قوله فصل
١٥ فقرة، ج ١ ص ٢٥٠٠
- ج ١ ص ٢٥٠٠
{مثل {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة} [التَّوْبَة: ١٠٣] يَقْتَضِي أَخذ الصَّدَقَة من كل نوع من المَال فِي ظَاهر كَلَام أبي الْفرج} الشِّيرَازِيّ، {وَقَالَهُ ابْن حمدَان} فِي " الْمقنع " ، وَأكْثر الْعلمَاء من أَصْحَاب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم، إِلَّا أَن يخص بِدَلِيل من السّنة، وَهُوَ مَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي " الرسَالَة " .
-
{وَخَالف الْكَرْخِي وَابْن الْحَاجِب} ، فَقَالَا: يَكْفِي الْأَخْذ من نوع وَاحِد.
ج ١ ص ٢٥٠١قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَنقل عَن الْكَرْخِي من الْحَنَفِيَّة أَن مُقْتَضى الْآيَة إِنَّمَا هُوَ أَخذ صَدَقَة وَاحِدَة من نوع وَاحِد، وَرجحه ابْن الْحَاجِب حَيْثُ قَالَ: خلافًا للأكثرين، ثمَّ قَالَ: لنا أَنه بِصَدقَة وَاحِدَة يصدق أَنَّهَا أَخذ مِنْهَا صَدَقَة فَيلْزم الِامْتِثَال، وَأَيْضًا فَإِن كل دِينَار مَال وَلَا يجب ذَلِك بِإِجْمَاع. انْتهى.
-
أُجِيب عَن الأول بِمَنْع صدق ذَلِك؛ لِأَن أَمْوَالهم جمع مُضَاف فَكَانَ عَاما فِي كل نوع نوع، وفرد فَرد إِلَّا مَا خرج بِالسنةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي.
-
وَعَن الثَّانِي: بِأَن المُرَاد عَن كل نِصَاب نِصَاب كَمَا بَينته السّنة.
-
وَمِمَّا ذكر احتجاجا للكرخي أَن (من) فِي الْآيَة للتَّبْعِيض، وَلَو كَانَت الْآيَة عَامَّة، والتبعيض يصدق بِبَعْض الْمَجْمُوع، وَلَو من نوع وَاحِد.
-
وَجَوَابه: أَن التَّبْعِيض فِي الْعَام إِنَّمَا يكون بِاعْتِبَار تبعيض كل جزئي جزئي مِنْهُ فَلَا بُد أَن يكون مأخوذا من كل نِصَاب، إِذْ لَو أسقطت (مِن) لَكَانَ المَال يُؤْخَذ كُله صَدَقَة.
-
وَأما الْآمِدِيّ فتوقف فِي الْمَسْأَلَة، فَلم يرجح شَيْئا؛ إِذْ قَالَ فِي آخر كَلَامه: وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ مُحْتَملَة، ومأخذ الْكَرْخِي دَقِيق، قَالَه الْبرمَاوِيّ.
ج ١ ص ٢٥٠٢قلت: بل ميل الْآمِدِيّ إِلَى مُوَافقَة الْكَرْخِي لقَوْله: مأخذه دَقِيق؛ وَلأَجل ذَلِك - وَالله أعلم - اخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَنَصره.
-
قَوْله: {وَإِذا تضمن الْعَام مدحا أَو ذما كالأبرار، والفجار} كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الْأَبْرَار لفي نعيم (١٣) وَإِن الْفجار لفي جحيم} [الانفطار: ١٣، ١٤] ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله} [التَّوْبَة: ٣٤] ، وَقَوله تَعَالَى: {وَالَّذين هم لفروجهم حافظون} [الْمُؤْمِنُونَ: ٥] {لم يمْنَع عُمُومه} ، أَي: لم يُغير عُمُومه {عِنْد} الْأَئِمَّة {الْأَرْبَعَة} .
قَالَ الْأُسْتَاذ: هُوَ ظَاهر الْمَذْهَب، وَقَالَ أَبُو حَامِد، وسليم، وَابْن برهَان، وَابْن السَّمْعَانِيّ، هُوَ الْمَذْهَب وَهُوَ الثَّابِت عَن الشَّافِعِي،
ج ١ ص ٢٥٠٣وَهُوَ الصَّحِيح؛ إِذْ لَا تنَافِي بَين قصد الْعُمُوم وَبَين الْمَدْح، أَو الذَّم فَيحمل الذَّهَب وَالْفِضَّة وَغَيرهمَا على الْعُمُوم؛ إِذْ لَا صَارف لَهُ عَنهُ.
-
{وَقيل: بلَى} ، أَي: تمنع الْعُمُوم، وَنَقله أَبُو الْمَعَالِي وَغَيره عَن الشَّافِعِي، وَاخْتَارَهُ ألكيا، والقفال، وَالْقَاضِي حُسَيْن، وَقَالَهُ بعض الْحَنَفِيَّة كالكرخي وَغَيره، وَبَعض الْمَالِكِيَّة.
-
وَلذَلِك منع الشَّافِعِي التَّمَسُّك بِآيَة الزَّكَاة السَّابِقَة فِي وجوب زَكَاة الْحلِيّ الْمُبَاح.
- ج ١ ص ٢٥٠٤
وَالْآيَة {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب} قَالُوا: الْقَصْد الْمُبَالغَة فِي الْحَث والزجر فَلم يعم.
-
رد: الْعُمُوم أبلغ من ذَلِك، وَلَا مُنَافَاة فَعم للمقتضي، وَانْتِفَاء الْمَانِع.
-
{وَقيل: يمْنَع إِن عَارضه عَام آخر، وَإِلَّا فَلَا} يمْنَع فَيكون بَاقِيا على عُمُومه إِذا لم يُعَارضهُ عَام آخر لم يسق لمدح وَلَا ذمّ، فَإِن عَارضه ذَلِك عمل بالمعارض الْخَالِي عَن الْمَدْح والذم.
-
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة عين القَوْل بِالْعُمُومِ؛ لِأَن غَايَة الْمُعَارضَة قرينَة تقدم غَيره عَلَيْهِ فِي صُورَة.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَهَذَا القَوْل أَصَحهَا، وَهُوَ الثَّابِت عَن الشَّافِعِي الصَّحِيح من مذْهبه.
قَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ: الثَّالِث أَنه للْعُمُوم إِلَّا إِن عَارضه عَام آخر لم يقْصد بِهِ الْمَدْح أَو الذَّم فيترجح الَّذِي لم يسق لذَلِك عَلَيْهِ، نَحْو قَوْله تَعَالَى:
ج ١ ص ٢٥٠٥{وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ} [النِّسَاء: ٢٣] ، مَعَ قَوْله: {أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم} [النِّسَاء: ٣] فَالْأولى سيقت؛ لبَيَان الحكم فَقدمت على مَا سياقها الْمِنَّة بِإِبَاحَة الْوَطْء بِملك الْيَمين.
-
وَقد رد أَصْحَابنَا بِهَذَا على دَاوُد الظَّاهِرِيّ احتجاجه بِالثَّانِيَةِ على إِبَاحَة الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين. انْتهى.