فصل

٥٤ فقرة، ج ١ ص ١٥٧

الصفحة ١ من ٢

  1. هَذِه صَلَاة الْآدَمِيّ وَأما صَلَاة الله سُبْحَانَهُ على عَبده فنوعان عَامَّة وخاصة

    ج ١ ص ١٥٧
  2. أما الْعَامَّة فَهِيَ صلَاته على عباده الْمُؤمنِينَ قَالَ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} الْأَحْزَاب ٤٣ وَمِنْه دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالصَّلَاةِ على آحَاد الْمُؤمنِينَ كَقَوْلِه اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى وَفِي حَدِيث آخر أَن امْرَأَة قَالَت لَهُ صل عَليّ وعَلى زَوجي قَالَ صلى الله عَلَيْك وعَلى زَوجك وَسَيَأْتِي ذكر هَذَا الحَدِيث وَمَا شابهه إِن شَاءَ الله تَعَالَى

    ج ١ ص ١٥٨النَّوْع الثَّانِي صلَاته الْخَاصَّة على أنبيائه وَرُسُله خُصُوصا على خاتمهم وَخَيرهمْ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  3. فَاخْتلف النَّاس فِي معنى الصَّلَاة مِنْهُ سُبْحَانَهُ على أَقْوَال

  4. أَحدهَا أَنَّهَا رَحمته قَالَ إِسْمَاعِيل حَدثنَا نصر بن عَليّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَوَاء عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك قَالَ صَلَاة الله رَحمته وَصَلَاة الْمَلَائِكَة الدُّعَاء // سَنَده ضَعِيف //

  5. وَقَالَ الْمبرد أصل الصَّلَاة الرَّحِم فَهِيَ من الله رَحْمَة وَمن الْمَلَائِكَة رقة واستدعاء للرحمة من الله وَهَذَا القَوْل هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد كثير من الْمُتَأَخِّرين

  6. وَالْقَوْل الثَّانِي أَن صَلَاة الله مغفرته قَالَ إِسْمَاعِيل ثَنَا مُحَمَّد بن أبي بكر ثَنَا مُحَمَّد بن سَوَاء عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم قَالَ صَلَاة الله مغفرته وَصَلَاة الْمَلَائِكَة الدُّعَاء // ضَعِيف جدا //

  7. وَهَذَا القَوْل من جنس الَّذِي قبله وهما ضعيفان لوجوه

  8. أَحدهَا أَن الله سُبْحَانَهُ فرق بَين صلَاته على عباده وَرَحمته فَقَالَ تَعَالَى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الْبَقَرَة ١٥٧ فعطف الرَّحْمَة على الصَّلَاة فَاقْتضى ذَلِك تغايرهما هَذَا أصل الْعَطف وَأما قَوْلهم

    (وألفى قَوْلهَا كذبا ومينا ... )

  9. فَهُوَ شَاذ نَادِر لَا يحمل عَلَيْهِ أفْصح الْكَلَام مَعَ أَن المين أخص من الْكَذِب

    ج ١ ص ١٥٩
  10. الْوَجْه الثَّانِي أَن صَلَاة الله سُبْحَانَهُ خَاصَّة بأنبيائه وَرُسُله وعباده الْمُؤمنِينَ وَأما رَحمته فوسعت كل شَيْء فَلَيْسَتْ الصَّلَاة مرادفة للرحمة لَكِن الرَّحْمَة من لَوَازِم الصَّلَاة وموجباتها وثمراتها فَمن فَسرهَا بِالرَّحْمَةِ فقد فَسرهَا بِبَعْض ثَمَرَتهَا ومقصودها وَهَذَا كثيرا مَا يَأْتِي فِي تَفْسِير أَلْفَاظ الْقُرْآن وَالرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفَسر اللَّفْظَة بلازمها وجزء مَعْنَاهَا كتفسير الريب بِالشَّكِّ وَالشَّكّ جُزْء مُسَمّى الريب وَتَفْسِير الْمَغْفِرَة بالستر وَهُوَ جُزْء مُسَمّى الْمَغْفِرَة وَتَفْسِير الرَّحْمَة بِإِرَادَة الْإِحْسَان وَهُوَ لَازم الرَّحْمَة ونظائر ذَلِك كَثِيرَة قد ذَكرنَاهَا فِي أصُول التَّفْسِير

  11. الْوَجْه الثَّالِث أَنه لَا خلاف فِي جَوَاز الترحم على الْمُؤمنِينَ وَاخْتلف السّلف وَالْخلف فِي جَوَاز الصَّلَاة على الْأَنْبِيَاء على ثَلَاثَة أَقْوَال سنذكرها فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَعلم أَنَّهُمَا ليسَا بمترادفين

  12. الْوَجْه الرَّابِع أَنه لَو كَانَت الصَّلَاة بِمَعْنى الرَّحْمَة لقامت مقَامهَا فِي امْتِثَال الْأَمر وأسقطت الْوُجُوب عِنْد من أوجبهَا إِذا قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّد وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك

  13. الْوَجْه الْخَامِس أَنه لَا يُقَال لمن رحم غَيره ورق عَلَيْهِ فأطعمه أَو سقَاهُ أَو كَسَاه أَنه صلى عَلَيْهِ وَيُقَال إِنَّه قد رَحمَه

  14. الْوَجْه السَّادِس أَن الْإِنْسَان قد يرحم من يبغضه ويعاديه فيجد فِي قلبه لَهُ رَحْمَة وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ

    ج ١ ص ١٦٠الْوَجْه السَّابِع أَن الصَّلَاة لَا بُد فِيهَا من كَلَام فَهِيَ ثَنَاء من الْمُصَلِّي على من يُصَلِّي عَلَيْهِ وتنويه بِهِ وَإِشَارَة لمحاسنه ومناقبه وَذكره

  15. ذكر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ صَلَاة الله على رَسُوله ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْد الْمَلَائِكَة // سَنَده قَابل للتحسن //

  16. وَقَالَ إِسْمَاعِيل فِي كِتَابه حَدثنَا نصر بن عَليّ حَدثنَا خَالِد بن يزِيد عَن أبي جَعْفَر عَن الرّبيع بن أنس عَن أبي الْعَالِيَة {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي} الْأَحْزَاب ٥٦ قَالَ صَلَاة الله عز وَجل ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَصَلَاة الْمَلَائِكَة عَلَيْهِ الدُّعَاء

  17. الْوَجْه الثَّامِن أَن الله سُبْحَانَهُ فرق بَين صلَاته وَصَلَاة مَلَائكَته وجمعهما فِي فعل وَاحِد فَقَالَ {إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي} وَهَذِه الصَّلَاة لَا يجوز أَن تكون هِيَ الرَّحْمَة وَإِنَّمَا هِيَ ثَنَاؤُهُ سُبْحَانَهُ وثناء مَلَائكَته عَلَيْهِ وَلَا يُقَال الصَّلَاة لفظ مُشْتَرك وَيجوز أَن يسْتَعْمل فِي معنييه مَعًا لِأَن فِي ذَلِك محاذير مُتعَدِّدَة

  18. أَحدهَا أَن الِاشْتِرَاك خلاف الأَصْل بل لَا يعلم أَنه وَقع فِي اللُّغَة من وَاضع وَاحِد كَمَا نَص على ذَلِك أَئِمَّة اللُّغَة مِنْهُم الْمبرد وَغَيره وَإِنَّمَا يَقع وقوعا عارضا اتفاقيا بِسَبَب تعدد الواضعين ثمَّ تختلط اللُّغَة فَيَقَع الِاشْتِرَاك

  19. الثَّانِي أَن الْأَكْثَرين لَا يجووزون اسْتِعْمَال اللَّفْظ الْمُشْتَرك فِي معنييه لَا بطرِيق الْحَقِيقَة وَلَا بطرِيق الْمجَاز وَمَا حُكيَ عَن

    ج ١ ص ١٦١الشَّافِعِي رَحمَه الله من تجويزه ذَلِك فَلَيْسَ بِصَحِيح عَنهُ وَإِنَّمَا أَخذ من قَوْله إِذا أوصى لمواليه وَله موَالٍ من فَوق وَمن أَسْفَل تنَاول جَمِيعهم فَظن من ظن أَن لفظ الْمولى مُشْتَرك بَينهمَا وَأَنه عِنْد التجرد يحمل عَلَيْهِمَا وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح فَإِن لفظ الْمولى من الْأَلْفَاظ المتواطئة فالشافعي فِي ظَاهر مذْهبه وَأحمد يَقُولَانِ بِدُخُول نَوْعي الموَالِي فِي هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ عِنْده عَام متواطئ لَا مُشْتَرك

  20. واما مَا حُكيَ عَن الشَّافِعِي رَحمَه الله أَنه قَالَ فِي مُفَاوَضَة جرت لَهُ فِي قَوْله أَوْ لامستم النِّسَاء وَقد قيل لَهُ قد يُرَاد بالملامسة المجامعة قَالَ هِيَ مَحْمُولَة على الجس بِالْيَدِ حَقِيقَة وعَلى الوقاع مجَازًا فَهَذَا لَا يَصح عَن الشَّافِعِي وَلَا هُوَ من جنس المألوف من كَلَامه وَإِنَّمَا هَذَا من كَلَام بعض الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين وَقد ذكرنَا على إبِْطَال اسْتِعْمَال اللَّفْظ الْمُشْتَرك فِي معنييه مَعًا بضعَة عشر دَلِيلا فِي مَسْأَلَة الْقُرْء فِي = كتاب التَّعْلِيق على الْأَحْكَام =

  21. فَإِذا كَانَ معنى الصَّلَاة هُوَ الثَّنَاء على الرَّسُول والعناية بِهِ وَإِظْهَار شرفه وفضله وحرمته كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف من هَذِه اللَّفْظَة لم يكن لفظ الصَّلَاة فِي الْآيَة مُشْتَركا مَحْمُولا على معنييه بل قد يكون مُسْتَعْملا فِي معنى وَاحِد وَهَذَا هُوَ الأَصْل وسنعود إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْكَلَام على تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي} الْأَحْزَاب ٥٦

  22. الْوَجْه التَّاسِع أَن الله سُبْحَانَهُ أَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ عقب إخْبَاره بِأَنَّهُ وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَنه إِذا كَانَ الله وَمَلَائِكَته

    ج ١ ص ١٦٢يصلونَ على رَسُوله فصلوا أَنْتُم عَلَيْهِ فَأنْتم أَحَق بِأَن تصلوا عَلَيْهِ وتسلموا تَسْلِيمًا لما نالكم ببركة رسَالَته ويمن سفارته من شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن الْمَعْلُوم أَنه لَو عبر عَن هَذَا الْمَعْنى بِالرَّحْمَةِ لم يحسن موقعه وَلم يحسن النّظم فينقض اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَإِن التَّقْدِير يصير إِلَى أَن الله وَمَلَائِكَته ترحم وَيَسْتَغْفِرُونَ لنَبيه فَادعوا أَنْتُم لَهُ وسلموا وَهَذَا لَيْسَ مُرَاد الْآيَة قطعا بل الصَّلَاة الْمَأْمُور بهَا فِيهَا هِيَ الطّلب من الله مَا أخبر بِهِ عَن صلَاته وَصَلَاة مَلَائكَته وَهِي ثَنَاء عَلَيْهِ وَإِظْهَار لفضله وشرفه وَإِرَادَة تكريمه وتقريبه فَهِيَ تَتَضَمَّن الْخَبَر والطلب وَسمي هَذَا السُّؤَال وَالدُّعَاء منا نَحن صَلَاة عَلَيْهِ لوَجْهَيْنِ

  23. أَحدهمَا أَنه يتَضَمَّن ثَنَاء الْمُصَلِّي عَلَيْهِ والإشادة بِذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبة لذَلِك من الله تَعَالَى فقد تَضَمَّنت الْخَبَر والطلب

  24. وَالْوَجْه الثَّانِي أَن ذَلِك سمي منا صَلَاة لسؤالنا من الله أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ فَصَلَاة الله عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُ وإرادته لرفع ذكره وتقريبه وصلاتنا نَحن عَلَيْهِ سؤالنا الله تَعَالَى أَن يفعل ذَلِك بِهِ وضد هَذَا فِي لعنة أعدائه الشانئين لما جَاءَ بِهِ فَإِنَّهَا تُضَاف إِلَى الله وتضاف إِلَى العَبْد كَمَا قَالَ تَعَالَى {إِن الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} الْبَقَرَة ١٥٩ فلعنه الله تَعَالَى لَهُم تَتَضَمَّن ذمه وإبعاده وبغضه لَهُم ولعنة العَبْد تَتَضَمَّن سُؤال الله تَعَالَى أَن يفعل ذَلِك بِمن هُوَ أهل للعنته

  25. وَإِذا ثَبت هَذَا فَمن الْمَعْلُوم أَنه لَو كَانَت الصَّلَاة هِيَ

    ج ١ ص ١٦٣الرَّحْمَة لم يَصح أَن يُقَال لطالبها من الله مُصَليا وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ مسترحما لَهُ كَمَا يُقَال لطَالب الْمَغْفِرَة مُسْتَغْفِرًا لَهُ ولطالب الْعَطف مستعطفا ونظائره وَلِهَذَا لَا يُقَال لمن سَأَلَ الله الْمَغْفِرَة لغيره قد غفر لَهُ فَهُوَ غَافِر وَلَا لمن سَأَلَهُ الْعَفو عَنهُ قد عَفا عَنهُ وَهنا قد سمي العَبْد مُصَليا فَلَو كَانَت الصَّلَاة هِيَ الرَّحْمَة لَكَانَ العَبْد راحما لمن صلى عَلَيْهِ وَكَانَ قد رَحمَه برحمة وَمن رحم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّة رَحمَه الله بهَا عشرا وَهَذَا مَعْلُوم الْبطلَان

  26. فَإِن قيل لَيْسَ معنى صَلَاة العَبْد عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَحمته وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا طلب الرَّحْمَة لَهُ من الله قيل هَذَا بَاطِل من وُجُوه

  27. أَحدهَا أَن طلب الرَّحْمَة مَطْلُوب لكل مُسلم وَطلب الصَّلَاة من الله يخْتَص رسله صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم عِنْد كثير من النَّاس كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى

  28. الثَّانِي أَنه لَو سمي طَالب الرَّحْمَة مُصَليا لسمي طَالب الْمَغْفِرَة غافرا وطالب الْعَفو عافيا وطالب الصفح صافحا وَنَحْوه

  29. فَإِن قيل فَأنْتم قد سميتم طَالب الصَّلَاة من الله مُصَليا

  30. قيل إِنَّمَا سمي مُصَليا لوُجُود حَقِيقَة الصَّلَاة مِنْهُ فَإِن حَقِيقَتهَا الثَّنَاء وَإِرَادَة الْإِكْرَام والتقريب وإعلاء الْمنزلَة وَهَذَا حَاصِل من صَلَاة العَبْد لَكِن العَبْد يُرِيد ذَلِك من الله عز وَجل وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُرِيد ذَلِك من نَفسه أَن يَفْعَله بِرَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  31. وَأما على الْوَجْه الثَّانِي وَأَنه سمي مُصَليا لطلبه ذَلِك من الله فَلِأَن الصَّلَاة نوع من الْكَلَام الطلبي والخبري والإرادة وَقد وجد ذَلِك من الْمُصَلِّي بِخِلَاف الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة فَإِنَّهَا أَفعَال لَا تحصل من الطَّالِب وَإِنَّمَا تحصل من الْمَطْلُوب مِنْهُ وَالله أعلم

    ج ١ ص ١٦٤الْوَجْه الْعَاشِر أَنه قد ثَبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ مُسلم أَنه من صلى عَلَيْهِ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا وَأَنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ لَهُ إِنَّه من صلى عَلَيْك من أمتك مرّة صليت عَلَيْهِ بهَا عشرا وَهَذَا مُوَافق للقاعدة المستقرة فِي الشَّرِيعَة أَن الْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَصَلَاة الله على الْمُصَلِّي على رَسُوله جَزَاء لصلاته هُوَ عَلَيْهِ وَمَعْلُوم أَن صَلَاة العَبْد على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيست هِيَ رَحْمَة من العَبْد لتَكون صَلَاة الله عَلَيْهِ من جِنْسهَا وَإِنَّمَا هِيَ ثَنَاء على الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِرَادَة من الله تَعَالَى أَن يعلي ذكره ويزيده تَعْظِيمًا وتشريفا وَالْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَمن أثنى على رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جزاه الله من جنس عمله بِأَن يثني عَلَيْهِ وَيزِيد تشريفه وتكريمه فصح ارتباط الْجَزَاء بِالْعَمَلِ ومشاكلته لَهُ ومناسبته لَهُ كَقَوْلِه من يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن نفس عَن مُؤمن كربَة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة وَالله فِي عون العَبْد مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة

  32. وَمن سُئِلَ عَن علم يُعلمهُ فكتمه ألْجم يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار // حَدِيث صَحِيح // وَمن صلى عَليّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا ونظائره كَثِيرَة

    ج ١ ص ١٦٥الْوَجْه الْحَادِي عشر أَن أحدا لَو قَالَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَحمَه الله أَو قَالَ رَسُول الله رَحمَه الله بدل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَبَادَرت الْأمة إِلَى الْإِنْكَار عَلَيْهِ وسموه مبتدعا غير موقر للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا مصل عَلَيْهِ وَلَا مثن عَلَيْهِ بِمَا يسْتَحقّهُ وَلَا يسْتَحق أَن يُصَلِّي الله عَلَيْهِ بذلك عشر صلوَات وَلَو كَانَت الصَّلَاة من الله الرَّحْمَة لم يمْتَنع شَيْء من ذَلِك

  33. الْوَجْه الثَّانِي عشر أَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ {لَا تجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا} النُّور ٦٣ فَأمر سُبْحَانَهُ أَلا يدعى رَسُوله بِمَا يَدْعُو النَّاس بَعضهم بَعْضًا بل يُقَال يَا رَسُول الله وَلَا يُقَال يَا مُحَمَّد وَإِنَّمَا كَانَ يُسَمِّيه باسمه وَقت الْخطاب الْكفَّار وَأما الْمُسلمُونَ فَكَانُوا يخاطبونه يَا رَسُول الله وَإِذا كَانَ هَذَا فِي خطابه فَهَكَذَا فِي مغيبه لَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل مَا يدعى بِهِ لَهُ من جنس مَا يَدْعُو بِهِ بَعْضنَا لبَعض بل يدعى لَهُ بأشرف الدُّعَاء وَهُوَ الصَّلَاة عَلَيْهِ وَمَعْلُوم أَن الرَّحْمَة يدعى بهَا لكل مُسلم بل ولغير الْآدَمِيّ من الْحَيَوَانَات كَمَا فِي دُعَاء الاسْتِسْقَاء اللَّهُمَّ ارْحَمْ عِبَادك وبلادك وبهائمك

  34. الْوَجْه الثَّالِث عشر أَن هَذِه اللَّفْظَة لَا تعرف فِي اللُّغَة الْأَصْلِيَّة بِمَعْنى الرَّحْمَة أصلا وَالْمَعْرُوف عِنْد الْعَرَب من مَعْنَاهَا

    ج ١ ص ١٦٦إِنَّمَا هُوَ الدُّعَاء والتبريك وَالثنَاء قَالَ

    (وَإِن ذكرت صلى عَلَيْهَا وزمزما ... )

  35. أَي برك عَلَيْهَا ومدحها وَلَا تعرف الْعَرَب قطّ صلى عَلَيْهِ بِمَعْنى الرَّحْمَة فَالْوَاجِب حمل اللَّفْظَة على مَعْنَاهَا الْمُتَعَارف فِي اللُّغَة

  36. الْوَجْه الرَّابِع عشر أَنه يسوغ بل يسْتَحبّ لكل أحد أَن يسْأَل الله تَعَالَى أَن يرحمه فَيَقُول اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي

  37. كَمَا علم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدَّاعِي أَن يَقُول اللَّهُمَّ أَغفر لي وارحمني وَعَافنِي وارزقني فَلَمَّا حفظهَا قَالَ أما هَذَا فقد مَلأ يَدَيْهِ من الْخَيْر

  38. وَمَعْلُوم أَنه لَا يسوغ لأحد أَن يَقُول اللَّهُمَّ صل عَليّ بل الدَّاعِي بِهَذَا مُعْتَد فِي دُعَائِهِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ بِخِلَاف سُؤال الرَّحْمَة فَإِن الله تَعَالَى يحب أَن يسْأَله عَبده مغفرته وَرَحمته فَعلم أَنه لَيْسَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا

  39. الْوَجْه الْخَامِس عشر أَن أَكثر الْمَوَاضِع الَّتِي تسْتَعْمل فِيهَا الرَّحْمَة لَا يحسن أَن تقع فِيهَا الصَّلَاة كَقَوْلِه تَعَالَى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} الْأَعْرَاف ١٥٦

  40. وَقَوله إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي

    ج ١ ص ١٦٧وَقَوله {إِن رَحْمَة اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} الْأَعْرَاف ٥٦