فصل
٩٧ فقرة، ج ١ ص ٤٢
الصفحة ٢ من ٣
- ج ١ ص ٥٠
وَبَيَان ذَلِك من وُجُوه تِسْعَة
-
أَحدهَا قَول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله} فذم مُتبع التَّأْوِيل وقرنه بمبتغي الْفِتْنَة فِي الذَّم وَجعل ابتغاءه لذَلِك عَلامَة على الزيغ فَدلَّ ذَلِك على أَن ابتغاءه غير جَائِز
-
ثمَّ قطعهم عَمَّا أَملوهُ وحجبهم عَن بُلُوغ مَا ابتغوه بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله}
-
ثمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب}
-
ثمَّ سَأَلُوا رَبهم أَن لَا يجعلهم مثل متبعي التَّأْوِيل الزائغين فَقَالُوا {رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا}
-
الْوَجْه الثَّانِي أَنه لَو كَانَ تَأْوِيل ذَلِك وَاجِبا لبينه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمته فَإِنَّهُ لَا يجوز تَأْخِير الْبَيَان عَن وقته وَلِأَنَّهُ لَو وَجب علينا التَّأْوِيل لوَجَبَ عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مسَاوٍ لنا فِي الْأَحْكَام وَلَو وَجب عَلَيْهِ لما أخل بِهِ وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَرِيص على أمته لم يكتم عَنْهُم شَيْئا أمره الله بِهِ
-
وَقد قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته}
-
الْوَجْه الثَّالِث أَنه قد ثَبت أَن مَذْهَب السّلف رَضِي الله عَنْهُم وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة فِي هَذِه الْآيَات الْإِقْرَار والإمرار والرضاء وَالتَّسْلِيم من غير تَأْوِيل وَلَا تَعْطِيل وَقد بَينا بِالدَّلِيلِ أَن مَذْهَبهم الْحق وَأَنَّهُمْ على الْهدى الْمُسْتَقيم فَلَا يجوز مُخَالفَة سبيلهم وَلَا الْعُدُول عَن طريقهم
ج ١ ص ٥١الْوَجْه الرَّابِع أَن التَّأْوِيل حكم على الله عز وَجل بِمَا لَا يُعلمهُ المتأول وَتَفْسِير مُرَاده بِمَا لَا يعلم أَنه أَرَادَهُ
-
فَإِن أَكثر مَا عِنْد المتأول أَن هَذِه اللَّفْظَة تحْتَمل هَذَا الْمَعْنى فِي اللُّغَة وَلَيْسَ يلْزم من مُجَرّد إحتمال اللَّفْظ للمعنى أَن يكون مرَادا بِهِ فَإِنَّهُ كَمَا يحْتَمل هَذَا الْمَعْنى يحْتَمل غَيره وَقد يحْتَمل مَعَاني أخر لَا يعلمهَا
-
وَلَيْسَ لَهُ إحاطة بِمُقْتَضى اللُّغَات لَا سِيمَا الْمُتَكَلِّمين فَإِنَّهُم بعداء من معرفَة اللُّغَات والعلوم النافعة
-
وَقد حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ القَوْل بِغَيْر علم فَقَالَ تَعَالَى {قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ}
-
الْوَجْه الْخَامِس أَن التَّأْوِيل حدث فِي الدّين
-
فَإِن الْحَدث كل قَول فِي الدّين مَاتَت الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم على السُّكُوت عَنهُ
-
وَالْحَدَث فِي الدّين هُوَ الْبِدْعَة الَّتِي حذرناها نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخْبرنَا أَنَّهَا شَرّ الْأُمُور فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام شَرّ الْأُمُور محدثاتها
-
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة والمتأول تَارِك لسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَهُوَ مُحدث مُبْتَدع ضال بِحكم الْخَبَر الْمَذْكُور
-
الْوَجْه السَّادِس أَن التَّأْوِيل تكلّف وحمق وتنطع وَكَلَام بِالْجَهْلِ وَتعرض للخطر فِيمَا لَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَة
-
فَإِنَّهُ لَا حَاجَة لنا إِلَى علم معنى مَا أَرَادَ الله تَعَالَى من صِفَاته جلّ وَعز فَإِنَّهُ لَا يُرَاد مِنْهَا عمل وَلَا يتَعَلَّق بهَا
ج ١ ص ٥٢تَكْلِيف سوى الْإِيمَان بهَا
-
وَيُمكن الْإِيمَان بهَا من غير علم مَعْنَاهَا
-
فَإِن الْإِيمَان بِالْجَهْلِ صَحِيح
-
فَإِن الله تَعَالَى أَمر بِالْإِيمَان بملائكته وَكتبه وَرُسُله وَمَا أنزل إِلَيْهِم وَإِن كُنَّا لَا نَعْرِف من ذَلِك إِلَّا التَّسْمِيَة
-
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم} الْآيَة
-
وَقد نهينَا عَن التبدي والتنطع والتكلف
-
وَقَالَ الله تَعَالَى لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {قل مَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر وَمَا أَنا من المتكلفين}
-
الْوَجْه السَّابِع أَنه لَو كَانَ التَّأْوِيل وَاجِبا لم يخل إِمَّا أَن يجب على الْأَعْيَان أَو على من قَامَ عِنْده دَلِيله
-
فَإِن وَجب على الْأَعْيَان وَلزِمَ الْخلق كلهم من عدم الْمعرفَة بدليله فَفِيهِ تَكْلِيف القَوْل بِالْجَهْلِ والتهجم على صِفَات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكتابه وآياته بالتخرص والحدس
-
وَهَذَا حرَام بالإتفاق
-
وَإِن كَانَ غير وَاجِب على من لَا يُعلمهُ فَكيف يأمرون بِهِ عَامَّة النَّاس وَمن لَا يُعلمهُ وَيُنْكِرُونَ عَلَيْهِم تَركه وَلَو كَانُوا ذَوي تقوى أعفوا الْعَامَّة عَن التَّأْوِيل وَأمرُوهُمْ بترك التَّعَرُّض لما لَا يعْملُونَ
-
الْوَجْه الثَّامِن أَن التَّأْوِيل قَول فِي كتاب الله عز وَجل وَسنة رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالرَّأْيِ وَمن قَالَ فِي كتاب الله بِرَأْيهِ وَإِن أصَاب فقد أَخطَأ
-
وَقد قَالَ أَبُو
ج ١ ص ٥٣بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ حِين سُئِلَ عَن الْأَب فَقَالَ أَي سَمَاء تُظِلنِي وَأي أَرض تُقِلني إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى مَا لَا أعلم
-
الْوَجْه التَّاسِع أَن المتأول يجمع بَين وصف الله تَعَالَى بِصفة مَا وصف بهَا نَفسه وَلَا أضافها إِلَيْهَا وَبَين نفي صفة أضافها الله تَعَالَى إِلَيْهِ
-
فَإِذا قَالَ معنى اسْتَوَى استولى فقد وصف الله تَعَالَى بالإستيلاء وَالله تَعَالَى لم يصف بذلك نَفسه وَنفى صفة الاسْتوَاء مَعَ ذكر الله تبَارك وَتَعَالَى لَهَا فِي الْقُرْآن فِي سَبْعَة مَوَاضِع
-
أفما كَانَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرًا على أَن يَقُول استولى حَتَّى جَاءَ الْمُتَكَلف المتأول فتطرف وتحكم على الله سُبْحَانَهُ وعَلى رَسُوله تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
-
وَإِذا انسد بَاب التَّأْوِيل من هَذِه الطّرق كلهَا مَعَ أَن فِي وَاحِد مِنْهَا كِفَايَة لم يبْق إِلَّا الطَّرِيق الْوَاضِح وَالْقَوْل السديد وسلوك سَبِيل الله تَعَالَى الَّتِي دلّت على استقامتها الْآثَار وسلكها الصَّحَابَة الْأَبْرَار وَالْأَئِمَّة الأخيار وَمضى عَلَيْهَا الصالحون واقتفاها المتقون وَأوصى بلزمها الْأَئِمَّة الناصحون
ج ١ ص ٥٤الصادقون وَهِي الْإِيمَان بالألفاظ والآيات وَالْأَخْبَار بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الله تَعَالَى وَالسُّكُوت عَمَّا لَا نعلمهُ من مَعْنَاهَا وَترك الْبَحْث عَمَّا لم يكلفنا الله الْبَحْث عَنهُ من تَأْوِيلهَا وَلم يطلعنا على علمه وَاتِّبَاع طَرِيق الراسخين الَّذين أثنى الله عَلَيْهِم فِي كِتَابه الْمُبين حِين قَالُوا {آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا}
-
فَهَذَا الطَّرِيق السَّلِيم الَّذِي لَا خطر على سالكه وَلَا وَحْشَة على صَاحبه وَلَا مَخَافَة على مقتفيه وَلَا ضَرَر على السائر فِيهِ من سلكه سلم وَمن فَارقه عطب وَنَدم وَهُوَ سَبِيل الْمُؤمنِينَ الَّذِي دلّت عَلَيْهِ السّنة وسلكه صَالح الْأمة {وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا}
-
وعائب هَذِه الْمقَالة لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعيب الْإِيمَان بالألفاظ أَو السُّكُوت عَن التَّفْسِير أَو الْأَمريْنِ مَعًا
-
فَإِن عَابَ الْإِيمَان بالألفاظ فَهِيَ قَول رب الْعَالمين وَرَسُوله الصَّادِق الآمين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعائبها كَافِر بِاللَّه الْعَظِيم
-
وَلِأَن عائب الْإِيمَان بِمَا لَا يَخْلُو من أَن يكون مُؤمنا بهما أَو كَافِرًا فَإِن كَانَ مُؤمنا بهما فَكيف يعيب مَا هُوَ عَلَيْهِ وَإِن كفر بهما خرج من الْإِسْلَام وَكفر بِالْإِيمَان
-
قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ}
-
وَإِن عَابَ السُّكُوت عَن التَّفْسِير أَخطَأ
-
فإننا لَا نعلم لَهَا تَفْسِيرا وَمن لم يعلم شَيْئا وَجب عَلَيْهِ السُّكُوت عَنهُ وَحرم عَلَيْهِ الْكَلَام فِيهِ