قوله فصل
٢٨ فقرة، ج ١ ص ٢٢٦٨
- ج ١ ص ٢٢٦٨
{الْأَمر الْمُطلق بِبيع يتَنَاوَلهُ وَلَو بِغَبن فَاحش، وَيصِح العقد، وَيضمن وَلَو النَّقْص عِنْد أَصْحَابنَا} .
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " : إِذا أطلق الْأَمر، كَقَوْلِه لوَكِيله: بِعْ كَذَا، فَعِنْدَ أَصْحَابنَا تنَاول البيع بِغَبن فَاحش وَاعْتبر ثمن الْمثل للْعُرْف وَالِاحْتِيَاط للْمُوكل.
-
وَفرقُوا أَيْضا بَينه وَبَين أمره - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - فِي اعْتِبَار إِطْلَاقه بالتعدية بتعليله بِخِلَاف الْمُوكل، ثمَّ هَل يَصح العقد وَيضمن الْوَكِيل النَّقْص أم لَا، كَقَوْل الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد، {وَعند الْحَنَفِيَّة لَا يعْتَبر ثمن الْمثل واعتبروه فِي} الْوَكِيل فِي {الشِّرَاء.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا، وَبَعض الشَّافِعِيَّة: الْأَمر بالماهية الْكُلية إِذا
ج ١ ص ٢٢٦٩أَتَى بمسماها امتثل، وَلم يتَنَاوَل اللَّفْظ الجزئيات وَلم ينفها، فَهِيَ مِمَّا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ. وَجَبت عقلا لَا قصدا} .
-
أَي: بِالْقَصْدِ الأول، بل بِالثَّانِي.
-
وَاخْتَارَ صَاحب " الْمَحْصُول " أَن {الْمَطْلُوب بِالْأَمر} نفس {الْمَاهِيّة الْكُلية فَالْأَمْر بِالْبيعِ لَيْسَ أمرا بِغَبن فَاحش، وَلَا ثمن الْمثل} ؛ لتَعَلُّقه بِقدر مُشْتَرك، وَهُوَ غير مُسْتَلْزم لكل مِنْهُمَا، وَالْأَمر بالأعم لَيْسَ أمرا بالأخص، وَأَنه لَا يمتثل إِلَّا بِالْأَمر بِمعين.
-
وَذكر بَعضهم الِاتِّفَاق على بُطْلَانه، {وَقَالَ الْآمِدِيّ، وَغَيره: الْمَطْلُوب فعل مُمكن مُطَابق للماهية الْمُشْتَركَة} ، وَأَنه لَو سلم تعلقه بِقدر مُشْتَرك فَأتى بِبَعْض الجزئيات فقد أَتَى بمسماه.
-
وَجه هَذَا أَن مَاهِيَّة الْفِعْل الْمُطلق كلي؛ لاشْتِرَاكهمَا بَين كثيرين فيستحيل وجودهَا خَارِجا وَإِلَّا لتشخص، فَيكون كليا وجزئيا مَعًا، وَهُوَ محَال فَلم يكن مَطْلُوبا بِالْأَمر وَإِلَّا لَكَانَ تكليفا بالمحال.
-
رد: الْمَاهِيّة بِشَرْط عدم التشخيص وَيُسمى الْمُجَرّد، وبشرط لَا شَيْء، لَا تُوجد خَارِجا.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا، وَغَيرهم: وَلَا ذهنا، وبشرط عدم التَّقْيِيد الْخَارِجِي تُوجد ذهنا، وَمن حَيْثُ هِيَ من غير اعْتِبَار تشخيص أَولا يُسمى الْمُطلق والماهية
ج ١ ص ٢٢٧٠لَا بِشَرْط شَيْء يُوجد خَارِجا جُزْء المشخص، فَمن حَيْثُ هِيَ لَا تَقْتَضِي وحدة، وَلَو اقْتَضَت تعددا امْتنع عرُوض التشخيص لَهَا، وَلِهَذَا قيل: لكل شَيْء حَقِيقَة هُوَ بهَا، هُوَ: فَمَا دلّ عَلَيْهِ الْمُطلق، وَعَلَيْهَا مَعَ وحدة مُعينَة الْمعرفَة، وَإِلَّا فالنكرة وَعَلَيْهَا مَعَ وحدات مَعْدُودَة الْعدَد، وَمَعَ كل جزئياتها الْعَام.
-
وَجه الثَّانِي: الْفِعْل مُطلق والجزئي مُقَيّد بالمشخص فَلَيْسَ بمطلوب، فالمطلوب الْفِعْل الْمُشْتَرك.
-
رد باستحالته بِمَا سبق.
-
ورد: الْمَاهِيّة بِقَيْد الِاشْتِرَاك لَيست مَطْلُوبَة من حَيْثُ معروضة لَهُ، وَهِي مَوْجُودَة خَارِجا، انْتهى كَلَام ابْن مُفْلِح.
-
لما ذكر ابْن قَاضِي الْجَبَل الْمَسْأَلَة، وَذكر نَص مَا ذكره ابْن مُفْلِح، قَالَ بعد ذَلِك: تَنْبِيه، هَذَا فَرد من قَاعِدَة عَامَّة، وَهِي الدَّال على الْأَعَمّ غير دَال على الْأَخَص، فَإِذا قُلْنَا: جسم، لَا يفهم أَنه نَام، وَإِذا قُلْنَا: نَام، لَا يفهم أَنه حَيَوَان، وَإِذا قُلْنَا: حَيَوَان، لَا يفهم أَنه إِنْسَان، وَإِذا قُلْنَا: إِنْسَان لَا يفهم أَنه زيد، فَإِن قُلْنَا: إِن الْكُلِّي قد يخص نَوعه فِي شخصه: كانحصار الشَّمْس فِي فَرد مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْقَمَر، وَكَذَلِكَ جَمِيع مُلُوك الأقاليم وقضاة الْأُصُول تَنْحَصِر أنواعهم فِي أشخاصهم، فَإِذا قلت: صَاحب مصر، إِنَّمَا ينْصَرف الذِّهْن إِلَى الْملك الْحَاضِر فِي وَقت الصِّيغَة، فَيكون الْآمِر
ج ١ ص ٢٢٧١بِتِلْكَ الْمَاهِيّة يتَنَاوَل الجزئي فِي جَمِيع هَذِه الصُّور، قلت: لم يَأْتِ ذَلِك من قبل اللَّفْظ، بل من جِهَة أَن الْوَاقِع كَذَلِك.
-
ومقصود الْمَسْأَلَة إِنَّمَا هُوَ دلَالَة اللَّفْظ من حَيْثُ هُوَ لفظ.
-
انْتهى كَلَام ابْن قَاضِي الْجَبَل.
-
قَوْله: فصل {الْأَمْرَانِ المتعاقبان بِلَا عطف إِن اخْتلفَا عمل بهما إِجْمَاعًا} ، كَقَوْلِك: صل، صم، زك، حج، وَنَحْوهَا على الِاخْتِلَاف فِي مُقْتَضى الْأَمر، كَمَا سبق.
-
قَوْله: {وَإِن تماثلا وَلم يقبل تَكْرَارا} ، كصم يَوْم الْجُمُعَة، صم يَوْم الْجُمُعَة، واقتل زيدا، اقْتُل زيدا، واعتق سالما، اعْتِقْ سالما، واجلد الزناة، اجلد الزناة، وَنَحْوه: {أَو قبل} التّكْرَار {ومنعت الْعَادة} مِنْهُ، كاسقني مَاء، اسْقِنِي مَاء، {أَو} كَانَ {الثَّانِي مُعَرفا} يَعْنِي يقبل التّكْرَار، وَلَكِن الثَّانِي معرف، كصل رَكْعَتَيْنِ، صل الرَّكْعَتَيْنِ، أَو كَانَ بَين الْآمِر والمأمور عهد ذهني يَعْنِي إِذا قبل التّكْرَار، وَلَكِن بَين الْأَمر والمأمور عهد ذهني يمْنَع التّكْرَار - قَالَه الْبرمَاوِيّ - {فَالثَّانِي مُؤَكد} للْأولِ {إِجْمَاعًا} .
- ج ١ ص ٢٢٧٢
قَوْله: {وَإِن لم تمنع} الْعَادة، {وَلم يتعرف} وَلَا كَانَ بَينهمَا عهد ذهني، {كصم صم} ، صل صل، أَو أعْط زيدا درهما، أعْط زيدا درهما وَنَحْو ذَلِك، {فَالثَّانِي تأسيس} لَا تَأْكِيد {عِنْد القَاضِي وَابْن عقيل، وَغَيرهمَا} ، وَذكره القَاضِي وَغَيره عَن الْحَنَفِيَّة.
-
وَقَالَهُ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " فِي مَسْأَلَة الْمُطلق والمقيد كبعد امْتِثَال الأول، {قَالَ أَبُو الْمجد: وَهُوَ الْأَشْبَه بمذهبنا} كَقَوْلِنَا فِيمَن قَالَ لزوجته: أَنْت طَالِق، أَنْت طَالِق، تلْزمهُ طَلْقَتَانِ.
-
وَذكره ابْن برهَان عَن الْفُقَهَاء قاطبة، وَقَالَهُ عبد الْجَبَّار والجبائي، وَابْن الباقلاني، والآمدي، وَغَيرهم؛ لِأَن الأَصْل
ج ١ ص ٢٢٧٣التأسيس.
وَقَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " : الثَّانِي تَأْكِيد لَا تأسيس؛ لِئَلَّا يجب فعل بِالشَّكِّ وَلَا تَرْجِيح.
-
وَمنع أَن تغاير اللَّفْظ يُفِيد تغاير الْمَعْنى، ثمَّ سلمه والتأكيد فَائِدَة، قَالَ ابْن مُفْلِح، كَذَا قَالَ.
-
وَقَالَهُ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة " ، وَاحْتج بِالْيَمِينِ وَالنّذر.
وَقَالَ ابْن مُفْلِح: كَذَا قَالَ، وَذكر أَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِي عَن أَحْمد الثَّانِي تَأْكِيد، وَاخْتلف أَصْحَابه.
-
وللشافعية كالقولين وَقَول ثَالِث بِالْوَقْفِ، وَقَالَهُ ابْن فورك، وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَهُوَ الصَّحِيح عَن الباقلاني؛ لمُخَالفَته الْبَرَاءَة الْأَصْلِيَّة، فَلَا يحمل على التَّأْكِيد وَلَا على التّكْرَار إِلَّا بِدَلِيل.
- ج ١ ص ٢٢٧٤
وعورض: يلْزم من الْوَقْف مُخَالفَة مُقْتَضى الْأَمر، فَيسلم التَّرْجِيح بالتأسيس.
-
قَوْله: {وَإِن كَانَ الثَّانِي مَعْطُوفًا وَاخْتلفَا عمل بهما} ، مَا تقدم من الْأَحْكَام، والتقاسيم فِيمَا إِذا كَانَ الْأَمْرَانِ بِلَا عطف.
-
وَمَا ذكر هُنَا إِذا كَانَ مَعْطُوفًا على الأول وَاخْتلفَا عمل بهما، كصل، وصم، وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة، وَنَحْوهمَا.
-
{وَإِن تماثلا وَلم يقبل تَكْرَارا} إِذا تماثلا، فَتَارَة يقبل الْعَطف التّكْرَار وَتارَة لَا يقبل، فَإِن لم يقبل التّكْرَار - وَهِي الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب - فَتَارَة لَا يقبله حسا، كاقتل زيدا واقتل زيدا، وَتارَة لَا يقبله حكما: كأعتق سالما، وَأعْتق سالما، فَهُوَ تَأْكِيد بِلَا خلاف.
-
{وَإِن قبل} التّكْرَار {وَلم تمنع عَادَة وَلَا الثَّانِي معرف فالأقوال الثَّلَاثَة} الْمُتَقَدّمَة تَأتي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " : مَعَ تَرْجِيح آخر وَهُوَ الْعَطف، انْتهى.
-
قَوْله: {وَإِن منعت عَادَة تَعَارضا والأقوال الثَّلَاثَة} فِيهَا.
-
{وَجزم الشَّيْخ} تَقِيّ الدّين هُنَا {بالتكرار} .