قوله باب البيان
٢١ فقرة، ج ١ ص ٢٧٩٧
- ج ١ ص ٢٧٩٧
تقدم أَن للمجمل تعريفات وتقسيمات فَخذ ضدها فِي الْمُبين، فَإِن قلت: الْمُجْمل مَا تردد بَين محتملين فَأكْثر على السوَاء فَقل: الْمُبين مَا نَص على معنى معِين من غير إِبْهَام.
-
وَإِن قلت: الْمُجْمل مَا لَا يفهم مِنْهُ عِنْد الْإِطْلَاق معنى معِين، فَقل: الْمُبين مَا فهم مِنْهُ عِنْد الْإِطْلَاق معنى معِين من نَص، أَو ظُهُور بِالْوَضْعِ، أَو بعد الْبَيَان، وَكَذَا سَائِر التعريفات الصَّحِيحَة.
-
قَوْله: {وَيكون فِي مُفْرد، ومركب، وَقَول، وَفعل سبق إِجْمَال أم لَا} .
-
كَمَا أَن الْمُجْمل منقسم إِلَى مُفْرد ومركب، كَذَلِك الْمُبين يَنْقَسِم إِلَى مُفْرد ومركب.
قَالَ الْآمِدِيّ فِي " مُنْتَهى السول " : والمبين نقيض الْمُجْمل، وَيكون فِي
ج ١ ص ٢٧٩٨مُفْرد ومركب، وَفِي فعل سبق إِجْمَال، أَو لم يسْبق. انْتهى.
-
قَوْله: {سبق إِجْمَال أم لَا} ، يَعْنِي: أَن الْفِعْل يكون بَيَانا ابْتِدَاء من غير أَن يسْبقهُ إِجْمَال، وَيكون بَيَانا بعد الْإِجْمَال.
-
فَإِن الْبَيَان من حَيْثُ هُوَ يكون تَارَة ابْتِدَاء وَيكون تَارَة بعد الْإِجْمَال، وَقد وَقع هَذَا، وَهَذَا وَهُوَ وَاضح.
قَالَ الْعَضُد: وَقد يكون فِيمَا لَا يسْبق فِيهِ إِجْمَال كمن يَقُول ابْتِدَاء: {وَالله بِكُل شَيْء عليم} الْآيَة [الْبَقَرَة: ٢٨٢] .
-
قَوْله: {وَالْبَيَان يُطلق على التَّبْيِين، وَهُوَ الْمَدْلُول} .
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: الْبَيَان الْمُتَعَلّق بالتعريف والإعلام بِمَا لَيْسَ بمعرف، وَلَا مَعْلُوم؛ لِأَنَّهُ مصدر (بيّن) ، يُقَال: بَين تبيينا وبيانا، كَمَا يُقَال: كلم تكليما وكلاما، وَهُوَ عبارَة عَن الدّلَالَة. انْتهى.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَاعْلَم أَن الْبَيَان يُطلق تَارَة على فعل الْمُبين، وَهُوَ التَّبْيِين كالسلام بِمَعْنى التَّسْلِيم، وَالْكَلَام بِمَعْنى التكليم، فَهُوَ اسْم مصدر لَا مصدر؛ لعدم جَرَيَانه على الْفِعْل. انْتهى.
- إِذا علم ذَلِك فَلهُ ثَلَاثَة إطلاقات:
- ج ١ ص ٢٧٩٩
أَحدهَا: يُطلق على التَّبْيِين، وَهُوَ فعل الْمُبين الَّذِي هُوَ التَّعْرِيف والإعلام.
-
الثَّانِي: يُطلق على مَا حصل بِهِ التَّبْيِين، وَهُوَ الدَّلِيل.
-
الثَّالِث: يُطلق على مُتَعَلق التَّبْيِين وَمحله، وَهُوَ الْمَدْلُول، وَهُوَ الْمُبين - بِفَتْح الْيَاء -.
-
{فبالنظر إِلَى} الْإِطْلَاق {الأول قَالَ} أَبُو الْخطاب {فِي " التَّمْهِيد " : إِظْهَار الْمَعْلُوم للمخاطب} مُنْفَصِل عَمَّا يشكل، {وإيضاحه} لَهُ.
-
{وَمَعْنَاهُ فِي وَاضح} ابْن عقيل {وَلم يقل للمخاطب} .
-
{و} قَالَ {أَبُو بكر} عبد الْعَزِيز، وَأَبُو الْفرج الْمَقْدِسِي، {وَابْن عقيل - أَيْضا - والصيرفي: إِخْرَاج الْمَعْنى من حيّز الْإِشْكَال إِلَى حيّز التجلي} ، وَهُوَ للصيرفي، وَتَبعهُ عَلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَأَبُو الطّيب،
ج ١ ص ٢٨٠٠والآمدي، وَابْن الْحَاجِب، إِلَّا أَنهم زادوا: والوضوح تَأْكِيدًا وتقريرا.
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: هَذَا الْحَد قَاصِر؛ لِأَنَّهُ لَا يدْخل فِيهِ إِلَّا مَا كَانَ مُشكلا، ثمَّ أظهر، وَأما مَا بَينه من القَوْل كَقَوْلِه تَعَالَى: {هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام} [النَّحْل: ١١٦] فَهُوَ لم يكن مُشكلا.
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ: رُبمَا ورد من الله تَعَالَى بَيَان لما لم يخْطر ببال أحد.
-
وَأَيْضًا فَفِي التَّعْبِير بالحيز وَهُوَ حَقِيقَة فِي الْأَجْسَام يجوز إِطْلَاقه فِي الْمعَانِي وَنَحْوه التجلي.
-
وَأجِيب عَن الأول بِأَن السَّامع لما يرد من الْمُبين بِمَنْزِلَة من أشكل عَلَيْهِ الحكم فِي ذَلِك إِذا لم يكن عِنْده علم من ذَلِك [كَذَا] أجَاب بِهِ القَاضِي عبد الْوَهَّاب، لَكِن فِي تَسْمِيَته عدم الْعلم إشْكَالًا تجوز، على أَن هَذَا فرع عَن تَسْمِيَة إِيرَاد مَا كَانَ وَاضحا من الِابْتِدَاء بَيَانا، وَقد لَا يختاره
ج ١ ص ٢٨٠١الصَّيْرَفِي، ويخص الْبَيَان بِمَا سبق إِشْكَال فبينه.
-
وَاعْتَرضهُ ابْن السَّمْعَانِيّ بِأَن لفظ الْبَيَان أظهر من لفظ إِخْرَاج الشَّيْء إِلَى آخِره، وَقد يمْنَع ذَلِك.
-
وَعَن الثَّانِي بِأَن الْمجَاز بِالْقَرِينَةِ يدْخل فِي التعاريف، كَمَا صرح بِهِ الْغَزالِيّ وَغَيره على مَا تقدم فِي الْحُدُود.
-
{و} بِالنّظرِ {إِلَى} الْإِطْلَاق {الثَّانِي قَالَ التَّمِيمِي، وَأكْثر الأشعرية} ، والمعتزلة: {هُوَ الدَّلِيل} ؛ لصِحَّة إِطْلَاقه عَلَيْهِ لُغَة وَعرفا مَعَ عدم مَا سبق، وَالْأَصْل الْحَقِيقَة.
-
لَكِن زَاد التَّمِيمِي على ذَلِك: الْمظهر للْحكم.
-
ورده القَاضِي أَبُو يعلى بالمجمل.
قَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " : لَهُ أَن يَقُول الْمُجْمل لَيْسَ دَلِيلا.