في ذكر المسألة المشهورة بين الناس وبيان ما فيها
٥٥ فقرة، ج ١ ص ٢٧٨
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٧٨
وَهِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل من إِبْرَاهِيم فَكيف طلب لَهُ من الصَّلَاة مَا لإِبْرَاهِيم مَعَ أَن الْمُشبه بِهِ أَصله أَن يكون فَوق الْمُشبه فَكيف الْجمع بَين هذَيْن الْأَمريْنِ المتنافيين
-
وَنحن نذْكر مَا قَالَه النَّاس فِي هَذَا وَمَا فِيهِ من صَحِيح وفاسد
-
فَقَالَت طَائِفَة هَذِه الصَّلَاة علمهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمته قبل أَن يعرف أَنه سيد ولد آدم وَلَو سكت قَائِل هَذَا لَكَانَ أولى بِهِ وَخيرا لَهُ فَإِن هَذِه هِيَ الصَّلَاة الَّتِي علمهمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِيَّاهَا لما سَأَلُوهُ عَن تَفْسِير {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} الْأَحْزَاب ٥٦ فعلمهم هَذِه الصَّلَاة وَجعلهَا مَشْرُوعَة فِي صلوَات الْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزل أفضل ولد آدم قبل أَن يعلم بذلك وَبعده وَبعد أَن علم بذلك لم يُغير نظم الصَّلَاة الَّتِي علمهَا أمته وَلَا أبدلها بغَيْرهَا وَلَا روى عَنهُ أحد خلَافهَا فَهَذَا من أفسد جَوَاب يكون
-
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى هَذَا السُّؤَال والطلب شرع ليتخذه الله خَلِيلًا كَمَا اتخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا
ج ١ ص ٢٧٩وَقد اجابه الله إِلَى ذَلِك كَمَا ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح أَلا وَإِن صَاحبكُم خَلِيل الرَّحْمَن يَعْنِي نَفسه وَهَذَا الْجَواب من جنس مَا قبله فَإِن مضمونه أَنه بعد أَن اتَّخذهُ الله خَلِيلًا لَا تشرع الصَّلَاة عَلَيْهِ على هَذَا الْوَجْه وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل
-
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى إِنَّمَا هَذَا التَّشْبِيه رَاجع إِلَى الْمُصَلِّي فِيمَا يحصل لَهُ من ثَوَاب الصَّلَاة عَلَيْهِ فَطلب من ربه ثَوابًا وَهُوَ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ كَمَا صلى على آل إِبْرَاهِيم لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن الْمَطْلُوب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الصَّلَاة أجل وَأعظم مِمَّا هُوَ حَاصِل لغيره من الْعَالمين
-
وَهَذَا من جنس مَا قبله وافسد فَإِن التَّشْبِيه لَيْسَ فِيمَا يحصل للْمُصَلِّي بل فِيمَا يحصل للمصلى عَلَيْهِ وَهُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمن قَالَ إِن الْمَعْنى اللَّهُمَّ أَعْطِنِي من ثَوَاب صَلَاتي عَلَيْهِ كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم فقد حرف الْكَلم وأبطل فِي كَلَامه
-
وَلَوْلَا أَن هَذِه الْوُجُوه وأمثالها قد ذكرهَا بعض الشَّرْح وسودوا بهَا الطروس وأوهموا النَّاس أَن فِيهَا تَحْقِيقا لَكَانَ الإضراب عَنْهَا صفحاً أولى من ذكرهَا فَإِن الْعَالم يستحي من التَّكَلُّم على هَذَا والاشتغال برده
-
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى التَّشْبِيه عَائِد إِلَى الْآل فَقَط وَتمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد ثمَّ قَالَ وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا
ج ١ ص ٢٨٠صليت على آل إِبْرَاهِيم فَالصَّلَاة الْمَطْلُوبَة لآل مُحَمَّد هِيَ المشبهة بِالصَّلَاةِ الْحَاصِلَة لآل إِبْرَاهِيم وَهَذَا نَقله العمراني عَن الشَّافِعِي رَحمَه الله وَهُوَ بَاطِل عَلَيْهِ قطعا فَإِن الشَّافِعِي أجل من أَن يَقُول مثل هَذَا وَلَا يَلِيق هَذَا بِعِلْمِهِ وفصاحته فَإِن هَذَا فِي غَايَة الركاكة والضعف
-
وَقد تقدم فِي كثير من أَحَادِيث الْبَاب اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم وَقد تقدّمت الْأَحَادِيث بذلك
-
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَصح من جِهَة الْعَرَبيَّة فَإِن الْعَامِل إِذا ذكر معموله وَعطف عَلَيْهِ غَيره ثمَّ قيد بظرف أَو جَار ومجرور أَو مصدر أَو صفة مصدر كَانَ ذَلِك رَاجعا إِلَى الْمَعْمُول وَمَا عطف عَلَيْهِ هَذَا الَّذِي لَا تحْتَمل الْعَرَبيَّة غَيره فَإِذا قلت جَاءَنِي زيد وَعَمْرو يَوْم الْجُمُعَة كَانَ الظّرْف مُقَيّدا لمجيئهما لَا لمجيء عَمْرو وَحده وَكَذَلِكَ إِذا قلت ضربت زيدا وعمراً ضربا مؤلماً أَو أَمَام الْأَمِير أَو سلم عَليّ زيد وَعَمْرو يَوْم الْجُمُعَة وَنَحْوه
-
فَإِن قلت هَذَا مُتَوَجّه إِذا لم يعد الْعَامِل فَأَما إِذا أُعِيد الْعَامِل حسن ذَلِك تَقول سلم على زيد وعَلى عَمْرو إِذا لَقيته لم يمْتَنع أَن يخْتَص ذَلِك بِعَمْرو وَهنا قد أُعِيد الْعَامِل فِي قَوْله وعَلى آل مُحَمَّد
-
قيل هَذَا الْمِثَال لَيْسَ بمطابق لمسألة الصَّلَاة وَإِنَّمَا المطابق أَن تَقول سلم على زيد وعَلى عَمْرو كَمَا تسلم على الْمُؤمنِينَ وَنَحْو ذَلِك وَحِينَئِذٍ فادعاء أَن التَّشْبِيه لسلامه على عَمْرو وَحده دون زيد دَعْوَى بَاطِلَة
ج ١ ص ٢٨١وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى لَا يلْزم أَن يكون الْمُشبه بِهِ أَعلَى من الْمُشبه بل يجوز أَن يَكُونَا متماثلين وَأَن يكون الْمُشبه أَعلَى من الْمُشبه بِهِ
-
قَالَ هَؤُلَاءِ وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل من إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من وُجُوه غير الصَّلَاة وَإِن كَانَا متساويين فِي الصَّلَاة قَالُوا وَالدَّلِيل على أَن الْمُشبه قد يكون أفضل من الْمُشبه بِهِ قَول الشَّاعِر
(بنونا بَنو أَبْنَائِنَا وبناتنا ... بنوهن أَبنَاء الرِّجَال الأباعد)
-
وَهَذَا القَوْل أَيْضا ضَعِيف من وُجُوه
-
أَحدهَا أَن هَذَا خلاف الْمَعْلُوم من قَاعِدَة تَشْبِيه الشَّيْء بالشَّيْء فَإِن الْعَرَب لَا تشبه الشَّيْء إِلَّا بِمَا هُوَ فَوْقه
-
الثَّانِي أَن الصَّلَاة من الله تَعَالَى من أجل الْمَرَاتِب وأعلاها وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل الْخلق فَلَا بُد أَن تكون الصَّلَاة الْحَاصِلَة لَهُ أفضل من كل صَلَاة تحصل لكل مَخْلُوق فَلَا يكون غَيره مُسَاوِيا لَهُ فِيهَا
-
الثَّالِث أَن الله سُبْحَانَهُ أَمر فِيهَا بعد أَن أخبر أَنه وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ وَأمر بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَام عَلَيْهِ وأكده بِالتَّسْلِيمِ وَهَذَا الْخَبَر وَالْأَمر لم يثبتهما فِي الْقُرْآن لغيره من المخلوقين
-
الرَّابِع أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على معلم النَّاس الْخَيْر وَهَذَا لِأَن بتعليمهم الْخَيْر قد أنقذوهم من شَرّ
ج ١ ص ٢٨٢الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وتسببوا بذلك إِلَى فلاحهم وسعادتهم وَذَلِكَ سَبَب دُخُولهمْ فِي جملَة الْمُؤمنِينَ الَّذين يُصَلِّي عَلَيْهِم الله وَمَلَائِكَته فَلَمَّا تسبب معلمو الْخَيْر إِلَى صَلَاة الله وَمَلَائِكَته على من يعلم مِنْهُم صلى الله عَلَيْهِم وَمَلَائِكَته وَمن الْمَعْلُوم أَنه لَا أحد من معلمي الْخَيْر أفضل وَلَا أَكثر تَعْلِيما من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أنصح لأمته وَلَا أَصْبِر على تَعْلِيمه مِنْهُ وَلِهَذَا نَالَ أمته من تَعْلِيمه لَهُم مَا لم تنله أمة من الْأُمَم سواهُم وَحصل للْأمة من تعليمهم من الْعُلُوم النافعة والأعمال الصَّالِحَة مَا صَارَت بِهِ خير امة اخرجت للْعَالمين فَكيف تكون الصَّلَاة على هَذَا الرَّسُول الْمعلم للخير مُسَاوِيَة للصَّلَاة على من لم يماثله فِي هَذَا التَّعْلِيم
-
وَأما استشهادهم بقول الشَّاعِر على جَوَاز كَون الْمُشبه بِهِ أفضل من الْمُشبه فَلَا يدل على ذَلِك لَان قَوْله بنونا بَنو أَبْنَائِنَا إِمَّا إِن يكون الْمُبْتَدَأ فِيهِ مُؤَخرا وَالْخَبَر مقدما وَيكون قد شبه بني أبنائه ببنيه وَجَاز تَقْدِيم الْخَبَر هُنَا لظُهُور الْمَعْنى وَعدم وُقُوع اللّبْس وعَلى هَذَا فَهُوَ جَار على أصل التَّشْبِيه وَإِمَّا أَن يكون من بَاب عكس التَّشْبِيه كَمَا يشبه الْقَمَر بِالْوَجْهِ الْكَامِل فِي حسنه وَيُشبه الْأسد بالكامل فِي شجاعته وَالْبَحْر بالكامل فِي جوده تَنْزِيلا لهَذَا الرجل منزلَة الْفَرْع الْمُشبه وَهَذَا يجوز إِذا تضمن عكس التَّشْبِيه مثل هَذَا الْمَعْنى وعَلى هَذَا فَيكون هَذَا الشَّاعِر قد نزل بني ابنائه منزلَة بنيه وَأَنَّهُمْ فَوْقهم عِنْده ثمَّ شبه بنيه بهم وَهَذَا قَول طَائِفَة من أهل الْمعَانِي
ج ١ ص ٢٨٣وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَن الشَّاعِر لم يرد ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّفْرِيق بَين بني بنيه وَبني بَنَاته فَأخْبر أَن بني بَنَاته تبع لِآبَائِهِمْ لَيْسُوا بأبناء لنا وَإِنَّمَا أَبْنَاؤُنَا بَنو ابنائنا لَا بنوا بناتنا فَلم يرد تَشْبِيه بني بنيه ببنيه وَلَا عَكسه وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا ذكرنَا من الْمَعْنى وَهَذَا ظَاهر
-
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ من الصَّلَاة الْخَاصَّة بِهِ الَّتِي لَا يساويها صَلَاة مَا لم يشركهُ فِيهَا أحد والمسؤول لَهُ إِنَّمَا هُوَ صَلَاة زَائِدَة على مَا أعْطِيه مُضَافا إِلَيْهِ وَيكون ذَلِك الزَّائِد مشبهاً بِالصَّلَاةِ على إِبْرَاهِيم وَلَيْسَ بمستنكر أَن يسْأَل للفاضل فَضِيلَة أعطيها الْمَفْضُول مُنْضَمًّا إِلَى مَا اخْتصَّ بِهِ هُوَ من الْفضل الَّذِي لم يحصل لغيره
-
قَالُوا وَمِثَال ذَلِك أَن يُعْطي السُّلْطَان رجلا مَالا عَظِيما وَيُعْطِي غَيره دون ذَلِك المَال فَيسْأَل السُّلْطَان أَن يُعْطي صَاحب المَال الْكثير مثل مَا أعْطى من هُوَ دونه لينضم ذَلِك إِلَى مَا أعْطِيه فَيحصل لَهُ من مَجْمُوع العطاءين أَكثر مِمَّا يحصل من الْكثير وَحده
-
وَهَذَا أَيْضا ضَعِيف لِأَن الله تَعَالَى أخبر أَنه وَمَلَائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ ثمَّ أَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَا ريب أَن الْمَطْلُوب من الله هُوَ نَظِير الصَّلَاة الْمخبر بهَا لَا مَا هُوَ دونهَا وَهُوَ أكمل الصَّلَاة عَلَيْهِ وأرجحها لَا الصَّلَاة المرجوحة المفضولة
-
وعَلى قَول هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يكون الطّلب لصَلَاة مرجوحة لَا راجحة وَإِنَّمَا تصير راجحة بانضمامها إِلَى صَلَاة لم تطلب وَلَا ريب فِي فَسَاد ذَلِك فَإِن الصَّلَاة الَّتِي تطلبها الْأمة لَهُ من ربه هِيَ أجل صَلَاة وأفضلها
ج ١ ص ٢٨٤وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى التَّشْبِيه الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ فِي أصل الصَّلَاة لَا فِي قدرهَا وَلَا فِي كيفيتها فالمسؤول إِنَّمَا هُوَ رَاجع إِلَى الْهَيْئَة لَا إِلَى قدر الْمَوْهُوب وَهَذَا كَمَا تَقول للرجل أحسن إِلَى ابْنك كَمَا أَحْسَنت إِلَى فلَان وَأَنت لَا تُرِيدُ بذلك قدر الْإِحْسَان وَإِنَّمَا تُرِيدُ بِهِ أصل الْإِحْسَان وَقد يحْتَج لذَلِك بقوله تَعَالَى {وَأَحْسِنْ كَمَا أحسن الله إِلَيْك} الْقَصَص ٧٧ وَلَا ريب أَنه لَا يقدر أحد أَن يحسن بِقدر مَا أحسن الله إِلَيْهِ وَإِنَّمَا أُرِيد بِهِ أصل الْإِحْسَان لَا قدره وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} النِّسَاء ١٦٣ وَهَذَا التَّشْبِيه فِي أصل الْوَحْي لَا فِي قدره وَفضل الموحى بِهِ
-
وَقَوله تَعَالَى {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} الْأَنْبِيَاء ٥ إِنَّمَا مُرَادهم جنس الْآيَة لَا نظيرها
-
وَقَوله تَعَالَى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} النُّور ٥٥ وَمَعْلُوم أَن كَيْفيَّة الِاسْتِخْلَاف مُخْتَلفَة وَأَن مَا لهَذِهِ الْأمة أكمل مِمَّا لغَيرهم
-
وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الْبَقَرَة ١٨٣ والتشبيه إِنَّمَا هُوَ فِي أصل الصَّوْم لَا فِي عينة وَقدره وكيفيته
-
وَقَالَ تَعَالَى {كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ} الاعراف ٢٩
-
وَمَعْلُوم تفَاوت مَا بَين النشأة الأولى وَهِي المبدأ وَالثَّانيَِة وَهِي الْمعَاد
ج ١ ص ٢٨٥وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} المزمل ١٥
-
وَمَعْلُوم أَن التَّشْبِيه فِي أصل الارسال لَا يَقْتَضِي تماثل الرسولين
-
وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو أَنكُمْ تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصاً وَتَروح بطاناً فالتشبيه هُنَا فِي أصل الرزق لَا فِي قدره وَلَا كيفيته ونظائر ذَلِك
-
وَهَذَا الْجَواب ضَعِيف أَيْضا لوجوه
-
مِنْهَا أَن مَا ذَكرُوهُ يجوز أَن يسْتَعْمل فِي الْأَعْلَى والأدنى والمساوي فَلَو قلت أحسن إِلَى أَبِيك وَأهْلك كَمَا أَحْسَنت إِلَى مركوبك وخادمك وَنَحْوه جَازَ ذَلِك وَمن الْمَعْلُوم أَنه لَو كَانَ التَّشْبِيه فِي أصل الصَّلَاة لحسن أَن تَقول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل أبي أوفى أَو كَمَا صليت على أحاد الْمُؤمنِينَ وَنَحْوه أَو كَمَا صليت على آدم ونوح وَهود وَلُوط فَإِن التَّشْبِيه عِنْد هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُوَ وَاقع فِي أصل الصَّلَاة لَا فِي قدرهَا وَلَا صفتهَا
-
وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين كل من صلى عَلَيْهِ وَأي ميزة وفضيلة فِي ذَلِك لإِبْرَاهِيم وَآله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا الْفَائِدَة حِينَئِذٍ فِي ذكره وَذكر آله وَكَانَ الْكَافِي فِي ذَلِك أَن تَقول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد فَقَط
ج ١ ص ٢٨٦الثَّانِي أَن مَا ذَكرُوهُ من الْأَمْثِلَة لَيْسَ بنظير الصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن هَذِه الْأَمْثِلَة نَوْعَانِ خبر وَطلب فَمَا كَانَ مِنْهَا خَبرا فالمقصود بالتشبيه بِهِ الِاسْتِدْلَال والتقريب إِلَى الْفَهم وَتَقْرِير ذَلِك الْخَبَر وَأَنه مِمَّا لَا يَنْبَغِي لعاقل إِنْكَاره كنظير الْمُشبه بِهِ فَكيف تنكرون الْإِعَادَة وَقد وَقع الِاعْتِرَاف بالبداءة وَهِي نظيرها وَحكم النظير وَلِهَذَا يحْتَج سُبْحَانَهُ بالمبدأ على الْمعَاد كثيرا
-
قَالَ تَعَالَى {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} الاعراف ٢٩
-
وَقَالَ تَعَالَى {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نعيده} الْأَنْبِيَاء ١٠٤
-
وَقَالَ تَعَالَى {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} يّس ٧٨ ٧٩ وَهَذَا كثير فِي الْقُرْآن
-
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} المزمل ١٥
-
أَي كَيفَ يَقع الْإِنْكَار مِنْكُم وَقد تقدم قبلكُمْ رسل مني مبشرين ومنذرين وَقد علمْتُم حَال من عصى رُسُلِي كَيفَ أخذتهم أخذا وبيلاً
-
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ والنبيين} الاية النِّسَاء ١٦٣ أَي لست أول رَسُول طرق الْعَالم بل قد تقدّمت قبلك رسل أوحيت إِلَيْهِم كَمَا أوحيت إِلَيْك كَمَا قَالَ تَعَالَى {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُل} الاحقاف ٩ فَهَذَا رد وإنكار على من أنكر رِسَالَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ مَجِيئه بِمثل مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل قبله من الْآيَات بل أعظم مِنْهَا فَكيف تنكر رسَالَته وَلَيْسَت من الْأُمُور
ج ١ ص ٢٨٧الَّتِي تطرق الْعَالم بل لم تخل الأَرْض من الرُّسُل وآثارهم فرسولكم جَاءَ على منهاج من تقدمه من الرُّسُل فِي الرسَالَة لم يكن بدعا
-
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قبلهم} النُّور ٥٥ إِخْبَار عَن عَادَته سُبْحَانَهُ فِي خلقَة وحكمته الَّتِي لَا تَبْدِيل لَهَا أَن من آمن وَعمل صَالحا مكن لَهُ فِي الأَرْض واستخلفه فِيهَا وَلم يهلكه وَيقطع دابره كَمَا أهلك من كذب رسله وَخَالفهُم وَقطع دابره فَأخْبرهُم سُبْحَانَهُ عَن حكمته ومعاملته لمن آمن برسله وَصدقهمْ وَأَنه يفعل بهم كَمَا فعل بِمن قبلهم من أَتبَاع الرُّسُل وَهَكَذَا قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو أَنكُمْ تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كَمَا يرْزق الطير إِخْبَار بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يرْزق المتوكلين عَلَيْهِ من حَيْثُ لَا يحتسبون وَأَنه لَا يخليهم من رزق قطّ كَمَا ترَوْنَ ذَلِك فِي الطير فَإِنَّهَا تَغْدُو من أوكارها خماصاً فيرزقها سُبْحَانَهُ حَتَّى ترجع بطاناً من رزقه وَأَنْتُم أكْرم على الله من الطير وَسَائِر الْحَيَوَانَات فَلَو توكلتم عَلَيْهِ لرزقكم من حَيْثُ لَا تحتسبون وَلم يمْنَع أحدا مِنْكُم رزقه هَذَا من قبيل الْإِخْبَار