فصل

٦٤ فقرة، ج ١ ص ٦٧

الصفحة ١ من ٢

  1. فَأَما قَوْله فَالله الله فِي هَذَا الْإِقْدَام وَعَلَيْكُم بِمَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف الصَّالح وَترك الْخَوْض فِي الله بِمَا لم يرد بِهِ شرع وَلَا يطابقه عقل قُلْنَا قد فعلنَا ذَلِك بِحَمْد الله ومنته من غير وَصيته وأخذنا بِمَا كَانَ عَلَيْهِ سلفنا من غير نصيحته وفارقنا من فارقهم ورددنا على من خالفهم

    ج ١ ص ٦٧
  2. وَمن جملَة ذَلِك رددنا لقَوْله وتبينا فضيحته

  3. وَأما هُوَ فَإِنَّهُ بِهَذَا القَوْل آمُر بِالْبرِّ وناس نَفسه وناه عَن مُنكر ومخالف إِلَى مَا نهى عَنهُ

  4. وَالله تَعَالَى يمقت على ذَلِك قَالَ الله تبَارك وَتَعَالَى {كبر مقتا عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}

  5. وعير الله تَعَالَى الْيَهُود بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم}

  6. وروينا فِي خبر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ يُؤْتى بِرَجُل يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتاب بَطْنه فيدور فِيهَا كَمَا يَدُور الْحمار برحاه فيشرف عَلَيْهِ بعض من كَانَ يعرفهُ فِي الدُّنْيَا فَيَقُول أَي فلَان مَا هَذَا وَإِنَّمَا مَعَك كُنَّا نعلم مِنْك فَيَقُول إِنِّي كنت آمركُم بِالْأَمر وَلَا آتيه وأنهاكم عَن الْأَمر وآتيه أَو كَمَا لفظ الْخَبَر

  7. وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن شُعَيْب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله {وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ}

  8. وَقَالَت الشُّعَرَاء فِي ذَلِك أقوالا مِنْهَا قَول أبي الْأسود

    (يَا أَيهَا الرجل الْمعلم غَيره ... هلا لنَفسك كَانَ ذَا التَّعْلِيم)

    (أتراك تلقح بالرشاد عقولنا ... صفة وَأَنت من الرشاد عديم)

    ج ١ ص ٦٨(لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم)

    (إبدأ بِنَفْسِك فأنهها عَن غيها ... فَإِذا انْتَهَت عَنهُ فَأَنت حَكِيم)

    (فهناك ينفع إِن وعظت ويقتدى ... بالْقَوْل مِنْك وينفع التَّعْلِيم)

  9. وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة

    (يَا واعظ النَّاس قد أَصبَحت مُتَّهمًا ... إِذْ عبت مِنْهُم أمورا أَنْت تأتيها)

    (كملبس الثَّوْب من عري وعورته ... للنَّاس بادية مَا إِن يواريها)

    (وَأعظم الذَّنب بعد الشّرك تعلمه ... فِي كل نفس عماها عَن مساويها)

    (عرفانها بذنوب النَّاس تبصرها ... مِنْهُم وَلَا تعرف الْعَيْب الَّذِي فِيهَا) الطيل

  10. وَقَالَ أَيْضا

    (وصفت التقى حَتَّى كَأَنَّك ذُو تَقِيّ ... وريح الْخَطَايَا من ثِيَابك يسطع)

  11. فَهَذِهِ الَّتِي سَمَّاهَا نصيحة إِنَّمَا هِيَ أَمر بالخوض فِي الله عز وَجل بِغَيْر علم وَالرَّدّ لسنن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّهْي عَن القناعة بقول السّلف

  12. وَهِي وَإِن كَانَ قد تَابَ مِنْهَا وَرجع عَنْهَا فَلَا يَنْفَكّ من لُحُوقه إثمها

  13. وَيتَعَلَّق بِهِ إِثْم من ضل بهَا واغتر بتصنيفه إِيَّاهَا

  14. فَإِن من سنّ سنة سَيِّئَة فَعَلَيهِ وزرها ووزر من عمل بهَا إِلَى يَوْم القيامه

  15. وَأَرْجُو أَن تكون هَذِه الرسَالَة أعظم الْأَشْيَاء بركَة عَلَيْهِ ونفعا لَهُ من حَيْثُ أَنَّهَا تمنع النَّاس من الضلال بِكَلَامِهِ

  16. فَيَنْقَطِع عَنهُ الْإِثْم الَّذِي كَانَ يعرض الْوُصُول إِلَيْهِ بضلالهم بِهِ

  17. وأسأل الله تَعَالَى أَن يعْفُو عَنَّا وَعنهُ فَإِنَّهُ قد تَابَ من هَذِه الْمقَالة

  18. وَله فِي السّنة الْكَلَام الْكثير والتصانيف الجيدة

  19. وَلَو كَانَ محى هَذِه الْبِدْعَة من كِتَابه لَكَانَ قد استراح من إثمها وأراح من الْغَيْبَة

    ج ١ ص ٦٩بهَا

  20. وَلَكِن الله تَعَالَى يفعل مَا يُرِيد

  21. وَلَكنَّا قد نبأنا عَنهُ فِي تبطيلها وَبَيَان حَالهَا ليزول اغترار المغترين بهَا

  22. وَنحن نشفع الله تَعَالَى فِي الْعَفو عَنهُ وعنا وَأَن يقبل تَوْبَته وتوبة جَمِيع التائبين

  23. ونسأله تبَارك وَتَعَالَى أَن يثبتنا على دينه وَسنة نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويوفقنا لاتباع سلفنا الصَّالح وَلُزُوم طريقتهم ويجعلنا مَعَهم يَوْم الْقِيَامَة {مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ} برحمته وَكَرمه

  24. وأوصي إخْوَانِي وفقهم الله تَعَالَى بِلُزُوم كتاب ربكُم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَسنة نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والعض عَلَيْهَا بالنواجذ وَاجْتنَاب المحدثات

  25. فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة

  26. وَلَا تغتروا بمقالة قَائِل يصرفكم عَمَّا كُنْتُم عَلَيْهِ من السّنة كَائِنا من كَانَ

  27. فَإِنَّهُ لَا يزِيد على نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا على صحابته الْكِرَام وَلَا على إمامكم إِمَام السّنة بالِاتِّفَاقِ أبي عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل وَلَا على الْأَئِمَّة الَّذين كَانُوا فِي عصره وَقبل عصره وَقد بَلغَكُمْ وَذكرنَا لكم بعض مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَبَعض وصاياهم

  28. فَلَا تنحرفوا عَن ذَلِك بقول أحد وَإِن ظننتموه إِمَامًا كَبِيرا

  29. فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن معَاذ بن جبل رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ وزيغة الْحَكِيم

  30. وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ ثَلَاث يهدمن الدّين زلَّة عَالم وجدال مُنَافِق بِالْقُرْآنِ وأئمة مضلون

  31. وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِنِّي لأخاف على أمتِي ثَلَاثَة أَخَاف عَلَيْهِم من زلَّة الْعَالم وَمن حكم جَائِر وَمن هوى مُتبع

  32. وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تركت فِيكُم أَمريْن لن تضلوا مَا تمسكتم بهما كتاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

    ج ١ ص ٧٠وَقد أَرَاكُم الله عِبْرَة فِي هَذَا الرجل الَّذِي اعتقدتم غزارة علمه كَيفَ قد زل هَذِه الزلة القبيحة فَلَا تغتروا بِأحد ثمَّ وَإِيَّاكُم وَالْكَلَام فِي الْمسَائِل المحدثات الَّتِي لم تسبق فِيهَا سنة مَاضِيَة وَلَا إِمَام مرضِي فَإِنَّهَا بدع محدثة

  33. وَقد حذركُمْ نَبِيكُم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المحدثات فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاكُمْ ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَرّ الْأُمُور محدثاتها

  34. وَذَلِكَ مثل مَسْأَلَة النقط والشكل وَمَسْأَلَة تخليد أهل الْبدع فِي النَّار وَأَشْبَاه ذَلِك من المحدثات والحماقات الَّتِي لَا أثر فِيهَا فَيتبع وَلَا قَول من إِمَام مرضِي فيستمع

  35. فَإِن الْخَوْض فِيهَا شين والصمت عَنْهَا زين والمتكلم فِيهَا مُبْتَدع خائض فِي الْبِدْعَة مرتكب شَرّ الْأُمُور بِشَهَادَة الْخَبَر الْمَأْثُور

  36. وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَائل من تكلم فِيهَا عَن كَلَامه ومطالبه بحجته وبرهانه

  37. قَالَ سهل بن عبد الله التسترِي رَحمَه الله تَعَالَى مَا أحدث أحد فِي الْعلم شَيْئا إِلَّا يسْأَل عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة فَإِن وَافق السّنة وَإِلَّا فَهُوَ العطب

  38. وَمن سكت عَن هَذِه الحماقات لم يسْأَل عَنْهَا

  39. وَله فِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصحابته رَضِي الله عَنْهُم وتابعيهم أُسْوَة حَسَنَة

  40. وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى أعلم بالآثار مِنْكُم وَأَشد لَهَا طلبا وَقد رَضِينَا لأنفسنا بِاتِّبَاع سلفنا وَاجْتنَاب المحدثات بعدهمْ