بخلاف غيرهما فإن
٢٩٩ فقرة، ج ١ ص ٣٥٥٨
الصفحة ٢ من ٨
- ج ١ ص ٣٥٦٧
من القوادح منع حكم الأَصْل، فَيمْنَع الْمُعْتَرض حكم الأَصْل.
-
كَأَن يَقُول حنبلي: الْخلّ مَائِع لَا يرفع الْحَدث فَلَا يزِيل النَّجَاسَة كالدهن.
-
فَيَقُول حَنَفِيّ: لَا أسلم الحكم فِي الأَصْل فَإِن الدّهن عِنْدِي يزِيل النَّجَاسَة، فَهَل يسمع منع حكم الأَصْل أم لَا؟
-
فالجمهور قَالُوا: يسمع.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ: لَا يسمع أصلا، وَلَا يلْزم الْمُسْتَدلّ ذكر دَلِيل الأَصْل، بل يَقُول: قست على أُصَلِّي وَهُوَ بعيد، فَإِن الْقيَاس على أصل لَا يُقَام عَلَيْهِ دَلِيل وَلَا يَعْتَقِدهُ الْخصم، لَا ينتهض دَلِيلا على الْخصم.
- ج ١ ص ٣٥٦٨
لَكِن الَّذِي فِي " الملخص " لَهُ، أَن لَهُ سَماع الْمَنْع.
-
فعلى الأول هُوَ الصَّحِيح الْمُعْتَمد هَل يَنْقَطِع الْمُسْتَدلّ بذلك أم لَا؟ على مَذَاهِب: أَصَحهَا: لَا يَنْقَطِع بِمُجَرَّد ذَلِك، اخْتَارَهُ الْأَصْحَاب، وَالْأَكْثَر؛ لِأَنَّهُ منع مُقَدّمَة من مُقَدمَات الْقيَاس، فَلهُ إثْبَاته كَسَائِر الْمُقدمَات وكمنع الْعلَّة، أَو وجودهَا بِأَنَّهُ إِجْمَاع، ذكره الْآمِدِيّ.
- ج ١ ص ٣٥٦٩
وَالثَّانِي: يَنْقَطِع [للانتقال] عَن إِثْبَات حكم الْفَرْع الَّذِي هُوَ بصدده إِلَى غَيره وَهُوَ حكم الأَصْل.
-
وَالثَّالِث: إِن كَانَ الْمَنْع ظَاهرا يعرفهُ أَكثر الْفُقَهَاء صَار مُنْقَطِعًا؛ لبنائه الْمُخْتَلف فِيهِ على الْمُخْتَلف فِيهِ، وَإِن كَانَ خفِيا بِحَيْثُ لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص فَلَا، وَهَذَا اخْتِيَار الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ.
-
وَنقل ابْن برهَان فِي " الْأَوْسَط " عَنهُ: أَنه اسْتثْنى من الظَّاهِر مَا إِذا قَالَ فِي نفس الِاسْتِدْلَال: إِن سلمت، وَإِلَّا انْقَلب الْكَلَام عَلَيْهِ فَلَا يعد مُنْقَطِعًا.
-
وَالرَّابِع - وَبِه قَالَ الْغَزالِيّ -: يعْتَبر عرف ذَلِك الْمَكَان، فَإِن عدوه مُنْقَطِعًا فَذَلِك، وَإِلَّا لم يَنْقَطِع، / فَإِن للجدل عرفا ومراسم فِي كل مَكَان فَيتبع.
وَقَالَ ابْن عقيل فِي " الْوَاضِح " : فَإِن اعْترض على حكم الأَصْل: بِأَنِّي لَا أعرف مذهبي فِيهِ، فَإِن أمكن الْمُسْتَدلّ بَيَانه، وَإِلَّا دلّ على إثْبَاته.
- ج ١ ص ٣٥٧٠
هَذَا الْكَلَام زَائِد على مَا نَحن فِيهِ؛ لِأَن الْكَلَام هُنَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا اعْترض على الْمُسْتَدلّ وَمنع حكم أَصله؟ هَل يدل الْمُسْتَدلّ على حكم أَصله، وَكَلَام ابْن عقيل إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُعْتَرض إِذا قَالَ: لَا أعرف مذهبي فِيمَا قست عَلَيْهِ، فَأَما إِن بَينه الْمُسْتَدلّ فالأدلة على إثْبَاته.
-
قَوْله: (ثمَّ الْأَصَح لَا يَنْقَطِع الْمُعْتَرض بِدلَالَة الْمُسْتَدلّ فَلهُ الِاعْتِرَاض، وَلَيْسَ بِخَارِج عَن الْمَقْصُود) .
-
يَعْنِي: إِذا فرعنا على سَماع الْمَنْع، وَأَنه لَا يَنْقَطِع الْمُسْتَدلّ، بل لَهُ إِقَامَة الدَّلِيل على حكم الأَصْل، فَإِذا أَقَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ فَهَل يَنْقَطِع الْمُعْتَرض أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ: أصَحهمَا: لَا يَنْقَطِع بِمُجَرَّد دلَالَة الْمُسْتَدلّ، فَلهُ الِاعْتِرَاض على ذَلِك الدَّلِيل بطريقه، إِذْ لَا يلْزم من وجود صُورَة دَلِيل صِحَّته.
-
وَالْقَوْل الثَّانِي: يَنْقَطِع؛ لِأَن اشْتِغَاله بذلك خُرُوج عَن الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ، فَلَيْسَ لَهُ أَن يَعْتَرِضهُ.
-
قَوْله: (فَيتَوَجَّه [سَبْعَة] [منوع] مترتبة) .
- ج ١ ص ٣٥٧١
فِي هَذِه الْجُمْلَة [سَبْعَة] اعتراضات: ثَلَاثَة تتَعَلَّق بِالْأَصْلِ، وَثَلَاثَة بِالْعِلَّةِ، وَوَاحِد بالفرع:
فَيُقَال فِي الْإِثْبَات بمنوع مرتبَة: لَا نسلم حكم الأَصْل. سلمنَا ذَلِك، وَلَا نسلم أَنه مِمَّا يُقَاس فِيهِ، لم لَا يكون مِمَّا اخْتلف فِي جَوَاز الْقيَاس فِيهِ؟
-
سلمنَا ذَلِك، وَلَا نسلم أَنه مُعَلل، لم لَا يُقَال إِنَّه تعبدي؟
-
سلمنَا ذَلِك / وَلَا نسلم أَن هَذَا الْوَصْف علته، لم لَا يُقَال: الْعلَّة غَيره؟
-
سلمنَا ذَلِك، وَلَا نسلم وجود الْوَصْف فِي الأَصْل.
-
سلمنَا ذَلِك، وَلَا نسلم أَن الْوَصْف مُتَعَدٍّ، لم لَا يُقَال: إِنَّه قَاصِر؟ سلمنَا ذَلِك، وَلَا نسلم وجوده فِي الْفَرْع.
-
وَظَاهر إيرادها على هَذَا / التَّرْتِيب وُجُوبه لمناسبة ذَلِك التَّرْتِيب الطبيعي، فَيقدم مِنْهَا مَا يتَعَلَّق بِالْأَصْلِ من منع حكمه، أَو كَونه مِمَّا لَا يُقَاس عَلَيْهِ، أَو كَونه غير مُعَلل، ثمَّ مَا يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهَا فَرعه، لاستنباطها مِنْهُ من منع كَون ذَلِك الْوَصْف عِلّة أَو منع وجوده فِي الأَصْل، أَو منع كَونه مُتَعَدِّيا، ثمَّ مَا يتَعَلَّق بالفرع لابتنائه عَلَيْهِمَا، كمنع وجود الْوَصْف الْمُدعى عليته فِي الْفَرْع.
-
وَجَوَاب هَذِه الاعتراضات بِدفع مَا يُرَاد دَفعه مِنْهَا بطريقة المفهومة.
- ج ١ ص ٣٥٧٢
وَقد أَجَاد فِي ذَلِك الْعَلامَة أَبُو مُحَمَّد الْجَوْزِيّ فِي كتاب " الْإِيضَاح " ، فَإِنَّهُ فِي فن الجدل، وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن.
-
وَيَأْتِي بعد تَمام القوادح فِي الخاتمة حكم تعدد الاعتراضات من جنس أَو أَجنَاس.
-
قَوْله: (قَالَ أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة وَغَيرهم: للمستدل أَن يسْتَدلّ بِدَلِيل عِنْده فَقَط، كمفهوم وَقِيَاس، فَإِن مَنعه خَصمه دلّ عَلَيْهِ وَلم يَنْقَطِع، خلافًا لأبي عَليّ إِن كَانَ الأَصْل خفِيا، وَأطلق قوم الْمَنْع، وَلَيْسَ للمعترض أَن يلْزمه مَا يَعْتَقِدهُ هُوَ، وَلَا أَن يَقُول: إِن سلمت وَإِلَّا دللت عَلَيْهِ، خلافًا للكيا، وَقَالَ الشَّيْخ: لم يَنْقَطِع وَاحِد مِنْهُمَا) . هَذَا من تَمام الْمَسْأَلَة.
قَالَ ابْن مُفْلِح: " قَالَ أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة وَغَيرهم: للمستدل أَن
ج ١ ص ٣٥٧٣يحْتَج بِدَلِيل عِنْده فَقَط كمفهوم وَقِيَاس، فَإِن مَنعه خَصمه دلّ عَلَيْهِ وَلم يَنْقَطِع خلافًا لأبي عَليّ الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي إِن كَانَ الأَصْل خفِيا.
-
وَأطلق أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ الْمَنْع عَن قوم.
-
وَلَيْسَ للمعترض أَن يلْزمه مَا يَعْتَقِدهُ هُوَ فَقَط، وَلَا أَن يَقُول: إِن سلمته وَإِلَّا دللت عَلَيْهِ، خلافًا لبَعض الشَّافِعِيَّة.
قَالَ: لِأَنَّهُ بالمعارضة كالمستدل - وعنى بِهِ الكيا -.
-
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا - وعنى بِهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين - لَا يَنْقَطِع وَاحِد مِنْهُمَا فَيكون الِاسْتِدْلَال فِي مهلة النّظر فِي الْمُعَارضَة " انْتهى كَلَام ابْن مُفْلِح.
-
قَوْله: (التَّقْسِيم: احْتِمَال لفظ الْمُسْتَدلّ لأمرين فَأكْثر على السوَاء، بَعْضهَا مَمْنُوع / [وَهُوَ] وَارِد عندنَا وَعند الْأَكْثَر، وَبَيَانه على الْمُعْتَرض: كَالصَّحِيحِ فِي الْحَضَر وجد السَّبَب بتعذر المَاء فَجَاز التَّيَمُّم، فَيُقَال: السَّبَب تعذره مُطلقًا، أَو فِي سفر، أَو فِي مرض. الأول مَمْنُوع فَهُوَ منع بعد تَقْسِيم، وَجَوَابه كالاستفسار.
- ج ١ ص ٣٥٧٤
من جملَة القوادح التَّقْسِيم. وَهُوَ كَون اللَّفْظ مترددا بَين احْتِمَالَيْنِ متساويين:
أَحدهمَا: مُسلم لَا يحصل الْمَقْصُود.
-
وَالْآخر: مَمْنُوع وهوالذي يحصل الْمَقْصُود.
-
وأهملنا هَذَا الْقَيْد الْأَخير تبعا لِابْنِ الْحَاجِب، وَابْن مُفْلِح، والتاج السُّبْكِيّ، وَلَا بُد مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا مُسلمين يحصلان الْمَقْصُود أَو لَا يحصلان لم يكن للتقسيم معنى؛ لِأَن الْمَقْصُود حَاصِل أَو غير حَاصِل على التَّقْدِيرَيْنِ مَعًا وَمَعَ زِيَادَته.
-
فَيرد عَلَيْهِ مَا لَو حصلا الْمَقْصُود وَورد على أَحدهمَا من القوادح مَا لَا يرد على الآخر، فَإِنَّهُ من التَّقْسِيم - أَيْضا - لحُصُول غَرَض الْمُعْتَرض بِهِ.
قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: " وَقَوْلنَا على السوَاء لِأَنَّهُ لَو كَانَ ظَاهرا فِي أَحدهمَا لوَجَبَ تَنْزِيله عَلَيْهِ " .
-
ومثاله فِي اكثر من اثْنَيْنِ لَو قيل: امْرَأَة بَالِغَة عَاقِلَة يَصح مِنْهَا النِّكَاح كَالرّجلِ.
- ج ١ ص ٣٥٧٥
فَيَقُول الْمُعْتَرض: إِمَّا بِمَعْنى أَن لَهَا تجربة، أَو أَن لَهَا حسن رَأْي وتدبير، أَو أَن لَهَا عقلا غريزيا، فَالْأول وَالثَّانِي ممنوعان، وَالثَّالِث مُسلم، لَكِن لَا يَكْفِي؛ لِأَن الصَّغِيرَة لَهَا عقل غريزي، وَلَا يَصح مِنْهَا النِّكَاح.
-
وَذكرنَا فِي الْمَتْن مِثَال الْأَمريْنِ.
-
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي قبُول هَذَا السُّؤَال.
-
وَالصَّحِيح: أَنه يقبل، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر، لَكِن بعد مَا يبين الْمُعْتَرض مَحل التَّرَدُّد.
-
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن سُؤال الاستفسار يُغني عَنهُ، فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ.
-
وَجَوَاب هَذَا الِاعْتِرَاض: أَن يَقُول الْمُسْتَدلّ لَفْظِي الَّذِي ذكرته مَحْمُول على الْمَعْنى الَّذِي يُؤَدِّي للدلالة، وَالدَّال لَهَا على حمله على ذَلِك: اللُّغَة، أَو الْعرف الشَّرْعِيّ، اَوْ الْعرف الْعَام، أَو كَونه مجَازًا راجحا بعرف الِاسْتِعْمَال، أَو يكون / أحد الِاحْتِمَالَات ظَاهرا بِسَبَب مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ من الْقَرِينَة من لفظ الْمُسْتَدلّ، إِن كَانَ هُنَاكَ قرينَة لفظية أَو حَالية أَو عقلية، بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى إثْبَاته لُغَة وَلَا عرفا.
قَالَ ابْن مُفْلِح بعد ذَلِك: " وَلَو نذْكر الْمُعْتَرض احْتِمَالَيْنِ لم يدل عَلَيْهِمَا لفظ الْمُسْتَدلّ كَقَوْل الْمُسْتَدلّ: وجد سَبَب اسْتِيفَاء الْقصاص فَيجب، فَيَقُول: مَتى منع مَانع الالتجاء إِلَى الْحرم أَو عَدمه؟ الأول مَمْنُوع.