في قوله اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد

٧٣ فقرة، ج ١ ص ٣٠٢

الصفحة ١ من ٢

  1. وَذكر الْبركَة وحقيقتها الثُّبُوت واللزوم والاستقرار فَمِنْهُ برك الْبَعِير إِذا اسْتَقر على الأَرْض وَمِنْه المبرك لموْضِع البروك

    ج ١ ص ٣٠٢
  2. قَالَ صَاحب الصِّحَاح وكل شَيْء ثَبت وَأقَام فقد برك والبرك الْإِبِل الْكَثِيرَة وَالْبركَة بِكَسْر الْبَاء كالحوض وَالْجمع البرك ذكره الْجَوْهَرِي

  3. قَالَ وَيُقَال سميت بذلك لإِقَامَة المَاء فِيهَا والبراكاء الثَّبَات فِي الْحَرْب وَالْجد فِيهَا قَالَ الشَّاعِر

    (وَلَا يُنجي من الغمرات إِلَّا ... براكاء الْقِتَال أَو الْفِرَار)

  4. وَالْبركَة النَّمَاء وَالزِّيَادَة والتبريك الدُّعَاء بذلك

  5. وَيُقَال باركه الله وَبَارك فِيهِ وَبَارك عَلَيْهِ وَبَارك لَهُ وَفِي

    ج ١ ص ٣٠٣الْقُرْآن {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} النَّمْل ٨

  6. وَفِيه {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَاق} الصافات ١١٣

  7. وَفِيه {بَارَكْنَا فِيهَا} الاعراف ٣٧

  8. وَفِي الحَدِيث وَبَارك لي فِيمَا أَعْطَيْت // إِسْنَاده صَحِيح //

  9. وَفِي حَدِيث سعد بَارك الله لَك فِي أهلك وَمَالك

  10. الْمُبَارك الَّذِي قد باركه الله سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ} مَرْيَم ٣١

  11. وَكتابه مبارك كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} الْأَنْبِيَاء ٥٠

  12. وَقَالَ تَعَالَى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مبارك} ص ٢٩ وَهُوَ

    ج ١ ص ٣٠٤أَحَق أَن يُسمى مُبَارَكًا من كل شَيْء لِكَثْرَة خَيره ومنافعه ووجوه الْبركَة فِيهِ والرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُقَال فِي حَقه تبَارك وَلَا يُقَال مبارك

  13. ثمَّ قَالَت طَائِفَة مِنْهُم الْجَوْهَرِي إِن تبَارك بِمَعْنى بَارك مثل قَاتل وتقاتل قَالَ إِلَّا أَن فَاعل يتَعَدَّى وتفاعل لَا يتَعَدَّى وَهَذَا غلط عِنْد الْمُحَقِّقين وَإِنَّمَا تبَارك تفَاعل من الْبركَة وَهَذَا الثَّنَاء فِي حَقه تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ لوصف رَجَعَ إِلَيْهِ كتعالى فَإِنَّهُ تفَاعل من الْعُلُوّ وَلِهَذَا يقرن بَين هذَيْن اللَّفْظَيْنِ فَيُقَال تبَارك وَتَعَالَى وَفِي دُعَاء الْقُنُوت تَبَارَكت وَتَعَالَيْت وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَق بذلك وَأولى من كل أحد فَإِن الْخَيْر كُله بيدَيْهِ وكل الْخَيْر مِنْهُ صِفَاته كلهَا صِفَات كَمَال وأفعاله كلهَا حِكْمَة وَرَحْمَة ومصلحة وخيرات لَا شرور فِيهَا كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالشَّر لَيْسَ إِلَيْك وَإِنَّمَا يَقع الشَّرّ فِي مفعولاته ومخلوقاته لَا فِي فعله سُبْحَانَهُ فَإِذا كَانَ العَبْد وَغَيره مُبَارَكًا لِكَثْرَة خَيره ومنافعه واتصال أَسبَاب الْخَيْر فِيهِ وَحُصُول مَا ينْتَفع بِهِ النَّاس مِنْهُ فَالله تبَارك وَتَعَالَى أَحَق أَن يكون متباركاً وَهَذَا ثَنَاء يشْعر بالعظمة والرفعة وَالسعَة كَمَا يُقَال تعاظم وَتَعَالَى وَنَحْوه فَهُوَ دَلِيل على عَظمته وَكَثْرَة خَيره ودوامه واجتماع صِفَات الْكَمَال فِيهِ وَأَن كل نفع فِي الْعَالم كَانَ وَيكون فَمن نَفعه سُبْحَانَهُ وإحسانه

    ج ١ ص ٣٠٥وَيدل هَذَا الْفِعْل أَيْضا فِي حَقه على العظمة والجلال وعلو الشَّأْن وَلِهَذَا إِنَّمَا يذكرهُ غَالِبا مفتتحاً بِهِ جَلَاله وعظمته وكبرياءه

  14. قَالَ تَعَالَى {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} الاعراف ٥٤

  15. وَقَالَ تَعَالَى {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} الْفرْقَان ١

  16. وَقَالَ تَعَالَى {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً منيرا} الْفرْقَان ٦١

  17. و {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} الزخرف ٨٥

  18. {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ} الْملك ١

  19. وَقَالَ تَعَالَى عقب خلق الْإِنْسَان فِي أطواره السَّبْعَة {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} الْمُؤْمِنُونَ ١٤

  20. فقد ذكر تبَارك سُبْحَانَهُ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي أثنى فِيهَا على نَفسه بالجلال وَالْعَظَمَة وَالْأَفْعَال الدَّالَّة على ربوبيته وإلهيته وحكمته وَسَائِر صِفَات كَمَاله من إِنْزَال الْفرْقَان وَخلق الْعَالمين وَجعله البروج فِي السَّمَاء وَالشَّمْس وَالْقَمَر وانفراده بِالْملكِ وَكَمَال الْقُدْرَة

  21. وَلِهَذَا قَالَ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا

    ج ١ ص ٣٠٦تبَارك بِمَعْنى تَعَالَى

  22. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس تبَارك ارْتَفع وَالْمبَارك الْمُرْتَفع

  23. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي تبَارك بِمَعْنى تقدس وَقَالَ الْحسن تبَارك تَجِيء الْبركَة من قبله وَقَالَ الضَّحَّاك تبَارك تعظم وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد تمجد وَقَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل تبَارك فِي ذَاته وَبَارك من شَاءَ من خلقه وَهَذَا أحسن الْأَقْوَال فتباركه سُبْحَانَهُ وصف ذَات لَهُ وَصفَة فعل كَمَا قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل

  24. وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَيْضا أَنه سُبْحَانَهُ يضيف التبارك إِلَى اسْمه كَمَا قَالَ تَعَالَى {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام} الرَّحْمَن ٧٨

  25. وَفِي حَدِيث الاستفتاح تبَارك اسْمك وَتَعَالَى جدك

  26. فَدلَّ هَذَا على أَن تبَارك لَيْسَ بِمَعْنى بَارك كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي وَأَن تبريكه سُبْحَانَهُ جُزْء مُسَمّى اللَّفْظ لَا كَمَال مَعْنَاهُ

  27. وَقَالَ ابْن عَطِيَّة مَعْنَاهُ عظم وَكَثُرت بركاته وَلَا يُوصف بِهَذِهِ اللَّفْظَة إِلَّا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَا تتصرف هَذِه اللَّفْظَة فِي لُغَة الْعَرَب لَا يسْتَعْمل مِنْهَا مضارع وَلَا أَمر قَالَ وَعلة ذَلِك أَن تبَارك لما لم يُوصف بِهِ غير الله لم يقتض مُسْتَقْبلا إِذْ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد تبَارك فِي الْأَزَل قَالَ وَقد غلط أَبُو عَليّ القالي فَقيل

    ج ١ ص ٣٠٧لَهُ كَيفَ الْمُسْتَقْبل من تبَارك فَقَالَ يتبارك فَوقف على أَن الْعَرَب لم تقله

  28. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة تبَارك اسْمك تفَاعل من الْبركَة كَمَا يُقَال تَعَالَى اسْمك من الْعُلُوّ يُرَاد بِهِ أَن الْبركَة فِي اسْمك وَفِيمَا سمي عَلَيْهِ

  29. وَقَالَ وأنشدني بعض أَصْحَاب اللُّغَة بَيْتا حفظت عَجزه

    (إِلَى الْجذع النَّخْلَة المتبارك ... )

  30. فَقَوله يُرَاد بِهِ أَن الْبركَة فِي اسْمك وَفِيمَا سمي عَلَيْهِ يدل على أَن ذَلِك صفة لمن تبَارك فَإِن بركَة الِاسْم تَابِعَة لبركة الْمُسَمّى وَلِهَذَا كَانَ قَوْله تَعَالَى {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} الْوَاقِعَة ٧٤ و ٩٦ والحاقة ٥٢ دَلِيلا على أَن الْأَمر بتسبيح الرب بطرِيق الأولى فَإِن تَنْزِيه الِاسْم من تَوَابِع تَنْزِيه الْمُسَمّى

  31. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِيهِ مَعْنيانِ أَحدهمَا تزايد خَيره وتكاثر أَو تزايد عَن كل شَيْء وَتَعَالَى عَنهُ فِي صِفَاته وأفعاله

  32. قلت وَلَا تنَافِي بَين الْمَعْنيين كَمَا قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل وَغَيره

  33. وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل سَأَلت الْخَلِيل بن أَحْمد عَن تبَارك فَقَالَ تمجد وَيجمع الْمَعْنيين مجده فِي ذَاته وإفاضته الْبركَة على خلقه فَإِن هَذَا هُوَ حَقِيقَة الْمجد فَإِنَّهُ السعَة وَمِنْه مجد الشَّيْء إِذا اتَّسع واستمجد وَالْعرش الْمجِيد لسعته

  34. وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين يُمكن أَن يُقَال هُوَ من البروك فَيكون تبَارك ثَبت ودام أزلاً وأبداً فَيلْزم أَن يكون وَاجِب الْوُجُود

    ج ١ ص ٣٠٨لِأَن مَا كَانَ وجوده من غَيره لم يكن أزلياً

  35. وَهَذَا قد يُقَال إِنَّه جُزْء الْمَعْنى فتباركه سُبْحَانَهُ يجمع هَذَا كُله دوَام وجوده وَكَثْرَة خَيره ومجده وعلوه وعظمته وتقدسه ومجيء الْخيرَات كلهَا من عِنْده وتبريكه على من شَاءَ من خلقه وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُود من أَلْفَاظ الْقُرْآن كلهَا أَنَّهَا تكون دَالَّة على جملَة معَان فيعبر هَذَا عَن بَعْضهَا وَهَذَا عَن بَعْضهَا وَاللَّفْظ يجمع ذَلِك كُله وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع

  36. وَالْمَقْصُود الْكَلَام على قَوْله وَبَارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم فَهَذَا الدُّعَاء يتَضَمَّن إعطاءه من الْخَيْر مَا أعطَاهُ لآل إِبْرَاهِيم وإدامته وثبوته لَهُ ومضاعفته وزيادته هَذَا حَقِيقَة الْبركَة

  37. وَقد قَالَ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم وَآله {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاق} الصافات ١١٢ و ١١٣

  38. وَقَالَ تَعَالَى فِيهِ وَفِي أهل بَيته {رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} هود ٧٣

  39. وَتَأمل كَيفَ جَاءَ فِي الْقُرْآن {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَاق} وَلم يذكر إِسْمَاعِيل

  40. وَجَاء فِي التَّوْرَاة ذكر الْبركَة على إِسْمَاعِيل وَلم يذكر إِسْحَاق كَمَا تقدم حكايته وَعَن إِسْمَاعِيل سَمِعتك هانا باركته فجَاء فِي التَّوْرَاة ذكر الْبركَة فِي إِسْمَاعِيل إِيذَانًا بِمَا حصل لِبَنِيهِ من الْخَيْر وَالْبركَة لَا سيّما خَاتِمَة بركتهم وَأَعْظَمهَا وأجلها برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنبههم بذلك على مَا يكون فِي بنيه من هَذِه الْبركَة الْعَظِيمَة الموافية على

    ج ١ ص ٣٠٩لِسَان الْمُبَارك صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر لنا فِي الْقُرْآن بركته على إِسْحَاق منبهاً لنا على مَا حصل فِي أَوْلَاده من نبوة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَغَيره وَمَا اتوه من الْكتاب وَالْعلم مستدعياً من عباده الْإِيمَان بذلك والتصديق بِهِ وَأَن لَا يهملوا معرفَة حُقُوق هَذَا الْبَيْت الْمُبَارك وَأهل النُّبُوَّة مِنْهُم وَلَا يَقُول الْقَائِل هَؤُلَاءِ أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل لَا تعلق لنا بهم بل يجب علينا احترامهم وتوقيرهم وَالْإِيمَان بهم ومحبتهم وموالاتهم وَالثنَاء عَلَيْهِم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ