قوله فصل
٤٠ فقرة، ج ١ ص ٣٩٣٢
- ج ١ ص ٣٩٣٢
{الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَالْأَكْثَر الْمَسْأَلَة الظنية الْحق فِيهَا وَاحِد عِنْد الله تَعَالَى، وَعَلِيهِ دَلِيل، وعَلى الْمُجْتَهد طلبه، فَمن أصَاب فمصيب وَإِلَّا فمخطيء مثاب، زَاد فِي " التَّمْهِيد " : ويطلبه حَتَّى يظنّ أَنه وَصله، وثوابه على قَصده واجتهاده لَا على الْخَطَأ، وَقَالَهُ ابْن عقيل، وَبَعض الشَّافِعِيَّة، وَبَعْضهمْ: على قَصده.
-
وَفِي " الْعدة " وَغَيرهَا: مخطيء عِنْد الله تَعَالَى وَحكما، وَقَالَ أَيْضا: مُصِيب فِي اجْتِهَاده مخطيء فِي تَركه للزِّيَادَة، وَعنهُ مُصِيب حكما كَابْن عقيل، وَقَالَ الشَّيْخ: من لم يحْتَج بِنَصّ فمخطيء عِنْده وَإِلَّا فَلَا، نَص عَلَيْهِ، وَقيل: لَا دَلِيل عَلَيْهِ كدفين يصاب، والأستاذ، وَأَبُو الطّيب، وَجمع، وَحكي عَن الشَّافِعِي، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمد: الدَّلِيل قَطْعِيّ ونقطع بخطأ مخالفنا، وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه، والمزني، وَابْن شُرَيْح، كل مُجْتَهد مُصِيب، وَالْحق وَاحِد عِنْد الله، وَهُوَ الْأَشْبَه الَّذِي لَو نَص على الحكم لنَصّ عَلَيْهِ، وَعَلِيهِ
ج ١ ص ٣٩٣٣دَلِيل، وَلم يُكَلف الْمُجْتَهد إِصَابَته، وَقَالَ بعض أَصْحَابه وَحكى عَن الشَّافِعِي: مُصِيب فِي الطّلب مخطيء فِي الْمَطْلُوب، والمعتزلة: كل مُجْتَهد مُصِيب، فَقيل: كالحنفية، وَقيل: حكم الله تَابع للظن لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَلم يُكَلف غير اجْتِهَاده، وَحكي عَن أبي حنيفَة، والأشعري، والباقلاني، وَنقل التصويب والتخطئة عَن الْأَرْبَعَة والأشعري} .
-
لخصت ذَلِك من كَلَام ابْن مُفْلِح و " التَّمْهِيد " وَغَيرهمَا، وَكَلَام ابْن مُفْلِح أوسع وَأكْثر نقلا فَإِنَّهُ قَالَ: " الْمَسْأَلَة الظنية: الْحق عِنْد الله وَاحِد، وَعَلِيهِ دَلِيل، وعَلى الْمُجْتَهد طلبه، فَمن أصَاب فمصيب وَإِلَّا فمخطيء مثاب عِنْد أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيّ، وَمَالك، وَالشَّافِعِيّ،
ج ١ ص ٣٩٣٤وَإِسْحَاق، والمحاسبي وَابْن كلاب، وَذكره أَبُو الْمَعَالِي عَن مُعظم الْفُقَهَاء، وَذكره ابْن برهَان عَن الْأَشْعَرِيّ.
-
زَاد فِي " التَّمْهِيد " : يَطْلُبهُ حَتَّى يعلم أَنه وَصله ظَاهرا، وَمرَاده يظنّ كَمَا ذكره هُوَ غَيره.
قَالَ: ثَوَابه على قَصده واجتهاده لَا على الْخَطَأ، وَقَالَهُ ابْن عقيل وَغَيره، وَبَعض الشَّافِعِيَّة.
-
وَبَعْضهمْ: على قَصده.
-
وَفِي " الْعدة " وَغَيرهَا: مخطيء عِنْد الله، وَحكما.
- ج ١ ص ٣٩٣٥
وَفِي " كتاب الرِّوَايَتَيْنِ " للْقَاضِي: مخطيء عِنْد الله.
-
وَفِي الحكم رِوَايَتَانِ:
إحدهما: مُصِيب.
-
وَجزم بِهِ ابْن عقيل عَن حنبلي - يَعْنِي نَفسه - وَأَخذهَا القَاضِي من قَول أَحْمد: لَا يَقُول لمُخَالفَة: مخطيء.
-
وَفِي " التَّمْهِيد " يَعْنِي لَا نقطع بخطئه.
-
وَبَعض أَصْحَابنَا: من لم يحْتَج بِنَصّ فمخطيء وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: وَهُوَ الْمَنْصُوص.
- ج ١ ص ٣٩٣٦
ثمَّ ذكر القَاضِي اخْتِلَاف أَصْحَابنَا: فِي أَصْحَاب الْجمل وصفين: هَل كِلَاهُمَا مُصِيب أم وَاحِد لَا بِعَيْنِه، أم عَليّ؟ على أوجه، وَأَنه يجب الْبناء على هَذَا الأَصْل، وَأَن نَص أَحْمد الْوَقْف.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: لم يرد أَحْمد الْوَقْف الْحكمِي، بل الْإِمْسَاك خوف الْفِتْنَة؛ وَلِهَذَا بنى قتال الْبُغَاة على سيرة عَليّ.
وَقَالَ القَاضِي فِي أثْنَاء الْمَسْأَلَة: هُوَ مُصِيب فِيمَا فعله من الِاجْتِهَاد، مخطيء فِي تكره للزِّيَادَة عَلَيْهِ.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَبِه ينْحل الْإِشْكَال، وَعند المريسي، والأصم، وَابْن علية: الدَّلِيل قَطْعِيّ ونقطع بخطأ مخالفنا.
ج ١ ص ٣٩٣٧قَالَ فِي " التَّمْهِيد " : حَكَاهُ بَعضهم عَن الشَّافِعِي.
-
وَاخْتَارَهُ [أَبُو الطّيب] ، والأستاذ أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ.
-
وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمد فِي حَاكم حكم فِي مُفلس أَن صَاحب الْمَتَاع أُسْوَة الْغُرَمَاء " يرد حكمه " .
- ج ١ ص ٣٩٣٨
وَفِي " الْعدة " : لاعْتِقَاده خلاف النَّص، لَا أَنه يقطع بِإِصَابَة وَخطأ.
-
وَفِي " الْخلاف " : ظَاهره: لَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد.
وَقَالَ فِيهَا فِي مَسْأَلَة الظفر: إِن سوغنا الِاجْتِهَاد فِيهِ لم يَأْخُذهُ بِلَا حكم وَإِلَّا أَخذه: كمغصوب، وَذكر - أَيْضا - أَنه لَا ينْقض بالآحاد لعدم الْقطع، وَفِي أثْنَاء الْمَسْأَلَة ذكر نقضه لمُخَالفَة النَّص.
- وجزموا فِي الْفُرُوع بنقضه:
-
مِنْهُم " الرِّعَايَة " - إِلَّا ظَاهر " الْفُصُول " ، واحتمالا فِي " الْكَافِي " فِي - مَسْأَلَة الْمُفلس - بنقضه بِنَصّ آحَاد خلاف الْأَشْهر هُنَا.
- ج ١ ص ٣٩٣٩
وَجزم صَاحب " الرِّعَايَة " - فِي أصُول الْفِقْه -: لَا ينْقض إِلَّا بقاطع مَعَ أَنه ذكر نقضه بتقليد غَيره.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: يقطع فِي بعض الْمسَائِل، وعَلى هَذَا يَنْبَنِي نقض الحكم، وَخَالف أَحْمد فِي مسَائِل وَتوقف فِي أُخْرَى.
-
وَكَذَا قَالَه ابْن حَامِد: " لَا خلاف عَن أبي عبد الله أَن الْأَخْذ بِالرَّأْيِ مَعَ الْخَبَر مَقْطُوع بخطئه وَيرد عَلَيْهِ " .
-
وَمَا قَالَه صَحِيح قَالَه أَحْمد فِي قتل مُؤمن بِكَافِر.
وَقَالَ: إِنَّمَا لَا يرد حكم الْحَاكِم إِذا اعتدلت الرِّوَايَة وَذكر قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ مَرْدُود " ، فَمن عمل خلاف السّنة رد عَلَيْهِ.
-
وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو الطّيب: أمْنَعهُ من الحكم بِاجْتِهَادِهِ وَلَا أنقضه.
- ج ١ ص ٣٩٤٠
وَذكر الْآمِدِيّ عَن الإِسْفِرَايِينِيّ وَابْن فورك: أَنه ظَنِّي.
وَقَالَ قوم: لَا دَلِيل عَلَيْهِ كدفين يصاب.
-
وَعند أبي حنيفَة، وَأَصْحَابه، والمزني: كل مُجْتَهد مُصِيب، وَالْحق وَاحِد عِنْد الله، وَهُوَ الْأَشْبَه الَّذِي لَو نَص الله على الحكم لنَصّ عَلَيْهِ وَعَلِيهِ دَلِيل، وَلم يُكَلف الْمُجْتَهد إِصَابَته بل الِاجْتِهَاد.
ج ١ ص ٣٩٤١قَالَ بعض أَصْحَابه: فَهُوَ مُصِيب ابْتِدَاء، أَي: فِي الطّلب، مخطيء انْتِهَاء، أَي: فِي الْمَطْلُوب، وَحَكَاهُ بَعضهم عَن الشَّافِعِي.
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: كل مُجْتَهد مُصِيب.
-
فَقيل: كالحنفية.
-
وَقيل: حكم تَابع لظن الْمُجْتَهد لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَلم يُكَلف عَن اجْتِهَاده، وَحكي عَن أبي حنيفَة، وَقَالَهُ الباقلاني.
- وَحكى عَن الْأَشْعَرِيّ قَوْلَيْنِ:
-
أَحدهمَا: كَقَوْلِه، وَذكره أَبُو الْمَعَالِي عَن مُعظم الْمُتَكَلِّمين، وَابْن عقيل عَن أَكثر الأشعرية.
-
وَبنى ابْن الباقلاني على هَذَا قَوْله: لَيْسَ فِي الأقيسة المظنونة تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير، وَإِنَّمَا المظنون بِحَسب الاتفاقات.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهِي هفوة عَظِيمَة هائلة.
-
وَعَن الجبائي: لَا يجْتَهد وَيتَخَيَّر من الْأَقْوَال.
-
واستنبطه ابْن الباقلاني من كَلَام الشَّافِعِي.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَهُوَ خرق للْإِجْمَاع.
-
وَعَن بَعضهم: لصالح الْأمة الْإِفْتَاء بالتشهي.
-
وَعَن قوم: إِن أفتى مُجْتَهد أَو غَيره وبذل وَسعه يُرِيد التَّقَرُّب إِلَى الله فمصيب.
قَالَ: وطرده قوم فِي مسالك الْمَعْقُول.
- ج ١ ص ٣٩٤٣
وَحَكَاهُ بَعضهم عَن دَاوُد، والظاهرية.
-
وَذكر الْآمِدِيّ: أَنه نقل التصويب والتخطئة عَن الشَّافِعِي، وَأبي حنيفَة، وَأحمد، والأشعري.
-
وخرجه ابْن عقيل من دلَالَته على استفتاء غَيره بِلَا حَاجَة، بِخِلَاف حكم أَحْمد بِصِحَّة الصَّلَاة خَلفهم للْحَاجة لصِحَّة صَلَاة عَامي خلف مُجْتَهد فِي الْقبْلَة، وَلَا يجوز أَن يدله إِلَى غَيرهَا.
-
وَأَخذه بعض أَصْحَابنَا من قَول أَحْمد لمن سمى - كتاب الِاخْتِلَاف - سمه كتاب السعَة، وَهُوَ مَأْخَذ بعيد.
-
فَهَذَا النَّقْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عَن الْعلمَاء.
-
اسْتدلَّ لِلْقَوْلِ الأول وَهُوَ الصَّحِيح: بقوله تَعَالَى: {ففهمناها سُلَيْمَان} [الْأَنْبِيَاء: ٧٩] فتخصيصه دَلِيل اتِّحَاد الْحق، وإصابته وَلَا نَص،
ج ١ ص ٣٩٤٤وَإِلَّا لما اخْتلفَا، أَو ذكر فَنقل، وَلِأَنَّهُ وريث النُّبُوَّة بعده، وَإِنَّمَا يُوصف بالفهم المشتبه.
-
وَفِي " صَحِيح الْحَاكِم " : أَن سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " أَسأَلك حكما يُوَافق حكمك " ، وَلما عزي إِلَى سُلَيْمَان وَلَا سمي باسم تفيهم.