في الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

٦٦ فقرة، ج ١ ص ٤٤٥

الصفحة ٢ من ٢

  1. وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هم الخاسرون} المُنَافِقُونَ ٩

    ج ١ ص ٤٥٠
  2. وَقَالَ تَعَالَى {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} الْبَقَرَة ١٥٢

  3. وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سبق المفردون قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا المفردون قَالَ الذاكرون الله كثيرا وَالذَّاكِرَات

  4. وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أَلا أدلكم على خير أَعمالكُم وأزكاها عِنْد مليككم وأرفعها فِي درجاتكم وَخير لكم من إِنْفَاق الذَّهَب وَالْوَرق وَخير لكم من أَن تلقوا عَدوكُمْ فتضربوا أَعْنَاقهم ويضربوا أَعْنَاقكُم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ ذكر الله تَعَالَى // إِسْنَاده صَحِيح // وَهُوَ

    ج ١ ص ٤٥١فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوف على أبي الدَّرْدَاء

  5. قَالَ معَاذ بن جبل مَا عمل آدَمِيّ عملا أنجى لَهُ من عَذَاب الله من ذكر الله وَذكر رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تبع لذكره

  6. وَالْمَقْصُود أَن دوَام الذّكر سَبَب لدوام الْمحبَّة فالذكر للقلب كَالْمَاءِ للزَّرْع بل كَالْمَاءِ للسمك لَا حَيَاة لَهُ إِلَّا بِهِ

  7. وَهُوَ أَنْوَاع ذكره بأسمائه وَصِفَاته وَالثنَاء عَلَيْهِ بهَا

  8. الثَّانِي تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله وتمجيده وَالْغَالِب من اسْتِعْمَال لفظ الذّكر عِنْد الْمُتَأَخِّرين هَذَا

  9. الثَّالِث ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه وَهُوَ ذكر الْعَالم بل الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة هِيَ ذكرهم لرَبهم

  10. وَمن أفضل ذكره ذكره بِكَلَامِهِ

  11. قَالَ تَعَالَى {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} طه ١٢٤ فَذكره هُنَا كَلَامه الَّذِي أنزلهُ على رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  12. وَقَالَ تَعَالَى {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرَّعْد ٢٨

  13. وَمن ذكره سُبْحَانَهُ دعاؤه واستغفاره والتضرع إِلَيْهِ فَهَذِهِ خَمْسَة أَنْوَاع من الذّكر

    ج ١ ص ٤٥٢الْفَائِدَة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَبَب لمحبته للْعَبد فَإِنَّهَا إِذا كَانَت سَببا لزِيَادَة محبَّة الْمصلى عَلَيْهِ لَهُ فَكَذَلِك هِيَ سَبَب لمحبته هُوَ للْمُصَلِّي عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  14. الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا سَبَب لهداية العَبْد وحياة قلبه فَإِنَّهُ كلما أَكثر الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكره واستولت محبته على قلبه حَتَّى لَا يبْقى فِي قلبه مُعَارضَة لشَيْء من أوامره وَلَا شكّ فِي شَيْء مِمَّا جَاءَ بِهِ بل يصير مَا جَاءَ بِهِ مَكْتُوبًا مسطوراً فِي قلبه لَا يزَال يَقْرَؤُهُ على تعاقب أَحْوَاله ويقتبس الْهدى والفلاح وأنواع الْعُلُوم مِنْهُ وَكلما ازْدَادَ فِي ذَلِك بَصِيرَة وَقُوَّة وَمَعْرِفَة ازدادت صلَاته عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  15. وَلِهَذَا كَانَت صَلَاة أهل الْعلم العارفين بسنته وهديه المتبعين لَهُ على خلاف صَلَاة الْعَوام عَلَيْهِ الَّذين حظهم مِنْهَا إزعاج أعضائهم بهَا رفع أَصْوَاتهم وَأما أَتْبَاعه العارفون بسنته وهديه المتبعين لَهُ على خلاف الْعَوام عَلَيْهِ الَّذين حظهم مِنْهَا إزعاج أعضائهم بهَا وَرفع أَصْوَاتهم وَأما أَتْبَاعه العارفون بسنته الْعَالمُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ فصلاتهم عَلَيْهِ نوع آخر فَكلما ازدادوا فِيمَا جَاءَ بِهِ معرفَة ازدادوا لَهُ محبَّة وَمَعْرِفَة بِحَقِيقَة الصَّلَاة الْمَطْلُوبَة لَهُ من الله تَعَالَى

  16. وَهَكَذَا ذكر الله سُبْحَانَهُ كلما كَانَ العَبْد بِهِ أعرف وَله أطوع وَإِلَيْهِ أحب كَانَ ذكره غير ذكر الغافلين اللاهين وَهَذَا أَمر إِنَّمَا يعلم بالْخبر لَا بالْخبر وَفرق بَين من يذكر صِفَات محبوبه الَّذِي قد ملك حبه جَمِيع قلبه ويثني عَلَيْهِ وَبهَا ويمجده بهَا وَبَين من يذكرهَا إِمَّا أَمارَة وَإِمَّا لفظا لَا يدْرِي مَا مَعْنَاهُ لَا يُطَابق فِيهِ قلبه لِسَانه كَمَا أَنه فرق بَين بكاء النائحة وبكاء الثكلى فَذكره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر مَا جَاءَ بِهِ وَحمد الله سُبْحَانَهُ على إنعامه علينا ومنته بإرسالة هُوَ حَيَاة الْوُجُود وروحه كَمَا قيل

    (روح الْمجَالِس ذكره وَحَدِيثه ... وَهدى لكل ملدد حيران)

    ج ١ ص ٤٥٣(وَإِذا اخل فِي مجْلِس ... فَأُولَئِك الْأَمْوَات فِي الْحَيَّانِ)

  17. الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا سَبَب لعرض اسْم الْمُصَلِّي عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكره عِنْده كَمَا تقدم قَوْله إِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ

  18. وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله وكّل بقبري مَلَائِكَة يبلغوني عَن أمتِي السَّلَام وَكفى بِالْعَبدِ نبْلًا أَن يذكر اسْمه بِالْخَيرِ بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد قيل فِي هَذَا الْمَعْنى

    (وَمن خطرت مِنْهُ خطرة ... حقيق بِأَن يتقدما)

  19. وَقَالَ الآخر

    (أَهلا بِمَا لم أكن أَهلا لموقعه ... قَول المبشر بعد الْيَأْس بالفرج)

    لَك الْبشَارَة فاخلع مَا عَلَيْك فقد ... ذكرت ثمَّ على مَا فِيك من عوج)

  20. السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا سَبَب لتثبيت الْقدَم على الصِّرَاط وَالْجَوَاز عَلَيْهِ لحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ سعيد بن الْمسيب فِي رُؤْيا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه وَرَأَيْت رجلا من امتي يزحف على الصِّرَاط ويحبو أَحْيَانًا وَيتَعَلَّق احيانا فَجَاءَتْهُ عَليّ فأقامته على قَدَمَيْهِ وأنقذته رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ وَبنى عَلَيْهِ كِتَابه فِي = التَّرْغِيب والترهيب = وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن جدا

  21. السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَدَاء لأَقل الْقَلِيل من حَقه وشكر لَهُ على نعْمَته الَّتِي أنعم الله بهَا علينا مَعَ أَن الَّذِي يسْتَحقّهُ من ذَلِك لَا يُحْصى علما وَلَا قدرَة وَلَا إِرَادَة وَلَكِن الله سُبْحَانَهُ لكرمه رَضِي من عباده باليسير من شكره وَأَدَاء حَقه

  22. الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا متضمنة لذكر الله تَعَالَى وشكره وَمَعْرِفَة إنعامه على عبيده بإرساله فالمصلي عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد تَضَمَّنت

    ج ١ ص ٤٥٤صلَاته عَليّ ذكر الله وَذكر رَسُوله وسؤاله أَن يجْزِيه بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَهله كَمَا عرفنَا رَبنَا وأسماءه وَصِفَاته وهدانا إِلَى طَرِيق مرضاته وعرفنا مالنا بعد الْوُصُول إِلَيْهِ والقدوم عَلَيْهِ فَهِيَ متضمنة لكل الْإِيمَان بل هِيَ متضمنة للإقرار بِوُجُوب الرب الْمَدْعُو وَعلمه وسَمعه وَقدرته وارادته وحياته وَكَلَامه وإرسال رَسُوله وتصديقه فِي أخباره كلهَا وَكَمَال محبته وَلَا ريب أَن هَذِه هِيَ أصُول الْإِيمَان فَالصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متضمنة لعلم العَبْد ذَلِك وتصديقه بِهِ ومحبته لَهُ فَكَانَت من أفضل الاعمال

  23. التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من العَبْد هِيَ دُعَاء وَدُعَاء العَبْد وسؤاله من ربه نَوْعَانِ

  24. أَحدهمَا سُؤَاله حَوَائِجه ومهماته وَمَا ينوبه فِي اللَّيْل وَالنَّهَار فَهَذَا دُعَاء وسؤال وإيثار لمحبوب العَبْد ومطلوبه

  25. وَالثَّانِي سُؤَاله أَن يثني على خَلِيله وحبيبه وَيزِيد فِي تشريفه وتكريمه وإيثاره ذكره وَرَفعه وَلَا ريب أَن الله تَعَالَى يحب ذَلِك وَرَسُوله يُحِبهُ فالمصلي عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد صرف سُؤَاله ورغبته وَطَلَبه إِلَى محاب الله وَرَسُوله وآثر ذَلِك على طلبه حَوَائِجه ومحابه هُوَ بل كَانَ هَذَا الْمَطْلُوب من أحب الْأُمُور إِلَيْهِ وآثرها عِنْده فقد آثر مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله على مَا يُحِبهُ هُوَ فقد آثر الله ومحابه على مَا سواهُ وَالْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَمن آثر الله على غَيره آثره الله على غَيره وَاعْتبر هَذَا بِمَا تَجِد النَّاس يعتمدونه عِنْد مُلُوكهمْ وَرُؤَسَائِهِمْ إِذا أَرَادوا التَّقَرُّب اليهم والمنزلة عِنْدهم فَإِنَّهُم يسْأَلُون المطاع أَن ينعم على من يعلمونه أحب رَعيته إِلَيْهِ وَكلما سَأَلُوهُ أَن يزِيد فِي حبائه وإكرامه وتشريفه علت مَنْزِلَتهمْ عِنْده وازداد قربهم

    ج ١ ص ٤٥٥مِنْهُ وحظوا بهم لَدَيْهِ لأَنهم يعلمُونَ مِنْهُ إِرَادَة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبه فأحبهم إِلَيْهِ أَشَّدهم لَهُ سؤالا ورغبة أَن يتم عَلَيْهِ إنعامه وإحسانه هَذَا أَمر مشَاهد بالحس وَلَا تكون منزلَة هَؤُلَاءِ ومنزلة المطاع حَوَائِجه هُوَ وَهُوَ فارغ من سُؤَاله تشريف محبوبه والإنعام عَلَيْهِ وَاحِدَة فَكيف بأعظم محب وأجله لأكرم مَحْبُوب وأحقه بمحبة ربه لَهُ وَلَو لم يكن من فَوَائِد الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا هَذَا الْمَطْلُوب وَحده لكفى الْمُؤمن بِهِ شرفاً

  26. وَهَا هُنَا نُكْتَة حَسَنَة لمن علم أمته دينه وَمَا جَاءَ بِهِ ودعاهم إِلَيْهِ وحضهم عَلَيْهِ وصبر على ذَلِك وَهِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ من الْأجر الزَّائِد على أجر عمله مثل أجور من اتبعهُ فالداعي إِلَى سنته وَدينه والمعلم الْخَيْر للْأمة إِذا قصد توفير هَذَا الْحَظ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصَرفه إِلَيْهِ وَكَانَ مَقْصُوده بِدُعَاء الْخلق إِلَى الله التَّقَرُّب إِلَيْهِ بإرشاد عباده وتوفير أجور المطيعين لَهُ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ توفيتهم أُجُورهم كَامِلَة كَانَ لَهُ من الْأجر فِي دَعوته وتعليمه بِحَسب هَذِه النِّيَّة وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم

    ج ١ ص ٤٥٧- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب السَّادِس - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -