قوله فصل
٤١ فقرة، ج ١ ص ٢٧٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٧٠
{الْحَد لُغَة: الْمَنْع، وَاصْطِلَاحا: الْوَصْف الْمُحِيط بِمَعْنَاهُ الْمُمَيز لَهُ عَن غَيره} .
-
الْحَد لَهُ مَعْنيانِ: معنى فِي اللُّغَة، وَمعنى فِي الِاصْطِلَاح.
-
فَمَعْنَاه فِي اللُّغَة: الْمَنْع، وَلذَلِك سمي البواب حداداً؛ لِأَنَّهُ يمْنَع من دُخُول الدَّار، وَسمي السجان حداداً؛ لمَنعه المعتقل من الْخُرُوج من السجْن، وَسميت الْحُدُود حدوداً، لِأَنَّهَا تمنع من الْعود، وَمِنْه: إحداد الْمَرْأَة فِي عدتهَا لِأَنَّهَا مَمْنُوعَة من الطّيب والزينة، وَسمي الْحَدِيد حديداً؛ لما فِيهِ من الْمَنْع
ج ١ ص ٢٧١لِامْتِنَاع حامله، ولابسه، وَسمي التَّعْرِيف حدا؛ لمَنعه الدَّاخِل من الْخُرُوج، وَالْخَارِج من الدُّخُول.
-
وَمَعْنَاهُ فِي الِاصْطِلَاح - أَي: حَده فِي الِاصْطِلَاح -: (الْوَصْف الْمُحِيط بِمَعْنَاهُ، الْمُمَيز لَهُ عَن غَيره) . قَالَه العسقالني سارح الطوفي. قَالَ القَاضِي عضد الدّين فِي " شرح الْمُخْتَصر " : (الْحَد عَن الْأُصُولِيِّينَ مَا يمييز الشَّيْء عَن غَيره) قَالَ الْغَزالِيّ: (قيل: حد الشَّيْء نَفسه وذاته، وَقيل: هُوَ اللَّفْظ الْمُفَسّر لمعناه على وَجه يجمع وَيمْنَع) انْتهى.
-
وَقيل: (هُوَ شرح مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ بطرِيق الْإِجْمَال) .
-
وَقدم فِي " نِهَايَة المبتدئين " : (أَنه قَول يكْشف حَقِيقَة الْمَحْدُود) وَذكر ثَمَانِيَة / أَقْوَال فِيهِ.
-
قَوْله: {وَهُوَ أصل كل علم، قَالَه الْفَخر} .
-
قَالَ الْفَخر إِسْمَاعِيل أَبُو مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ - من أَصْحَابنَا -: (الْحَد على الْحَقِيقَة أصل كل علم، فَمن لَا يُحِيط بِهِ علما لَا ثِقَة لَهُ بِمَا عِنْده) . انْتهى.
- ج ١ ص ٢٧٢
وَقَالَهُ غَيره، وَهُوَ صَحِيح.
-
قَوْله: {شَرطه: أَن يكون مطرداً، وَهُوَ الْمَانِع: كلما وجد الْحَد وجد الْمَحْدُود، منعكساً، وَهُوَ الْجَامِع: كلما وجد الْمَحْدُود وجد الْحَد، وَيلْزمهُ: كلما انْتَفَى الْحَد انْتَفَى الْمَحْدُود} .
-
وَحَقِيقَة الانعكاس هُنَا: كلما وجد الْمَحْدُود وجد الْحَد، فَإِنَّهُ عكس الاطراد، وَهُوَ: كلما وجد الْحَد وجد الْمَحْدُود، وَيلْزمهُ: كلما انْتَفَى الْحَد انْتَفَى الْمَحْدُود، فَإِنَّهُ إِذا وجد الْمَحْدُود وجد الْحَد، فَإِذا انْتَفَى انْتَفَى، صرح بِهِ القَاضِي عضد الدّين، وَغَيره، وَهُوَ وَاضح.
-
وَفَسرهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره بلازمه، فَقَالَ: (المنعكس كلما انْتَفَى الْحَد انْتَفَى الْمَحْدُود) ، وَالتَّحْقِيق الأول.
-
وَتجب مُسَاوَاة الْحَد للمحدود، لِأَنَّهُ إِن كَانَ أَعم فَلَا دلَالَة لَهُ على الْأَخَص، وَلَا يُفِيد التَّمْيِيز، وَإِن كَانَ أخص، فَلِأَنَّهُ أخْفى، لِأَنَّهُ أقل وجودا مِنْهُ.
- ج ١ ص ٢٧٣
وَكَون الْمَانِع تَفْسِيرا للمطرد، وَالْجَامِع تَفْسِيرا للمنعكس - كَمَا قُلْنَا - هُوَ الصَّحِيح عِنْدهم، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر من أَصْحَابنَا.
-
{وَعكس الْقَرَافِيّ، وَغَيره} .
-
وَهُوَ: أَبُو عَليّ التَّمِيمِي فِي " التَّذْكِرَة " فِي أصُول الدّين، والطوفي فِي " شَرحه " ، فَقَالُوا: (كَونه مطرداً هُوَ الْجَامِع، وَكَونه منعكساً هُوَ الْمَانِع) .
-
قَوْله: {وَقيل: وَلَو مجَازًا ومشتركاً بِقَرِينَة} .
ج ١ ص ٢٧٤قَالَ الْأَكْثَر: لَا يجوز أَن يدْخل لفظ الْحَد الْمجَاز، وَقَالَ الْغَزالِيّ: يجوز إِذا عرف بالقرائن؛ لحُصُول الْبَيَان بهَا.
-
وَكَذَا لَا يجوز أَن يدْخل لفظ الْحَد الْمُشْتَرك عِنْد الْأَكْثَر، وَاخْتَارَ الْقَرَافِيّ الْجَوَاز إِذا وجدت قَرَائِن تدل عَلَيْهِ، وَمَا هما بِبَعِيد.
- ج ١ ص ٢٧٥
قَوْله: { [وَهُوَ حَقِيقِيّ تَامّ] : إِن أنبأ عَن ذاتيات الْمَحْدُود الْكُلية المركبة / لَهُ حد وَاحِد، وناقص: إِن كَانَ بفصل [قريب] أَو مَعَه جنس بعيد، [ورسمي: إِن أنبأ عَنهُ بِلَازِم لَهُ، تَامّ، وناقص، [ولفظي: إِن أنبأ عَنهُ بمرادف أظهر] } .
-
الْحَد يَنْقَسِم إِلَى خَمْسَة أَقسَام: أَحدهَا: حَقِيقِيّ تَامّ - وَهُوَ الأَصْل - وَذَلِكَ إِن أنبأ عَن ذاتيات الْمَحْدُود الْكُلية المركبة، كَقَوْلِنَا: مَا الْإِنْسَان؟
- ج ١ ص ٢٧٦
فَيُقَال: حَيَوَان نَاطِق، وَهَذَا وَشبهه لَيْسَ لَهُ إِلَّا حد وَاحِد؛ لِأَن ذَات الشَّيْء لَا يكون لَهُ حدان.
-
لَا يُقَال: جَمِيع ذاتيات الشَّيْء عين الشَّيْء، وَالشَّيْء لَا يُفَسر نَفسه؟
-
لأَنا نقُول: دلَالَة الْمَحْدُود من حَيْثُ الْإِجْمَال، وَدلَالَة الْحَد من حَيْثُ التَّفْصِيل، فَلَيْسَ عينه من كل وَجه، فصح تَعْرِيفه بِهِ، وَلذَلِك لم يَجْعَل اللفظان مترادفين - على الْمُرَجح، على مَا يَأْتِي - إِلَّا إِذا كَانَ الْحَد لفظياً.
- الثَّانِي: حَقِيقِيّ نَاقص لَهُ صُورَتَانِ:
-
الأولى: أَن يكون بفصل قريب فَقَط، كَقَوْلِنَا: مَا الْإِنْسَان؟ فَيُقَال: النَّاطِق.
-
الثَّانِيَة: أَن يكون بفصل قريب مَعَ جنس بعيد، كَقَوْلِنَا فِي جَوَاب مَا الْإِنْسَان؟ جسم نَاطِق.
-
الثَّالِث: رسمي تَامّ.
- ج ١ ص ٢٧٧
الرَّابِع: رسمي نَاقص.
-
وَذَلِكَ إِن أنبأ بِلَازِم مُخْتَصّ بِهِ؟
-
فالتام مِنْهُ: أَن يُؤْتى بذلك اللَّازِم مَعَ الْجِنْس الْقَرِيب، ك (الْإِنْسَان حَيَوَان ضَاحِك) .
-
والناقص مِنْهُ: أَن يُؤْتِي بِتِلْكَ الْخَاصَّة وَحدهَا، أَو مَعَ الْجِنْس الْبعيد، وَله صُورَتَانِ أَيْضا، كالإنسان ضَاحِك، أَو جسم ضَاحِك.
-
الْخَامِس: اللَّفْظِيّ: أَن يُؤْتى بِلَفْظ مرادف لَكِن هُوَ أشهر عِنْد السَّامع من الْمَحْدُود، كَقَوْلِه: مَا الخندريس؟ فَيُقَال: الْخمر أَو نَحْو ذَلِك.
-
قَوْله: {وَيرد عَلَيْهِ: النَّقْض، والمعارضة} .
-
يرد على الْحَد: النَّقْض، والمعارضة، عِنْد الْأَكْثَر.
ج ١ ص ٢٧٨قَالَ الْقَرَافِيّ فِي " شرح التَّنْقِيح " : (فَإِن قلت: إِذا لم يُطَالب على صِحَة الْحَد بِالدَّلِيلِ وَنحن نعتقد بُطْلَانه، فَكيف الْحِيلَة فِي ذَلِك؟
قلت: الطَّرِيق فِي ذَلِك أَمْرَانِ، أَحدهمَا: النقيض، كَمَا لَو قَالَ: الْإِنْسَان عبارَة عَن الْحَيَوَان، فَيُقَال: ينْتَقض عَلَيْك بالفرس، فَإِنَّهُ حَيَوَان مَعَ أَنه لَيْسَ بِإِنْسَان.
-
وَثَانِيهمَا: الْمُعَارضَة كَمَا لَو قَالَ: الْغَاصِب من الْغَاصِب / يضمن لِأَنَّهُ غَاصِب، أَو ولد الْمَغْصُوب مَضْمُون لِأَنَّهُ مَغْصُوب، لِأَن حد الْغَاصِب: من وضع يَده بِغَيْر حق، وَهَذَا وضع يَده بِغَيْر حق، فَيكون غَاصبا.
-
فَيَقُول الْخصم: أعارض هَذَا الْحَد بِحَدّ آخر، وَهُوَ: أَن حد الْغَاصِب من رفع الْيَد المحقة وَوضع الْيَد المبطلة، وَهَذَا لم يرفع الْيَد المحقة فَلَا يكون غَاصبا) انْتهى.
-
فقد ورد عَلَيْهِ النَّقْض والمعارضة.
-
وَقيل: لَا تقبل الْمُعَارضَة فِيهِ؛ لشعورها بِصِحَّة الْمعَارض، وَلَيْسَ لوَاحِد حدان، فأحدهما حق، وَلم يبْق سوى النَّقْض.
-
قَوْله: {لَا الْمَنْع فِي الْأَصَح} .
-
يَعْنِي: أَن الْمَنْع هَل يرد على الْحَد أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ.