فصل

٥٤ فقرة، ج ١ ص ١٧٨

الصفحة ١ من ٢

  1. إِذا ثَبت هَذَا فتسميته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الِاسْم لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من مُسَمَّاهُ وَهُوَ الْحَمد فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَحْمُود عِنْد الله ومحمود عِنْد مَلَائكَته ومحمود عِنْد إخوانه من الْمُرْسلين ومحمود عِنْد أهل الأَرْض كلهم وَإِن كفر بِهِ بَعضهم فَإِن مَا فِيهِ من صِفَات الْكَمَال محمودة عِنْد كل عَاقل وَإِن كَابر عقله جحُودًا أَو عناداً أَو جهلا باتصافه بهَا وَلَو علم اتصافه بهَا لحمده فَإِنَّهُ يحمد من اتّصف بِصِفَات الْكَمَال ويجهل وجودهَا فِيهِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة حَامِد لَهُ وَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتصَّ من مُسَمّى الْحَمد بِمَا لم يجْتَمع لغيره فَإِن اسْمه مُحَمَّد وَأحمد وَأمته الْحَمَّادُونَ يحْمَدُونَ الله على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَصَلَاة أمته مفتتحة بِالْحَمْد وخطبته مفتتحة بِالْحَمْد وَكتابه مفتتح بِالْحَمْد هَكَذَا عِنْد الله فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ أَن خلفاءه وَأَصْحَابه يَكْتُبُونَ الْمُصحف مفتتحاً بِالْحَمْد وَبِيَدِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِوَاء الْحَمد يَوْم الْقِيَامَة وَلما يسْجد بَين يَدي ربه عز وَجل للشفاعة وَيُؤذن لَهُ فِيهَا يحمد ربه بِمَحَامِد يفتحها عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَهُوَ صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يغبطه بِهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ

    ج ١ ص ١٧٨
  2. قَالَ تَعَالَى {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} الْإِسْرَاء ٧٩

    ج ١ ص ١٧٩على معنى الْمقَام الْمَحْمُود فليقف على مَا ذكره سلف الْأمة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِيهِ فِي تَفْسِير هَذِه السُّورَة كتفسير ابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير وَعبد بن حميد وَغَيرهَا من تفاسير السّلف

  3. وَإِذا قَامَ فِي الْمقَام حَمده حِينَئِذٍ أهل الْموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أَوَّلهمْ وَآخرهمْ وَهُوَ مَحْمُود صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا مَلأ الأَرْض من الْهدى وَالْإِيمَان وَالْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح وَفتح بِهِ الْقُلُوب وكشف بِهِ الظلمَة عَن أهل الأَرْض واستنقذهم من أسر الشَّيْطَان وَمن الشّرك بِاللَّه وَالْكفْر بِهِ وَالْجهل بِهِ حَتَّى نَالَ بِهِ أَتْبَاعه شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِن رسَالَته وافت أهل الأَرْض أحْوج مَا كَانُوا إِلَيْهَا فَإِنَّهُم كَانُوا بَين عباد أوثان وَعباد صلبان وَعباد نيران وَعباد الْكَوَاكِب ومغضوب عَلَيْهِم قد باؤوا بغضب من الله وحيران لَا يعرف رَبًّا يعبده وَلَا بِمَاذَا يعبده وَالنَّاس يَأْكُل بَعضهم بَعْضًا من اسْتحْسنَ شَيْئا دَعَا إِلَيْهِ وَقَاتل من خَالفه وَلَيْسَ فِي الأَرْض مَوضِع قدم مشرق بِنور الرسَالَة وَقد نظر الله سُبْحَانَهُ حِينَئِذٍ إِلَى أهل الأَرْض فمقتهم عربهم وعجمهم إِلَّا بقايا على آثَار من دين صَحِيح فأغاث الله بِهِ الْبِلَاد والعباد وكشف بِهِ تِلْكَ الظُّلم وَأَحْيَا بِهِ الخليقة بعد الْمَوْت فهدى بِهِ من الضَّلَالَة وَعلم بِهِ من الْجَهَالَة وَكثر بعد الْقلَّة وأعز بِهِ بعد الذلة وأغنى بِهِ بعد الْعيلَة وَفتح بِهِ أعيناً عميا وآذاناً صمًّا وَقُلُوبًا غلفًا فَعرف النَّاس رَبهم ومعبودهم غَايَة مَا يُمكن أَن تناله قواهم من الْمعرفَة وأبداً وَأعَاد وَاخْتصرَ وَأَطْنَبَ فِي ذكر أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وأفعاله حَتَّى تجلت مَعْرفَته سُبْحَانَهُ فِي قُلُوب عباده الْمُؤمنِينَ وانجابت سحائب الشَّك والريب

    ج ١ ص ١٨٠عَنْهَا كَمَا ينجاب السَّحَاب عَن الْقَمَر لَيْلَة إبداره وَلم يدع لأمته حَاجَة فِي هَذَا التَّعْرِيف لَا إِلَى من قبله وَلَا إِلَى من بعده بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عَن كل من تكلم فِي هَذَا الْبَاب {أَو لم يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} العنكبوت ٥١

  4. روى أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه رأى بيد بعض أَصْحَابه قِطْعَة من التَّوْرَاة فَقَالَ كفى بِقوم ضَلَالَة أَن يتبعوا كتابا غير كِتَابهمْ الَّذِي أنزل على نَبِيّهم فَأنْزل الله عز وَجل تَصْدِيق ذَلِك {أَو لم يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} العنكبوت ٥١ فَهَذَا حَال من أَخذ دينه عَن كتاب منزل على غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكيف بِمن أَخذه عَن عقل فلَان وَفُلَان وَقدمه على كَلَام الله وَرَسُوله

  5. وعرفهم الطَّرِيق الْموصل لَهُم إِلَى رَبهم ورضوانه وَدَار كرامته وَلم يدع حسنا إِلَّا أَمرهم بِهِ وَلَا قبيحاً إِلَّا نهى عَنهُ كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا تركت من شَيْء يقربكم إِلَى الْجنَّة إِلَّا وَقد أَمرتكُم بِهِ وَلَا من شَيْء يقربكم من النَّار إِلَّا وَقد نَهَيْتُكُمْ عَنهُ

  6. قَالَ أَبُو ذَر رَضِي الله عَنهُ لقد توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا طَائِر يقلب جناحيه فِي السَّمَاء إِلَّا ذكرنَا مِنْهُ علما

  7. وعرفهم حَالهم بعد الْقدوم على رَبهم أتم تَعْرِيف فكشف

    ج ١ ص ١٨١الْأَمر وأوضحه وَلم يدع بَابا من الْعلم النافع للعباد المقرب لَهُم إِلَى رَبهم إِلَّا فَتحه وَلَا مُشكلا إِلَّا بَينه وَشَرحه حَتَّى هدى الله بِهِ الْقُلُوب من ضلالها وشفاها بِهِ من أسقامها وأغاثها بِهِ من جهلها فَأَي بشر أَحَق بِأَن يحمد مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجزاه عَن أمته أفضل الْجَزَاء

  8. وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الْأَنْبِيَاء ١٠٧ أَنه على عُمُومه وَفِيه على هَذَا التَّقْدِير وَجْهَان

  9. أَحدهمَا أَن عُمُوم الْعَالمين حصل لَهُم النَّفْع برسالته أما أَتْبَاعه فنالوا بِهِ كَرَامَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأما أعداؤه فالمحاربون لَهُ عجل قَتلهمْ وموتهم خير لَهُم من حياتهم لِأَن حياتهم زِيَادَة لَهُم فِي تَغْلِيظ الْعَذَاب عَلَيْهِم فِي الدَّار الْآخِرَة وهم قد كتب عَلَيْهِم الشَّقَاء فتعجيل مَوْتهمْ خير لَهُم من طول أعمارهم فِي الْكفْر وَأما المعاهدون لَهُ فعاشوا فِي الدُّنْيَا تَحت ظله وَعَهده وذمته وهم أقل شرا بذلك الْعَهْد من الْمُحَاربين لَهُ

  10. وَأما المُنَافِقُونَ فَحصل لَهُم بِإِظْهَار الْإِيمَان بِهِ حقن دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وأهلهم واحترامها وجريان أَحْكَام الْمُسلمين عَلَيْهِم فِي التَّوَارُث وَغَيره وَأما الْأُمَم النائية عَنهُ فَإِن الله سُبْحَانَهُ رفع برسالته الْعَذَاب الْعَام عَن أهل الأَرْض فَأصَاب كل الْعَالمين النَّفْع برسالته

  11. الْوَجْه الثَّانِي أَنه رَحْمَة لكل أحد لَكِن الْمُؤْمِنُونَ قبلوا هَذِه الرَّحْمَة فانتفعوا بهَا دنيا وَأُخْرَى وَالْكفَّار ردوهَا فَلم يخرج بذلك عَن أَن يكون رَحْمَة لَهُم لَكِن لم يقبلوها كَمَا يُقَال هَذَا دَوَاء

    ج ١ ص ١٨٢لهَذَا الْمَرَض فَإِذا لم يَسْتَعْمِلهُ الْمَرِيض لم يخرج عَن أَن يكون دَوَاء لذَلِك الْمَرَض

  12. وَمِمَّا يحمد عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا جبله الله عَلَيْهِ من مَكَارِم الْأَخْلَاق وكرائم الشيم فَإِن من نظر فِي أخلاقه وشيمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علم أَنَّهَا خير أَخْلَاق الْخلق وَأكْرم شمائل الْخلق فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أعلم الْخلق وأعظمهم أَمَانَة وأصدقهم حَدِيثا وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احْتِمَالا وأعظمهم عفوا ومغفرة وَكَانَ لَا يزِيدهُ شدَّة الْجَهْل عَلَيْهِ إِلَّا حلماً

  13. كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ فِي صفة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي التَّوْرَاة مُحَمَّد عَبدِي ورسولي سميته المتَوَكل لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا صخاب بالأسواق وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة وَلَكِن يعْفُو ويصفح وَلنْ أقبضهُ حَتَّى أقيم بِهِ الْملَّة العوجاء بِأَن يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وأفتح بِهِ أعيناً عميا وآذاناً صمًّا وَقُلُوبًا غلفًا

  14. وأرحم الْخلق وأرأفهم بهم وَأعظم الْخلق نفعا لَهُم فِي دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وَأَحْسَنهمْ تعبيراً عَن الْمعَانِي الْكَثِيرَة بالألفاظ الوجيزة الدَّالَّة على المُرَاد وأصبرهم فِي مَوَاطِن الصَّبْر وأصدقهم فِي مَوَاطِن اللِّقَاء وأوفاهم بالعهد والذمة وأعظمهم مُكَافَأَة على الْجَمِيل بأضعافه وأشدهم تواضعاً وأعظمهم إيثاراً على نَفسه وَأَشد الْخلق ذباً عَن أَصْحَابه وحماية

    ج ١ ص ١٨٣لَهُم ودفاعاً عَنْهُم وأقوم الْخلق بِمَا يَأْمر بِهِ وأتركهم لما يُنْهِي عَنهُ وأوصل الْخلق لرحمه فَهُوَ أَحَق بقول الْقَائِل

    (برد على الْأَدْنَى ومرحمة ... وعَلى الأعادي مارن جلد)

  15. قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود النَّاس صَدرا وأصدقهم لهجة وألينهم عَرِيكَة وَأكْرمهمْ عشرَة من رَآهُ بديهة هابه وَمن خالطه معرفَة أحبه يَقُول ناعته لم أر قبله وَلَا بعده مثله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  16. فَقَوله كَانَ أَجود النَّاس صَدرا أَرَادَ بِهِ بر الصَّدْر وَكَثْرَة خَيره وَأَن الْخَيْر يتفجر مِنْهُ تفجيراً وَأَنه منطو على كل خلق جميل وكل خير كَمَا قَالَ بعض أهل الْعلم لَيْسَ فِي الدُّنْيَا كلهَا مَحل كَانَ أَكثر خيرا من صدر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد جمع الْخَيْر بحذافيره وأودع فِي صَدره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

  17. وَقَوله أصدق النَّاس لهجة هَذَا مِمَّا أقرّ لَهُ بِهِ أعداؤه المحاربون لَهُ وَلم يجرب عَلَيْهِ أحد من أعدائه كذبة وَاحِدَة قطّ دع شَهَادَة أوليائه كلهم لَهُ بِهِ فقد حاربه أهل الأَرْض بأنواع المحاربات مشركوهم وَأهل الْكتاب مِنْهُم وَلَيْسَ أحد مِنْهُم يَوْمًا من الدَّهْر طعن فِيهِ بكذبة وَاحِدَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة

  18. قَالَ الْمسور بن مخرمَة قلت لأبي جهل وَكَانَ خَالِي يَا خَال هَل كُنْتُم تتهمون مُحَمَّدًا بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مقَالَته فَقَالَ وَالله يَا ابْن أُخْتِي لقد كَانَ مُحَمَّد وَهُوَ شَاب يدعى فِينَا الْأمين فَلَمَّا وخطه الشيب لم يكن

    ج ١ ص ١٨٤ليكذب قلت يَا خَال فَلم لَا تتبعونه فَقَالَ يَا ابْن أُخْتِي تنازعنا نَحن وَبَنُو هَاشم الشّرف فأطعموا وأطعمنا وَسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فَلَمَّا تجاثينا على الركب وَكُنَّا كفرسي رهان قَالُوا منا نَبِي فَمَتَى نأتيهم بِهَذِهِ أَو كَمَا قَالَ

  19. وَقَالَ تَعَالَى يسليه ويهون عَلَيْهِ قَول أعدائه {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ} الْأَنْعَام ٣٣ ٣٤

  20. وَقَوله ألينهم عَرِيكَة يَعْنِي سهل لين قريب من النَّاس مُجيب لدَعْوَة من دَعَاهُ قَاض لحَاجَة من استقضاه جَابر لقلب من قَصده لَا يحرمه وَلَا يردهُ خائباً إِذا أَرَادَ أَصْحَابه مِنْهُ أمرا وافقهم عَلَيْهِ وتابعهم فِيهِ وَإِن عزم على أَمر لم يستبد دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم وَكَانَ يقبل من محسنهم وَيَعْفُو عَن مسيئهم

  21. وَقَوله أكْرمهم عشرَة يَعْنِي أَنه لم يكن يعاشر جَلِيسا لَهُ إِلَّا أتم عشرَة وأحسنها وَأَكْرمهَا فَكَانَ لَا يعبس فِي وَجهه وَلَا يغلظ لَهُ فِي مقاله وَلَا يطوي عَنهُ بشره وَلَا يمسك عَلَيْهِ فلتات لِسَانه وَلَا يؤاخذه بِمَا يصدر مِنْهُ من جفوة وَنَحْوهَا بل يحسن إِلَى عشيره غَايَة الْإِحْسَان وَيحْتَمل غَايَة الِاحْتِمَال فَكَانَت عشرته لَهُم احْتِمَال أذاهم وجفوتهم جملَة لَا يُعَاقب أحدا مِنْهُم وَلَا يلومه وَلَا يباديه بِمَا يكره من خالطه يَقُول أَنا أحب النَّاس إِلَيْهِ لما يرى من لطفه بِهِ وقربه مِنْهُ وإقباله عَلَيْهِ واهتمامه بأَمْره وتضحيته لَهُ وبذل

    ج ١ ص ١٨٥إحسانه إِلَيْهِ وَاحْتِمَال جفوته فَأَي عشرَة كَانَت أَو تكون أكْرم من هَذِه الْعشْرَة

  22. قَالَ الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ سَأَلت أبي عَن سيرة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جُلَسَائِهِ فَقَالَ كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَائِم الْبشر سهل الْخلق لين الْجَانِب لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا صخاب وَلَا فحاش وَلَا عياب وَلَا مداح يتغافل عَمَّا لَا يَشْتَهِي وَلَا يؤيس مِنْهُ راجيه وَلَا يخيب فِيهِ قد ترك نَفسه من ثَلَاث المراء والإكثار وَترك مَا لَا يعنيه كَانَ لَا يذم أحدا وَلَا يعِيبهُ وَلَا يطْلب عَوْرَته وَلَا يتَكَلَّم إِلَّا فِيمَا رجا ثَوَابه وَإِذا تكلم أطرق جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا على رؤوسهم الطير فَإِذا سكت تكلمُوا لَا يتنازعون عِنْده الحَدِيث وَمن تكلم عِنْده أَنْصتُوا لَهُ حَتَّى يفرغ حَدِيثهمْ عِنْد حَدِيث أَوَّلهمْ يضْحك مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ ويتعجب مِمَّا يتعجبون مِنْهُ ويصبر للغريب على الجفوة فِي مَنْطِقه ومسألته حَتَّى إِن كَانَ أَصْحَابه ليستجلبونهم وَيَقُول إِذا رَأَيْتُمْ طَالب حَاجَة يطْلبهَا فأرفدوه وَلَا يقبل الثَّنَاء إِلَّا من مكافئ وَلَا يقطع على أحد حَدِيثه حَتَّى يجوز فيقطعه بنهي أَو قيام

  23. وَقَوله من رَآهُ بديهة هابه وَمن خالطه معرفَة أحبه وَصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدْق وَالْإِخْلَاص وهما الإجلال والمحبة وَكَانَ قد ألْقى عَلَيْهِ هَيْبَة مِنْهُ ومحبة فَكَانَ كل من يرَاهُ يهابه ويجله ويملأ قلبه تَعْظِيمًا وإجلالاً وَإِن كَانَ عدوا لَهُ فَإِذا خالطه وعاشره كَانَ أحب إِلَيْهِ من كل مَخْلُوق فَهُوَ المجل الْمُعظم المحبوب المكرم وَهَذَا كَمَال الْمحبَّة أَن تقرن بالتعظيم والهيبة فالمحبة

    ج ١ ص ١٨٦بِلَا هَيْبَة وَلَا تَعْظِيم نَاقِصَة والهيبة والتعظيم من غير محبَّة كَمَا تكون للغادر الظَّالِم نقص أَيْضا والكمال أَن تَجْتَمِع الْمحبَّة والود والتعظيم والإجلال وَهَذَا لَا يُوجد إِلَّا إِذا كَانَ فِي المحبوب صِفَات الْكَمَال الَّتِي يسْتَحق أَن يعظم لأَجلهَا وَيُحب لأَجلهَا

  24. وَلما كَانَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَحَق بِهَذَا من كل أحد كَانَ الْمُسْتَحق لِأَن يعظم وَيكبر ويهاب وَيُحب وَيَوَد بِكُل جُزْء من أَجزَاء الْقلب وَلَا يَجْعَل لَهُ شريك فِي ذَلِك وَهَذَا هُوَ الشّرك الَّذِي لَا يغفره الله سُبْحَانَهُ أَن يُسَوِّي بَينه وَبَين غَيره فِي هَذَا الْحبّ قَالَ تَعَالَى {وَمن النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشد حبا لله} الْبَقَرَة ١٦٥ فَأخْبر أَن من أحب شَيْئا غير الله مثل حبه لله كَانَ قد اتَّخذهُ ندا وَقَالَ أهل النَّار فِي النَّار لمعبودهم {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} الشُّعَرَاء ٩٧ ٩٨

  25. وَلم تكن تسويتهم بِاللَّه فِي كَونهم خلقُوا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَو خلقوهم أَو خلقُوا آبَاءَهُم وَإِنَّمَا سووهم بِرَبّ الْعَالمين فِي الْحبّ لَهُم كَمَا يحب الله فَإِن حَقِيقَة الْعِبَادَة هِيَ الْحبّ والذل وَهَذَا هُوَ الإجلال وَالْإِكْرَام الَّذِي وصف بِهِ نَفسه فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام} الرَّحْمَن ٧٨

  26. وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِك أَن الْجلَال هُوَ التَّعْظِيم وَالْإِكْرَام هُوَ الْحبّ وَهُوَ سر قَول العَبْد لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر

  27. وَلِهَذَا جَاءَ فِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أنس رَضِي الله

    ج ١ ص ١٨٧عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أَلظُّوا بيا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام // حَدِيث صَحِيح // أَي الزموها والهجوا بهَا

  28. وَفِي مُسْند أبي يعلى الْموصِلِي عَن بعض الصَّحَابَة أَنه طلب أَن يعرف اسْم الله الْأَعْظَم فَرَأى فِي مَنَامه مَكْتُوبًا فِي السَّمَاء بالنجوم يَا بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام وكل محبَّة وتعظيم للبشر فَإِنَّمَا تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رَسُوله وتعظيمه فَإِنَّهَا من تَمام محبَّة مرسله وتعظيمه فَإِن أمته يحبونه لحب الله لَهُ ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله لَهُ فَهِيَ محبَّة لله من مُوجبَات محبَّة الله وَكَذَلِكَ محبَّة أهل الْعلم وَالْإِيمَان ومحبة الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وإجلالهم تَابع لمحبة الله وَرَسُوله لَهُم

  29. وَالْمَقْصُود أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألْقى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ مِنْهُ المهابة والمحبة وَلكُل مُؤمن مخلص حَظّ من ذَلِك

  30. قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله إِن الْمُؤمن رزق حلاوة ومهابة يَعْنِي يحب ويهاب ويجل بِمَا ألبسهُ الله سُبْحَانَهُ من ثوب الْإِيمَان الْمُقْتَضِي لذَلِك وَلِهَذَا لم يكن بشر أحب إِلَى بشر وَلَا أهيب وَأجل فِي صَدره من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صدر الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم

  31. قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ قبل إِسْلَامه أَنه لم يكن شخص أبْغض إِلَيّ مِنْهُ فَلَمَّا أسلم لم يكن شخص أحب إِلَيْهِ مِنْهُ وَلَا أجل فِي عينه مِنْهُ قَالَ وَلَو سُئِلت أَن أصفه لكم لما أطقت لِأَنِّي لم أكن

    ج ١ ص ١٨٨أملأ عَيْني مِنْهُ إجلالاً لَهُ

  32. وَقَالَ عُرْوَة بن مَسْعُود لقريش يَا قوم وَالله لقد وفدت على كسْرَى وَقَيْصَر والملوك فَمَا رَأَيْت ملكا يعظمه أَصْحَابه مَا يعظم أَصْحَاب مُحَمَّد مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالله مَا يحدون النّظر إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَمَا تنخم نخامة إِلَّا وَقعت فِي كف رجل مِنْهُم فيدلك بهَا وَجهه وصدره وَإِذا تَوَضَّأ كَادُوا يقتتلون على وضوئِهِ

  33. فَلَمَّا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُشْتَمِلًا على مَا يَقْتَضِي أَن يحمد عَلَيْهِ مرّة بعد مرّة سمي مُحَمَّدًا وَهُوَ اسْم مُوَافق لمسماه وَلَفظ مُطَابق لمعناه

  34. وَالْفرق بَين لفظ أَحْمد وَمُحَمّد من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن مُحَمَّدًا هُوَ الْمَحْمُود حمداً بعد حمد فَهُوَ دَال على كَثْرَة حمد الحامدين لَهُ وَذَلِكَ يسْتَلْزم كَثْرَة مُوجبَات الْحَمد فِيهِ وَأحمد أفعل تَفْضِيل من الْحَمد يدل على أَن الْحَمد الَّذِي يسْتَحقّهُ أفضل مِمَّا يسْتَحقّهُ غَيره فمحمد زِيَادَة حمد فِي الكمية وَأحمد زِيَادَة فِي الْكَيْفِيَّة فيحمد أَكثر حمد وَأفضل حمد حَمده الْبشر

  35. وَالْوَجْه الثَّانِي أَن مُحَمَّدًا هُوَ الْمَحْمُود حمداً متكرراً كَمَا تقدم وَأحمد هُوَ الَّذِي حَمده لرَبه أفضل من حمد الحامدين غَيره فَدلَّ أحد الاسمين وَهُوَ مُحَمَّد على كَونه مَحْمُودًا وَدلّ الِاسْم

    ج ١ ص ١٨٩الثَّانِي وَهُوَ أَحْمد على كَونه أَحْمد الحامدين لرَبه وَهَذَا هُوَ الْقيَاس فَإِن أفعل التَّفْضِيل والتعجب عِنْد جمَاعَة الْبَصرِيين لَا يبنيان إِلَّا من فعل الْفَاعِل لَا يبنيان من فعل الْمَفْعُول بِنَاء مِنْهُم على أَن أفعل التَّعَجُّب والتفضيل إِنَّمَا يصاغان من الْفِعْل اللَّازِم لَا من الْمُتَعَدِّي وَلِهَذَا يقدرُونَ نَقله من فعل وَفعل إِلَى بِنَاء فعل بِضَم الْعين قَالُوا وَالدَّلِيل على هَذَا أَنه يعدى بِالْهَمْزَةِ إِلَى الْمَفْعُول فالهمزة الَّتِي فِيهِ للتعدية نَحْو مَا أظرف زيدا وَأكْرم عمرا وأصلهما ظرف وكرم

  36. قَالُوا لِأَن المتعجب مِنْهُ فَاعل فِي الأَصْل فَوَجَبَ أَن يكون فعله غير مُتَعَدٍّ

  37. قَالُوا وَأما قَوْلهم مَا أضْرب زيدا لعَمْرو وَفعله مُتَعَدٍّ فِي الأَصْل

  38. قَالُوا فَهُوَ مَنْقُول من ضرب إِلَى وزن فعل اللَّازِم ثمَّ عدي من فعل بِهَمْزَة التَّعْدِيَة

  39. قَالُوا وَالدَّلِيل على ذَلِك مجيئهم بِاللَّامِ فَيَقُولُونَ مَا أضْرب زيدا لعَمْرو وَلَو كَانَ بَاقِيا على تعديه لقيل مَا أضْرب زيدا عمرا لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِد بِنَفسِهِ وَإِلَى الآخر بِهَمْزَة التَّعْدِيَة فَلَمَّا عدي إِلَى الْمَفْعُول بِهَمْزَة التَّعْدِيَة عدي إِلَى الآخر بِاللَّامِ فَعلم أَنه لَازم فَهَذَا هُوَ الَّذِي أوجب لَهُم أَن قَالُوا لَا يصاغ ذَلِك إِلَّا من فعل الْفَاعِل لَا من الْفِعْل الْوَاقِع على الْمَفْعُول

  40. ونازعهم فِي ذَلِك آخَرُونَ وَقَالُوا يجوز بِنَاء فعل التَّعَجُّب والتفضيل من فعل الْفَاعِل وَمن الْوَاقِع على الْمَفْعُول تَقول

    ج ١ ص ١٩٠الْعَرَب مَا أشغله بالشَّيْء وَهَذَا من شغل بِهِ على وزن سُئِلَ فالتعجب من المشغول بالشَّيْء لَا من الشاغل وَكَذَا قَوْلهم مَا أولعه بِكَذَا من أولع بِهِ مَبْنِيّ للْمَفْعُول لِأَن الْعَرَب التزمت بِنَاء هَذَا الْفِعْل للْمَفْعُول وَلم تبنه للْفَاعِل وَكَذَلِكَ قَوْلهم مَا أعجبه بِكَذَا هُوَ من أعجب بالشَّيْء وَكَذَا قَوْلهم مَا أحبه إِلَيّ هُوَ تعجب من فعل الْمَفْعُول وَكَذَا قَوْلهم مَا أبغضه إِلَيّ وأمقته إِلَيّ