراد المتكلم بالتعليق بالشرط ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الأصل في الأموال الربوية عند الشافعي رضي الله عنه تحريم بيع بعضها ببعض والجواز يثبت مستثنى عن قاعدة التحريم مقيدا بشرط المساواة والحلول والتقابض عند اتحاد الجنس وبشرط الحلول والتقابض عند اختلاف الجنس لقوله ﷺ لا تبيعوا الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء يدا بيد عينا بعين فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد فإنه

    ج ١ ص ١٥٦نهي عن بيع الأشياء بعضها ببعض عاما ثم استثنى حالة المساواة فالنهي الأول يتناول القليل والكثير بعمومه والاستثناء يتناول ما يدخل تحت الكيل وهو ما يتحقق فيه المساواة ولهذا قلنا لا يجوز بيع حفنة بحفنتين ولا بطيخة ببطيختين ونظائرها وقال أبو حنيفة رضي الله عنه الأصل فيها الإباحة لقوله تعالى ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ ولقيام الملك فيها وادعى أن المقصود من الحديث آخره وإن كان مصدرا بالنهي وهو كقوله عليه السلام لا صلاة إلا بطهور إذ المقصود منه إثبات

    ج ١ ص ١٥٧الطهور شرطا للإنعقاد لا نفي الصلاة بدون طهور لكن انتفاء الصلاة عند انتفاء الطهور حاصل لضرورة فوات شرط الصحة فكذلك الفضل يحرم لضرورة فوات الشرط الذي نيطت به الإباحة وهو المساواة بالكيل والحفنة غير مكيلة فتبقى على أصل الجواز ومنها أن التقابض في بيع الطعام بالطعام شرط عند الشافعي رضي الله عنه سواء أتحد الجنس أو اختلف بناء على أن الجواز ثبت مستثنى من قاعدة التحريم وفيها التقابض المستفاد من قوله ﷺ يدا بيد فانه صريح ثم هو منزل على العادة والتقابض في المجلس وحمل أبو حنيفة رضي الله عنه قوله يدا بيد على الحلول المنافي للنساء وقوله عينا بعين على التأكيد والتكرير وزعم أنه مؤيد بالقياس الجلي من حيث أن الأصل في البيع الجواز والموجب للفساد الفضل والتفاوت ههنا لأن المقبوض في مجلس العقد كالمقبوض

    ج ١ ص ١٥٨في غير مجلس العقد ومنها إن بيع الرطب بالتمر باطل عند الشافعي رضي الله عنه ولا يستثنى من قاعدة التحريم لأن التحريم الثابت بالحديث إنما يرتفع عند تحقيق شرط الإباحة فمهما علمنا انتفاء الشرط أو لم نعلم وجوده حكمنا بالبطلان ولا فرق فيه بين ما يفقد الشرط لنعذره وبين ما يفقد للإمتناع من إجرائه مع تيسيره وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يصح لتحق المساواة في الكيل وهو باطل ببيع الحنطة بالدقيق والسويق وبيع الحنطة النيئة بالمقلية ومنها إذا باع مد عجوة ودرهما بمدي عجوة ونظائرهما لا يصح عندنا

    ج ١ ص ١٥٢
  2. لأن تحريم ربا الفضل معلوم والمماثلة التي هي طريق الخلاص غير معلومة والجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة وما يقدره الخصم من صرف الجنس إلى خلافه تحكم لا يقضي العقل به ولا تنبئ الصيغة عنه ومنها أن بيع اللحم بالحيوان باطل عندنا للجهل بالمماثلة فيما اعتبرت فيه المماثلة على ما ذكرناه ورزانه بيع السمسم بالدهن وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يصح لأن تحريم البيع عندنا بانتفاء الشروط المذكورة ثبت مستثنى من قاعدة الإباحة والجواز الثابت بحكم الأصل إلا عند يقين انتفاء الشرط في المعيار الشرعي حالة العقد

    ج ١ ص ١٥٩