في مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي يتأكد طلبها إما وجوبا واما استحبابا مؤكدا
١٥٤ فقرة، ج ١ ص ٣٢٧
الصفحة ١ من ٤
- ج ١ ص ٣٢٧
الموطن الأول وَهُوَ اهمها اكدها فِي الصَّلَاة فِي آخر التَّشَهُّد وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على مشروعيته وَاخْتلفُوا فِي وُجُوبه فِيهَا فَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ يواجب فِيهَا ونسبوا من أوجبه إِلَى الشذوذ وَمُخَالفَة الْإِجْمَاع مِنْهُم الطَّحَاوِيّ وَالْقَاضِي عِيَاض والخطابي فَإِنَّهُ قَالَ لَيست بواجبة فِي الصَّلَاة وَهُوَ قَول جمَاعَة الْفُقَهَاء إِلَّا الشَّافِعِي وَلَا أعلم لَهُ قدوة وَكَذَلِكَ ابْن الْمُنْذر ذكر أَن الشَّافِعِي تفرد بذلك وَاخْتَارَ عدم الْوُجُوب
-
وَاحْتج أَرْبَاب هَذَا القَوْل بِأَن قَالُوا وَاللَّفْظ لعياض وَالدَّلِيل على أَن الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيست من فروض الصَّلَاة عمل السّلف الصَّالح قبل الشَّافِعِي وإجماعهم عَلَيْهِ وَقد شنع النَّاس عَلَيْهِ الْمَسْأَلَة جدا وَهَذَا تشهد ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِي وَهُوَ الَّذِي علمه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه لَيْسَ فِيهِ الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ كل من روى التَّشَهُّد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَابْن عمر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعبد الله بن الزبير رَضِي الله
ج ١ ص ٣٢٨الله عَنْهُم لم يذكرُوا فِيهِ الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد قَالَ ابْن عَبَّاس وَجَابِر كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلمنَا التَّشَهُّد كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن وَنَحْوه عَن أبي سعيد
-
وَقَالَ ابْن عمر كَانَ أَبُو بكر يعلمنَا التَّشَهُّد على الْمِنْبَر كَمَا تعلمُونَ الصّبيان فِي الْكتاب وَكَانَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ يُعلمهُ أَيْضا على الْمِنْبَر يَعْنِي وَلَيْسَ فِي شَيْء من ذَلِك أَمرهم فِيهِ بِالصَّلَاةِ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
-
قَالَ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد وَمن حجَّة من قَالَ بِأَن الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيست فرضا فِي الصَّلَاة حَدِيث الْحسن بن الْحر عَن الْقَاسِم بن مخيمرة اخذ عَلْقَمَة بيَدي فَقَالَ إِن عبد الله أَخذ بيَدي كَمَا أخذت بِيَدِك فعلمني التَّشَهُّد فَذكر الحَدِيث إِلَى قَوْله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله قَالَ فَإِذا أَنْت قلت ذَلِك فقد قضيت الصَّلَاة فَإِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ قَالُوا فَفِي هَذَا الحَدِيث مَا يشْهد لمن لم ير الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّشَهُّد وَاجِبَة وَلَا سنة مسنونة وَأَن من تشهد فقد تمت صلَاته إِن شَاءَ قَامَ وَإِن شَاءَ قعد
-
قَالُوا لِأَن ذَلِك لَو كَانَ وَاجِبا أَو سنة فِي التَّشَهُّد لبين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك وَذكره
-
وَقَالُوا أَيْضا فقد روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ والطَّحَاوِي من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا رفع رَأسه من آخر السُّجُود فقد مَضَت صلَاته إِذا هُوَ أحدث وَاللَّفْظ
ج ١ ص ٣٢٩لحَدِيث الطَّحَاوِيّ وعندكم لَا تمْضِي صلَاته حَتَّى يصلى على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
-
قَالُوا وَقد روى عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ إِذا جلس مِقْدَار التَّشَهُّد ثمَّ أحدث فقد تمت صلَاته
-
وَمن حجتهم أَيْضا حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود فِي التَّشَهُّد وَقَالَ ثمَّ ليتخير مَا احب من الْكَلَام يَعْنِي وَلم يذكر الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
-
وَمن محجتهم أَيْضا حَدِيث فضَالة بن عبيد أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمع رجلا يَدْعُو فِي صلَاته وَلم يحمد الله وَلم يصل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عجل هَذَا ثمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَو لغيره إِذا صلى أحدكُم فليبدأ بِحَمْد ربه وَالثنَاء عَلَيْهِ ثمَّ يُصَلِّي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ // إِسْنَاده حسن //
-
قَالُوا فَفِي حَدِيث فضَالة هَذَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يَأْمر هَذَا الْمُصَلِّي الَّذِي ترك الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْإِعَادَةِ لِأَنَّهَا لَو كَانَت فرضا لأَمره بِإِعَادَة الصَّلَاة كَمَا أَمر الَّذِي لم يتم رُكُوعه وَلَا سُجُوده بِالْإِعَادَةِ
-
وَاحْتج هَؤُلَاءِ أَيْضا بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يعلمهَا الْمُسِيء فِي صلَاته وَلَو كَانَت من فروض الصَّلَاة الَّتِي لَا تصح إِلَّا بهَا لعلمه إِيَّاهَا كَمَا علمه الْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود والطمأنينة فِي الصَّلَاة
-
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْفَرَائِض إِنَّمَا تثبت بِدَلِيل صَحِيح لَا
ج ١ ص ٣٣٠معَارض لَهُ من مثله أَو بِإِجْمَاع مِمَّن تقوم الْحجَّة بإجماعهم
-
فَهَذَا جلّ مَا احْتج بِهِ النفاة وعمدتهم
-
ونازعهم آخَرُونَ فِي ذَلِك نقلا واستدلالا وَقَالُوا
-
أما نسبتكم الشَّافِعِي وَمن قَالَ بقوله فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى الشذوذ وَمُخَالفَة الْإِجْمَاع فَلَيْسَ بِصَحِيح فقد قَالَ بقوله جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ
-
فَمنهمْ عبد الله بن مَسْعُود فَإِنَّهُ كَانَ يَرَاهَا وَاجِبَة فِي الصَّلَاة وَيَقُول لَا صَلَاة لمن لم يصل فِيهَا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذكره ابْن عبد الْبر عَنهُ فِي التَّمْهِيد وَحَكَاهُ غَيره أَيْضا
-
وَمِنْهُم أَبُو مَسْعُود البدري روى عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره عَن شريك بن جَابر الْجعْفِيّ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ عَن أبي مَسْعُود قَالَ مَا أرى أَن صَلَاة لي تمت حَتَّى أُصَلِّي فِيهَا على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد
-
وَمِنْهُم عبد الله بن عمر ذكره الْحسن بن شبيب المعمري حَدثنَا عَليّ بن مَيْمُون حَدثنَا خَالِد بن حسان عَن جَعْفَر بن برْقَان عَن عقبَة بن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه قَالَ لَا تكون صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة وَتشهد وَصَلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن نسيت شَيْئا من ذَلِك فاسجد سَجْدَتَيْنِ بعد السَّلَام
-
وَقَالَ حَدثنَا عُثْمَان ابْن أبي شيبَة حَدثنَا شريك عَن أبي جَعْفَر قَالَ قَالَ أَبُو مَسْعُود البدري مَا أرى أَن صَلَاة لي تمت لَا أُصَلِّي فِيهَا على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
ج ١ ص ٣٣١وَمن التَّابِعين أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ وَالشعْبِيّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان
-
وَمن أَرْبَاب الْمذَاهب المتبوعين إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه قَالَ إِن تَركهَا عمدا لم تصح صلَاته وَإِن تَركهَا سَهوا رَجَوْت أَن تُجزئه
-
قلت عَن إِسْحَاق فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ ذكرهمَا عَنهُ حَرْب فِي مسَائِله قَالَ بَاب الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد التَّشَهُّد
-
قَالَ سَأَلت إِسْحَاق قلت الرجل إِذا تشهد فَلم يصل عَليّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أما أَنا فَأَقُول إِن صلَاته جَائِزَة
-
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تجوز صلَاته ثمَّ قَالَ أَنا أذهب إِلَى حَدِيث الْحسن بن الْحر عَن الْقَاسِم بن مخيمرة فَذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ حَرْب سَمِعت أَبَا يَعْقُوب يَعْنِي إِسْحَاق يَقُول إِذا فرغ من التَّشَهُّد إِمَامًا كَانَ أَو مَأْمُوما صلى على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُجزئهُ غير ذَلِك لقَوْل أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد عرفنَا السَّلَام عَلَيْك يَعْنِي فِي التَّشَهُّد وَالسَّلَام فِيهَا فَكيف الصَّلَاة فَأنْزل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي} الْأَحْزَاب ٥٦ وَفسّر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيفَ هِيَ فأدنى ذكر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ يَكْفِيهِ فليقله بعد التَّشَهُّد وَالتَّشَهُّد وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الجلسة الاخيرة عملان هما عَدْلَانِ لَا يجوز أحد أَن يتْرك وَاحِدًا مِنْهُمَا عمدا وَإِن كَانَ نَاسِيا رجونا أَن تُجزئه مَعَ أَن بعض عُلَمَاء الْحجاز قَالَ لَا يُجزئهُ ترك الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِن تَركه أعَاد الصَّلَاة تمّ كَلَامه
-
وَأما الإِمَام أَحْمد فاختلفت الرِّوَايَة عَنهُ فَفِي مسَائِل
ج ١ ص ٣٣٢الْمروزِي قيل لأبي عبد الله إِن ابْن رَاهْوَيْةِ يَقُول لَو أَن رجلا ترك الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّشَهُّد بطلت صلَاته قَالَ مَا أجترئ أَن أَقُول هَذَا
-
وَقَالَ مرّة هَذَا شذوذ
-
وَفِي مسَائِل أبي زرْعَة الدِّمَشْقِي قَالَ أَحْمد كنت أتهيب ذَلِك ثمَّ تبينت فَإِذا الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاجِبَة وَظَاهر هَذَا أَنه رَجَعَ عَن قَوْله بِعَدَمِ الْوُجُوب
-
وَأما قَوْلكُم الدَّلِيل على عدم وُجُوبهَا عمل السّلف الصَّالح قبل الشَّافِعِي وإجماعهم عَلَيْهِ فَجَوَابه أَن استدلالكم إِمَّا أَن يكون بِعَمَل النَّاس فِي صلَاتهم وَإِمَّا بقول أهل الْإِجْمَاع إِنَّهَا لَيست بواجبة فَإِن كَانَ الِاسْتِدْلَال بِالْعَمَلِ فَهُوَ من أقوى حجَجنَا عَلَيْكُم فَإِنَّهُ لم يزل عمل النَّاس مستمراً قرنا بعد قرن وعصراً بعد عصر على الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر التَّشَهُّد إمَامهمْ ومأمومهم ومنفردهم ومفترضهم ومتنفلهم حَتَّى لَو سُئِلَ كل مصل هَل صليت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الصَّلَاة لقَالَ نعم وَحَتَّى لَو سلم من غير صَلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعلم المأمومون مِنْهُ ذَلِك لأنكروا ذَلِك عَلَيْهِ وَهَذَا أَمر لَا يُمكن إِنْكَاره فَالْعَمَل أقوى حجَّة عَلَيْكُم فَكيف يسوغ لكم أَن تَقولُوا عمل السّلف الصَّالح قبل الشَّافِعِي يَنْفِي الْوُجُوب أفترى السّلف الصَّالح كلهم مَا كَانَ أحد مِنْهُم قطّ يُصَلِّي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صلَاته وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل
-
وَأما إِن كَانَ احتجاجكم بقول أهل الْإِجْمَاع أَيْضا إِنَّهَا لَيست
ج ١ ص ٣٣٣بِفَرْض فَهَذَا مَعَ أَنه لَا يُسمى عملا لم يُعلمهُ أهل الْإِجْمَاع وَإِنَّمَا هُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وأصحابهما وغايته أَنه قَول كثير من أهل الْعلم وَقد نازعهم فِي ذَلِك آخَرُونَ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأرباب الْمذَاهب كَمَا تقدم فَهَذَا ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَأَبُو مَسْعُود وَالشعْبِيّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان وجعفر بن مُحَمَّد وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَالْإِمَام أَحْمد فِي آخر قوليه يوجبون الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّشَهُّد فَأَيْنَ إِجْمَاع الْمُسلمين مَعَ خلاف هَؤُلَاءِ وَأَيْنَ عمل السّلف الصَّالح وَهَؤُلَاء من أفاضلهم رَضِي الله عَنْهُم وَلَكِن هَذَا شَأْن من لم يتتبع مَذَاهِب الْعلمَاء وَيعلم مواقع الْإِجْمَاع والنزاع
-
وَأما قَوْله قد شنع النَّاس على الشَّافِعِي الْمَسْأَلَة جدا فيا سُبْحَانَ الله أَي شناعة عَلَيْهِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهل هِيَ إِلَّا من محَاسِن مذْهبه ثمَّ لَا يستحي المشنع عَلَيْهِ مثل هَذِه الْمَسْأَلَة من الْمسَائِل الَّتِي شنعتها ظَاهِرَة جدا يعرفهَا من عرفهَا من الْمسَائِل الَّتِي تخَالف النُّصُوص أَو تخَالف الْإِجْمَاع السَّابِق أَو الْقيَاس أَو الْمصلحَة الراجحة وَلَو تتبعت لبلغت مئين وَلَيْسَ تتبع الْمسَائِل المستشنعة من عَادَة أهل الْعلم فيقتدى بهم فِي ذكرهَا وعدها وَالْمنصف خصم نَفسه فَأَي كتاب خَالف الشَّافِعِي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أم أَي سنة أم أَي إِجْمَاع وَلأَجل أَن قَالَ قولا اقتضته الْأَدِلَّة وَقَامَت على صِحَّته وَهُوَ من تَمام الصَّلَاة بِلَا خلاف
-
أما إتْمَام واجباتها أَو تَمام مستحباتها فَهُوَ رَحمَه الله رأى أَنه من تَمام واجباتها بالأدلة الَّتِي سنذكرها فِيمَا بعد ذَلِك فَلَا إِجْمَاعًا
ج ١ ص ٣٣٤خرقه وَلَا نصا خَالفه فَمن أَي وَجه يشنع عَلَيْهِ وَهل الشناعة إِلَّا بِمن شنع عَلَيْهِ أليق وَبِه ألحق
-
وَأما قَوْله وَهَذَا تشهد ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِي وَهُوَ الَّذِي علمه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه إِلَى آخِره
-
فَهَكَذَا رَأَيْته فِي النُّسْخَة الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِي وَالشَّافِعِيّ إِنَّمَا اخْتَار تشهد ابْن عَبَّاس أما تشهد ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فَأَبُو حنيفَة وَأحمد اختاراه وَمَالك اخْتَار تشهد عمر وَبِالْجُمْلَةِ فجواب ذَلِك من وُجُوه
-
أَحدهَا أَنا نقُول بِمُوجب هَذَا الدَّلِيل فَإِن مُقْتَضَاهُ وجوب التَّشَهُّد وَلَا يَنْفِي وجوب غَيره فَإِنَّهُ لم يقل أحد إِن هَذَا التَّشَهُّد هُوَ جَمِيع الْوَاجِب من الذّكر فِي هَذِه الْقعدَة فإيجاب الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِدَلِيل آخر لَا يكون مُعَارضا بترك تَعْلِيمه فِي أَحَادِيث التَّشَهُّد
-
الثَّانِي أَنكُمْ توجبون السَّلَام من الصَّلَاة وَلم يعلمهُمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاه فِي أَحَادِيث التَّشَهُّد
-
فَإِن قُلْتُمْ إِنَّمَا اوجبنا السَّلَام بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم // سَنَده حسن // قيل لَكِن وَنحن أَوجَبْنَا الصَّلَاة على النَّبِي
ج ١ ص ٣٣٥صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالأدلة الْمُقْتَضِيَة لَهَا فَإِن كَانَ تَعْلِيم التَّشَهُّد وَحده مَانِعا من إِيجَاب الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَانِعا من إِيجَاب السَّلَام وَإِن لم يمنعهُ لم يمْنَع وجوب الصَّلَاة
-
الثَّالِث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا علمهمْ التَّشَهُّد عَمَلهم الصَّلَاة عَلَيْهِ فَكيف يكون تَعْلِيمه للتَّشَهُّد دَالا على وُجُوبه وتعليمه الصَّلَاة لَا يدل على وُجُوبهَا
-
فَإِن قُلْتُمْ التَّشَهُّد الَّذِي علمهمْ إِيَّاه هُوَ تشهد الصَّلَاة وَلِهَذَا قَالَ فِيهِ فَإِذا جلس أحدكُم فَلْيقل التَّحِيَّات لله وَأما تَعْلِيم الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فمطلق
-
قُلْنَا وَالصَّلَاة الَّتِي علمهمْ إِيَّاهَا عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ فِي الصَّلَاة أَيْضا لوَجْهَيْنِ
-
أَحدهمَا حَدِيث مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَقَوله كَيفَ نصلي عَلَيْك إِذا نَحن جلسنا فِي صَلَاتنَا وَقد تقدم فِي الْبَاب الأول
-
الثَّانِي إِن الصَّلَاة الَّتِي سَأَلُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يعلمهُمْ إِيَّاهَا نَظِير السَّلَام الَّذِي علموه لأَنهم قَالُوا هَذَا السَّلَام عَلَيْك قد عَرفْنَاهُ فَكيف الصَّلَاة عَلَيْك وَمن الْمَعْلُوم أَن السَّلَام الَّذِي علموه هُوَ قَوْلهم فِي الصَّلَاة السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَوَجَبَ أَن تكون الصَّلَاة المقرونة بِهِ هِيَ فِي الصَّلَاة وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَمام تَقْرِير ذَلِك