تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة
٢٨ فقرة، ج ١ ص ٢٣٩
- ج ١ ص ٢٣٩
يعلمهُمْ} [الْأَنْفَال: ٦٠] ، أَي: لَا تعرفونهم الله يعرفهُمْ] ، قَالَ: فَإِن قلت: لَا تطلق الْمعرفَة على الله؛ لِأَنَّهَا توهم سَابِقَة الْجَهْل، قلت: سَابِقَة الْجَهْل إِنَّمَا تكون فِيمَن يَصح عَلَيْهِ الْجَهْل) انْتهى.
-
وَهُوَ كَمَا قُلْنَا، وَقد تقدم عِنْد قَوْلنَا: (إِن الْعلم يَأْتِي بِمَعْنى الْمعرفَة) : أَن الْبرمَاوِيّ وَغَيره استدلوا لذَلِك بآيَات كَثِيرَة أَن الْعلم من الله بِمَعْنى الْمعرفَة، فليعاود، ومرادهم مَا قُلْنَا، وَيَأْتِي - أَيْضا - وَاضحا فِي الفروق بَين الْعلم والمعرفة، وَنقل الْعلمَاء أَيْضا.
-
وَمِمَّا اسْتشْكل على ذَلِك قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: / " تعرف إِلَى الله فِي الرخَاء يعرفك فِي الشدَّة " .
- ج ١ ص ٢٤٠
وَأجَاب عَنهُ ابْن خطيب الدهشة وَغَيره: (بِأَن هَذَا من بَاب الْمُقَابلَة، مثل: {ومكروا ومكر الله} [آل عمرَان: ٥٤] ، وَلَا يجوز أَن يُقَال لله ماكر إِلَّا من بَاب الْمُقَابلَة، وَأَن المُرَاد هُنَا: تقرب من الله تَعَالَى فِي الرخَاء يتَقرَّب مِنْك فِي الشدَّة) انْتهى.
- ج ١ ص ٢٤١
قَوْله: {وَعلم الْمَخْلُوق مُحدث ضَرُورِيّ، وَهُوَ مَا يعلم من غير نظر، ونظري عَكسه، قَالَه فِي " الْعدة " ، و " التَّمْهِيد " [وَجمع] ، وَقَالَ الْأَكْثَر: الضَّرُورِيّ مَا لَا يتقدمه تَصْدِيق يتَوَقَّف عَلَيْهِ، والنظري بِخِلَافِهِ} .
-
علم الْمَخْلُوق مُحدث بِلَا نزاع بَين الْعلمَاء، وَهُوَ ضَرُورِيّ، ونظري، فالضروري: مَا يعلم من غير نظر، كتصورنا معنى النَّار، وَأَنَّهَا حارة، وَمعنى الْوَاحِد، وَأَنه نصف الِاثْنَيْنِ، وَنَحْوهمَا.
- ج ١ ص ٢٤٢
والنظري عَكسه، وَهُوَ: مَا لَا يعلم إِلَّا بِنَظَر، قَالَه القَاضِي فِي " الْعدة " ، وَأَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " ، وَغَيرهمَا.
قَالَ فِي " التَّمْهِيد " : (وَقَوْلنَا: ضَرُورَة: مَا يلْزم الْعلم بِهِ ضَرُورَة، وَلَا يُمكنهُ دَفعه فِي نَفسه بِحَال، وَلَا يُمكنهُ إِدْخَال الشَّك فِيهِ) .
وَقَالَ الْأَكْثَر: (الضَّرُورِيّ: مَا لَا يتقدمه تَصْدِيق يتَوَقَّف عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ طرفاه أَو أَحدهمَا بِالْكَسْبِ، والنظري - وَيُسمى الْمَطْلُوب - بِخِلَافِهِ، أَي: يطْلب بِالدَّلِيلِ) .
-
وَالَّذِي يظْهر أَن معنى الْقَوْلَيْنِ مُتَقَارب؛ فَإِن الَّذِي لَا يتقدمه تَصْدِيق يتَوَقَّف عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يعلم من غير نظر، إِلَّا أَن قَول الْأَكْثَر أَعم، لدُخُول مَا
ج ١ ص ٢٤٣إِذا كَانَ أَحدهمَا بِالْكَسْبِ أَو كِلَاهُمَا كَذَلِك.
-
فَائِدَة: قَالَ أَبُو الْفرج فِي مُقَدّمَة " الْإِيضَاح " فِي الْفِقْه: (حد الْعلم الضَّرُورِيّ فِي اللُّغَة: الْحمل على الشَّيْء والإلجاء إِلَيْهِ، وَحده فِي الشَّرِيعَة: مَا لزم نفس الْمُكَلف لُزُوما لَا يُمكنهُ الْخُرُوج عَنهُ، وَقيل: مَا لم يجز وُرُود الشَّك عَلَيْهِ) .
-
قَوْله: { [الثَّالِثَة] : الْمعرفَة أخص من الْعلم [من حَيْثُ أَنَّهَا] علم مستحدث، [أَو] انكشاف بعد لبس، [وأعم من حَيْثُ إِنَّهَا يَقِين وَظن] ، وَقَالَ القَاضِي: مرادفته} .
-
الْمعرفَة أخص / من الْعلم من وَجه، وأعم من آخر، فبالنظر إِلَى أَنَّهَا علم مستحدث فالعلم أَعم؛ لكَونه يكون مستحدثاً وَغير مستحدث كعلم الله تَعَالَى، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قد قيل: الْمعرفَة علم الشَّيْء من حَيْثُ تَفْصِيله، وَالْعلم مُتَعَلق بالشَّيْء مُجملا ومفصلاً فَهُوَ أَعم.
- ج ١ ص ٢٤٤
أَيْضا الْمعرفَة قيل: أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا بعد جهل، [بِخِلَاف الْعلم فقد يكون بعد الْجَهْل] كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا} [النَّحْل: ٧٨] ، وَيكون من غير جهل كَالْعلمِ الْقَدِيم فَهُوَ أَعم، وَفِي الْحَقِيقَة هَذَا كَالْأولِ. وبالنظر إِلَى أَن الْمعرفَة تَشْمَل اليقيني والظني، وَالْعلم لليقيني، [فَهِيَ] أَعم.
-
وَقَوله: فَهِيَ علم مستحدث.
-
هَذَا أصل وَضعهَا فِي الْغَالِب، وَتقدم ذَلِك.
-
وَقيل: انكشاف بعد لبس، فَهُوَ قريب من الَّذِي قبله، إِلَّا أَن الأول لم يكن حصل فِيهِ لبس، بل استحدث من غير لبس.
-
وَقد ذكر الْعلمَاء فروقاً كَثِيرَة غير ذَلِك بَين الْعلم والمعرفة.
-
فَمِنْهَا: أَن الْمعرفَة مَا نسي ثمَّ ذكر، بِخِلَاف الْعلم فَإِنَّهُ أَعم.
-
وَمِنْهَا: أَن الْمعرفَة تتَعَلَّق بالجزيئات، وَالْعلم بالكليات.
- ج ١ ص ٢٤٥
[قَالَه] السُّهيْلي فِي " نتائج الْفِكر " ، وَنقل عَن ابْن سينا.
-
وَقيل: الْعلم مَا كَانَ بِدَلِيل، والمعرفة مَا كَانَ [فِيهِ] الْإِدْرَاك أولياً بِلَا اسْتِدْلَال، ذكره ابْن الخشاب.
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى من أَصْحَابنَا، والطوفي، وَجمع: الْمعرفَة مرادفة للْعلم.
-
فَإِنَّمَا أَن يكون مُرَادهم غير علم الله تَعَالَى، وَإِمَّا أَن يكون مُرَادهم بالمعرفة بِأَنَّهَا تطلق على الْقَدِيم وَلَا تطلق على المستحدث، وَالْأول أولى.
- ج ١ ص ٢٤٦
والناقل عَن القَاضِي ابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين " .
فَقَالَ: (والمعرفة كَالْعلمِ عِنْد القَاضِي، وَقيل: هِيَ أَعم، لِأَنَّهَا [تَشْمَل] الْعلم، وَالظَّن، فَكل بشر عَالم عَارِف، وَلَيْسَ كل عَارِف عَالما، فَإِن الْبَارِي عَالم وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ عَارِف) انْتهى.
قلت: قَالَ فِي " الْمِصْبَاح " : (عَلمته أعلمهُ وعرفته، هَكَذَا يفسرون الْعلم بالمعرفة، وَبِالْعَكْسِ، لتقارب الْمَعْنيين، وَهُوَ أَن كل وَاحِد لَا يكون إِلَّا بعد سبق الْجَهْل.
قَالَ الواحدي: (وَالْعلم يكون معرفَة لقَوْله تَعَالَى: / {لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} [الْأَنْفَال: ٦٠] ، وَقد قيل فِي الْفرق: إِن الْعلم يكون بِالسَّبَبِ، والمعرفة بالجبلة، وَلِهَذَا تكون الْمعرفَة فِي الْبَهَائِم دون الْعلم) .
-
وَفِي التَّنْزِيل: {مِمَّا عرفُوا من الْحق} [الْمَائِدَة: ٨٣] أَي: علمُوا قَالَ زُهَيْر:
ج ١ ص ٢٤٧(وَأعلم علم الْيَوْم والأمس قبله ... ولكنني عَن علم مَا فِي غَد عمي)
-
انْتهى، وَتقدم كَلَام النيلي.
-
قَوْله: {وَتطلق على مُجَرّد التَّصَوُّر فتقابل الْعلم} .
-
قد تقدم أَن الْعلم يُطلق على مُجَرّد التَّصْدِيق فَيشْمَل اليقيني والظني.
-
وَتطلق الْمعرفَة على مُجَرّد التَّصَوُّر الَّذِي لَا حكم مَعَه، فعلى هَذَا تكون الْمعرفَة قسيم الْعلم. وَقيل: الْمعرفَة فِيمَا يكون مشعوراً بالحواس، وَالْعلم غير ذَلِك، فَهُوَ مباين لَهَا، وَهَذَانِ فرقان - أَيْضا - بَين الْمعرفَة وَالْعلم.
-
فتلخص أَن الْعلم والمعرفة، هَل بَينهمَا عُمُوم وخصوص من وَجه، أَو مُتَرَادِفَانِ، أَو متباينان، أَو الْمعرفَة أَعم، أَو عَكسه؟ فِيهِ أَقْوَال.